في فلسفة الدّين بقلم : د. مجدي إبراهيم

Share Button

يلزم لنا في بداية هذا التمهيد من كلمة تشمل الحديث عن فلسفة الدين والفرق بينها وبين سائر العلوم التي تسبقها لفظة فلسفة، قد يجئ هذا التمهيد ليحمل وجهة نظر كاتبه فيما يقرأ للمجدّدين الذين يطلقون على أنفسهم مفكرين وأشباه مفكرين، لكنهم في الواقع يُغرقون في التقليد بمقدار إغراقهم في الترقيع، ويحسبون هذا وذاك من علامات التفرُّد والامتياز لأنهما من علامات التفكير الصحيح !

وليس أقسى على المرء ولا أدعى إلى العجب منه والدهشة، من أن تأخذه الحماسة بعيداً عن التفرقة بين التجديد القائم على أصول معرفية فيما هو قادم عليه وبين التقليد المؤدي إلى الترقيع، فتتفرّق النظرات إلى عمله فلا يدرى القارئ : أهو ممّن يجدّدون أم ممّن يرقعون، فإذا غلبت عليه دعوى التجديد وفحصت مجمل ما انتهى إليه فما هى إلا سويعات قليلة وحكمت عليه من فورك بما يتعارض مع أحكام العقل ويتقارب نحو الإغراق في التقليد.

إنه ولا شك ترقيع هو أقرب إلى التقليد منه إلى التجديد المؤسس على أصول معرفية يتكئ عليها.
ولا يعدُّ كاتب هذه الدراسة بتمهيدها الطويل إلاّ واحداً ممّن اشتغلوا بالبحث والتدريس في تخصصات الفلسفة المختلفة وفروعها الدقيقة المنوّعة، فلا هو بمفكر ولا هو بفيلسوف، وليس من دعواه، وإنما هو مجرّد باحث يحاول الوصول من طريق قناعاته إلى ما يُرضي فيه الضمير، وإن كان تخصصه الذي ينطلق منه وهو الفلسفة الإسلامية يستوحيه ويفرّعه بالرأي على بقية فروع الفلسفة كلما استطاع؛ ليفرض نفسه عليه بحكم الخبرة وحكم الغيرة العلمية سواء.

الأصلُ في فلسفة الدين، أو فلسفة أي علم من العلوم مثلاً كاللغة والفن والتاريخ والقانون هو أن المادة تكون دائماً من الدّين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق عمل العقل المُجرّد؛ لا ليكون من الدين أو من أية مادة علمية كانت، ولكن من الفلسفة. ولذلك، كانت كلمة الفلسفة دلالة تشير إلى أن نسقاً فلسفياً يكمن وراء المادة المُراد دراستها، وأنّ هذا النسق الفلسفي صناعةٌ فلسفيةٌ هو من الأهمية بمكان بالنسبة للمادة المدروسة يتمُّ من خلاله معالجة نقدية لقضاياها.

والمعالجة النقدية إذا هى تمّت بوضوح واتساق واستندت على قواعد منطقية، تتسلسل فيها الأفكار وتنضبط القناعات تشكل آخر الأمر نسقاً فلسفياً منظماً لا مندوحة عنه بحال، تقف وراءه منهجية نقدية (Methodology of Criticism) تدعمه وتصقله ويستند عليها هى أخص خصائص العمل الفلسفي. المهم أن تكون هنالك أفكار منظمة تحيل المادة المدروسة من شتات متفرّق الأجزاء إلى نظام تتكامل أنساقه فتكتمل فيه الرؤية الفلسفية وتتوحّد أجزاءها في إطار الوحدة والتعميم.
والفرقُ بين القراءة الفلسفية وقراءة أخرى غيرها هو في الغالب تواجد النسق العقلي المضبوط في قراءة الفلسفة، والمحكوم بالنظر والتوجّه، والمرهون بالصعود من الجزء إلى الكل، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن المرئي المشهود إلى الغيبي المحجوب.

وبمجموعة الأفكار المُوجّهة تتأتى هذه الفلسفة انساقاً متعدّدة التوجُّهات مختلفة الزوايا والسياقات تفعل في موادّها المختارة أفاعيل النظم المعرفية المنوعة، فما يُصلح لتوجُّه معيّن قد لا يصلح لتوجُّه آخر، وما يُقاس بزاوية مُحدّدة ويساق بطريقة معينة قد لا يصلح أن يقاس بنفس الزاوية ويساق المساق نفسه وبذات الطريقة، فالتعدُّد له في الشمول سعة التنوع، والتعدُّد أصالة والتوجُّه ثراء؛ ومن هنا جاءت المتعة التي يضفيها الهمُّ الفلسفي والمشاغل العقلية، وبما أن النسق نظام عقلي يلمُّ شتات المادة المتفرّقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج، صار قبولها – من ثمّ – في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مُهمّة الفلسفة كونها نسقاً يُحدّد متفرقات المادة وأجزائها، ولا يفرّق الذهن شتاتاً بين شعابها وآمادها؛ فإذا الوجهة المقصودة محدّدة الغاية معروفة القياس.
تحديداً، معنى فلسفة الدّين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ : المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، وقل نفس الشئ في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة القانون، المادة من القانون والنسق من الفلسفة، وهكذا دواليك تكون الفلسفة بالنسبة للعلم الذي تختاره لتجري عليه عملية البحث فيه.

وإذا كان النسق يعني النظام العقلي، فإن الفلسفة تشمل هذا النظام بمقدار ما تشمل البحث فيما ورائه أي البحث في المعنى الكامن وراء هذا العلم أو ذاك، فهى إذن “نسق” ثم “معنى”، أو أن شئت قلت : هى معنى تُجلى صورته في نسق مضبوط.

النسق للفلسفة كالكائن الحي، أو هو : كالوحدة العضوية للعمل الفني أو الأدبي، إذ يجمع الأفكار المشتتة رغم تعددها وتكثرها في موادّها يُعمل فيها من جهة المنهجية النقدية ما شاء له أن يعمله لتصبح – من بعدٌ – كائناً حياً هادفاً إلى الوحدة كما تكون الوحدة في كل ذي حياة. ولنتذكر هاتين المسألتين جيداً ونحن ندرس فلسفة الدين ليتم تطبيقها على أي ما شئت كان ، فلا تقوم لها قائمة بغير ذنبك المسألتين: مسألة النسق ومسألة المعنى.

وليس لقائل أن يقول إن الفلسفة فعل التفلسف فيما هو أمامك منظوراً كان أو محجوباً، وليس لها أن تتصل بصلة فيما تخرجه قريحة الإنسان المعرفيّة، فلا شأن لها بعلوم الدين والتاريخ واللغة والفن والقانون وما شابه ذلك من علوم الأوائل والمتأخرين، لأن هذه العلوم ليست هى الفلسفة مادامت الفلسفة نسقاً ولا يزيد! وإنه ما دامت الفلسفة نظاماً معرفياً يتوخّى المعنى ويخلفه النسق الفلسفي، فبوسع كل علم من تلك العلوم أن يسوق نظامه المعرفي خالياً من التناقض والاضطراب، ومن ثمّ فليس هو بحاجة إلى الفلسفة ولا إلى التفلسف.

وأعجب ما في هذا القول هو نكران التفلسف باعتباره خاصّة عقلية يلزم عنها حيوية النشاط العقلي فيما لو تذكرنا مقولة أرسطو الشهيرة :” إذا لزم التفلسف، فلنتفلسف، وإذا لم يلزم وجب هنالك التفلسف لنثبت عدم جدواه “، ولهذا وجد من الفلاسفة من يرفض أساساً الإقرار بأن للحياة أو للتاريخ أو للعالم ككل معنى من المعاني، بل ويرفض الإقرار بوجود شئ اسمه العالم ككل أو الحركة العامة للتاريخ، فرفض الإقرار من هذه الجهة إنما هو ضربٌ من ضروب التفلسف، في حين غلب على بعضهم من جانب آخر أن الفلسفة إن هى إلا المعرفة بالمعاني أو بالقيم المعرفية، وبما أن المعاني متباينة فإن الفلسفة التي تصدر عنها تتفرع إلى فلسفة التاريخ وهى التي تبحث في معنى التاريخ، وفلسفة الدين وتبحث في معنى الدين، وفلسفة القانون وتبحث في معنى القانون، وهكذا قل الشئ نفسه في فلسفة اللغة والفن والحضارة، ولكن الفلاسفة وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت توجُّهاتهم إلا أنهم جميعاً يصدرون عن رأي واحد هو أن نشاط الفلسفة العقلي شكل من أشكال الوعي الأمين وأن التفلسف فعل التبصير في كل حين.

كنتُ أناقش صديقاً مفتوناً بالفلسفة في مسألة النسق هذه، فإذا هو يرى إن الفلسفة لم تكن نسقاً وإنما هى ثورة ضد ما هو متعارف عليه، خروج عن المألوف، ليست بذات إطار، إلى فضاء أوسع مفتوح، وبالتالي تكون بعيدة عن النسق من حيث إنها تقود العلوم والمعارف، وعلل ذلك في رأيه أيضاً إن الفلسفة تبدأ بفكرة مجنونة لا تتفق مع المنطق، وقال لولا التفكير الفلسفي لظللنا نركب الدواب في ترحالنا ونعيش عيشة البداوة الأولى، فلا نتقدّم قيد أنملة، فكأنما الصديق أراد – ومعه الحق فيما أراد – أن يربط الفلسفة بالتقدّم، ولكن لا أدري كيف يتأتّى أن تقود الفلسفة العلوم والمعارف وهي في نفس الوقت تتخلى عن نسقها، وعن طبيعتها المعرفية، وعن نظامها العقلي؟

هنالك رحت أرمقه بنظرات حانية مقدّراً حبّه الشديد للفلسفة وفتنته بها، ولافتاً نظره إلى أن هنالك حركات فلسفيّة خارجة بحكم تموضعها التاريخي عن النسق، الوجودية مثلاً ليست نسقاً عقلياً، السريالية حركة أدبية فلسفية لا تعبّر عن نسق، ولا تسيغ أن يكون في فلسفتها نسق، فلسفة برجسون ضد النسق العقلي. وليس يخفي أن الإنسان الغربي قد طور العلم والفلسفة بسبب رغبته الملحة الحارقة والساعية دوماً إلى المغزى الوسيع فيما وراء الواقع وفيما وراء العقل المحدود فتوجّب عليه أن يفهم أن العقل الصحيح لا مناص له أن يستخلص من العالم زاداً من المعنى إذا أراد أن يستمر في الحصول على نتيجة من المجهود الحيوي.

وليس يخفي كذلك أن دراما “فاوست” لجوته باعتبارها أعظم دراما رمزية أبدعها العقل الغربي لهي دراما الإنسان العقلي الذي يختنق في غرفة وعيه الشخصي؛ ليعيش واقعاً متخبطاً في دائرة الضجر والعقم المفزعة التي لا تؤدي بدورها إلا إلى مزيد من العقم والضجر.

واشتياق “فاوست ” إلى التطلع لمعرفة الغيب هو الرغبة العزيزية في التعلق بحقائق الإيمان به، وتلقي تجليات المعنى الذي يحيط بالعالم الإنساني المحدود. فلن يكبر الإنسان وهو مُعلق بالمحدود مصوّب النظر إليه على الدوام. ولكن مع ذلك كله؛ ليس ينفي ظهور هذه الحركات وما ينحو نحوها وجود النسق الفلسفي كما لا ينفي وجود النسق العقلي ظهور مثل هذه الحركات وما يشابهها، هذه نزعة ماثلة في الإنسان وتلك نزعة أخرى، هذه ملكة وتلك ملكة أخرى، هذا وجود وذاك وجود آخر ولا شك. ثم قلت : حتى الأفكار المجنونة التي ذكرتها – يا صديقي – باعتبار إنها خارجة عن النمطية التقليدية وإن بدت لك فوق النسق هى عمل من أعمال العقل : إجهاد العقل في التفكير الي درجة الإعياء، ألم تكن تفاحة نيوتن عملاً عقلياً؟ ألم تكن نسبية أينشتاين عملاً عقلياً؟ ليس من صدفة بل جهد عقلي منظم ربما يصل إلى حدٍّ المرض ووعكة الإعياء.

وشاركنا النقاش زميل متخصص رأي هو الآخر أن الفكرة باختصار شديد تتلخص فيما رآه من وجهة نظره أن فلسفة أي علم من العلوم ما هى إلا حديث عن العلم من الخارج، وليست حديثاً عنه من الداخل، ولعله يعني أن مادة العلم هى ما يقرّره في نفسه، أمّا فلسفته فهي التي تتناول معناه في شموله وعمومه، فالفلسفة في نظره لا تهتم إلا بنقاط ثلاث أوجزها صاحبنا في :
1- الدراسة النقدية لأسس ومبادئ العلم .
2- توضيح مصادرات هذا العلم ومبادئه .
3- علاقة العلم بالعلوم الأخرى من حيث أصولها ومبادئها.

وعلى ما تقدّم؛ فلا يصحُ أن توصف الفلسفة في نظره بوصفها علماً من العلوم الأخرى وإنما هى أمُّ لجميع العلوم، وشأنها في ذلك شأن أي أم تهتم بأبنائها، لا يتأتى اهتمامها مع العلم بل هى تأتي فوقه أو تحته وتحيطه معها كأم حنون. وعليه؛ يمكننا فهم دور الفلسفة بالتحليل حين تتناول علم الدين.
ولئن كنت أوافق الصديق فيما ذهب إليه من وجهة نظر منطقية فإنني هنا ألفت النظر إلى حقيقية منهجية وهى الفرق الفارق بين علم الدين وفلسفة الدين، فعلم الدين من حيث المنهج شئ وفلسفة الدين شئ آخر، فالأول هو مجموعة المبادئ والأحكام التي تقام على النص الديني تتولد عنه، فالدين هنا مادة يقام عليها العلم ولا يقوم العلم على لا شئ بغير مادة، تماماً فكما يقام علم الفيزياء على الواقع الطبيعي فكذلك يقام علم التاريخ على الواقع التاريخي وعلم القانون على الواقع القانوني، وقل نفس الشئ في العلوم التي تقام على موادها وطبيعتها. فمعنى العلم هو ما يوصف بقابليته للحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ولذلك كانت المعرفة العلمية لا تتخطى هذه الحدود. فكلام الصديق السابق هو ممّا يؤخذ من تلك الزاوية.

ويشبهُ أن يكون علم الدين من حيث المنهج هو سير الباحث في مجال العلوم الرياضية يحذو حذوها وينهج منهجها. خطوتان لابد منهما الأولى، المقدمات المُسلم بصوابها وهي هنا النص الديني، والخطوة الثانية استخراج ما يمكن استخراجه منها من طريق توليد الأفكار عن الأفكار، أو توليد النتائج عن المقدمات، ومقياس الصدق في هذا هو سلامة استدلال النتائج من المسلمات. فالعلم هنا منهج وليس هو بالموضوع.

أما فلسفة الدين فمنهج وموضوع في وحدة واحدة لا ينفصلان، معنى ونسقاً، فليست كلها معرفة علمية بل المنهج العلمي فيها وان كان من الأهمية بمكان فهو جزء يسير منها غير أنها في ذاتها كلية عامة شاملة تنزع إلى الوحدة بعد أعمال المنهج العلمي وإلى الشمول بعد معرفة التفاصيل والأجزاء في اتساق كليّ متكامل. هذا جانب لا مناصّ من التنويه إليه، ولا مناص من وضعه في الاعتبار إذا دلت الإشارة عليه.

ولكن في فلسفة الدين على التخصيص – فيما لو نحن نظرنا إليها من هذا الاعتبار – لا يمكن، في تقديري، الوقوف على حقيقة الدين ونشأته، أو على تعاليمه ومقرراته، أو على آثاره في الضمائر والقلوب أو على تعميمه من جهة فلسفة الدين؛ ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من مضمون وخصوصيّة، فلا معنى عندي لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة أو لفروعها مثلاً قائماً من داخلها : تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها المعرفية الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر، وتهول.

أكثر مشكلات كتابنا المعاصرين هو التقليد المتعمّد لكتّاب الغرب، والنسخ منهم والسلخ، تقليدهم في منهج العمل إزاء الموضوعات المطروحة من قضاياهم الدينيّة ومعارفهم الاعتقادية وأنظارهم الفلسفية، ثم تقليدهم الواضح الملموس كذلك في رؤاهم النقديّة ومناهجهم المعاصرة، وربما تخريجاتهم التي تناسب واقعاتهم الحياتية وظروفهم الحضارية؛ وهى في مجملها لا تناسب واقعاتنا ولا ظروفنا ولا عقائدنا، فليس شرطاً لجودة المنتج الفكري هو أن يجئ ما يتمُّ نتاجه هناك يتمُّ بنفس الكيفية هنا، وأن ما يتناولونه فيما بينهم من محاولات تتصل بفلسفة الدين أو عطايا النظر والتفكير بمناهج مختلفة وأطروحات متباينة، نتناوله نحن هنا ونطبّقه على عقائدنا تقليداً ليس أكثر! غير موضوع في الاعتبار اختلاف الظروف والعقائد والمنطلقات المعرفية والتوجهات ثم اختلاف القيم فيما وراء هذا كله، لا لشيء إلا ليكون منتجنا الفكري يضاهي منتجهم وهو في الحق لا يضاهيه ولا يسمو إليه بل يقلّده وينزع إليه نزوع الرطانة الأعجمية.

هذا ترقيع بغيض لا يقرّه العارفون، ويجيده المتحذلقون الأفاكون المضللون، ولا ينجم عن استقلال فكري بل يكشف عن غرور التبعيّة المعرفية التي لا ترعى الفواصل ولا الظروف، وتخلط بين مجال ومجال، ولا تسلم تحت دعوى الثقافة من كُلفة الادعاء والحذلقة، كما يحدث دائماً عند الشعور بالنقص والرغبة في مداراة الجهل والسذاجة، وهى تبعية معرفية لا تراعي كذلك تلك الخصائص الثقافية والدينية لما عساه أن يُقام بين دين ودين أو بين علم وعلم أو بين ثقافة وثقافة أو بين حضارة وحضارة : فنٌ من المتع الفكرية الرخيصة اللاهية يلهو به الأدعياء في زماننا هذا كما لهى به المتحذلقون في كل زمان.

بالطبع، أنا لا أعني مطلقاً أن تجئ هناك قطيعة معرفية (Epistemological cut) بتعبير المفكر الفرنسي المعاصر “باشلار” تكون بيننا وبينهم، فهذا ما لا يقول به أحد له مسكة من عقل واعي أو حظ من وعي معقول، فضلاً عن الخلط العاري من الصحة بين المناهج والتوجّهات. غير أن عناية (باشلار) بتلك القطيعة هى عناية خاصة بنقطة التحول التاريخية في حياة النظريات العلمية وفقدان فاعليتها إزاء تفسير الواقع، إذ تصبح النظرية العلمية باطلة لا تستطيع تفسير كل ما يعترضها من ظاهرات الواقع، وإذ ذاك تتجه البحوث العلمية المعاصرة مع عجز تلك النظريات القديمة عن أداء دورها، لمثل هذه القطيعة المعرفية، ماضية نحو بناء نظرية أخرى أكثر تكاملاً وأقوى تفسيراً للواقع من التي سبقتها، لأن ماضي هذ النظرية أو تلك كان عجز عن تفسير الواقع والإحاطة به، فأبطل العجز الدور الفاعل لها، وبالتالي تصبح القطيعة المعرفية معها مشروعة، ولكن هذا كله مجال يقال في فلسفة العلم ولا يقال مثلاً في مجال فلسفة الدين.

ومع ذلك، تظل الفروق واسعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم، فكل ما يتعلق بتاريخ العلم لا تجوز معه القطيعة المعرفية لأنه إذ ذاك يُصبح العلم مع القطيعة في هذه الحالة بلا تاريخ، ويصبح استخلاص النظريات العلمية من ركامها التاريخي لا يعوّل عليه ولا تقام له فائدة ترجى، فليس هناك من قيمة لنظريات أرسطو ولا الحسن ابن الهيثم ولا جابر بن حيان ولا أحد من هؤلاء وأولئك أو غير هؤلاء أولئك ممّن اسهموا في الماضي بمنجزات علمية لها في التاريخ دور وقيمة وريادة.

المهم في الموضوع هو أن بعضهم أخذ مصطلح باشلار هذا منقولاً عن حقله المعرفي، وحاول تعريته عن العلم الذي نشأ فيه، واستخدم المصطلح لأجله ثم تطبيقه على مجال العلوم النظرية، ومنها بالطبع علوم الدين أو فلسفة الدين التي نحن بصدد الحديث عنها فأوجد قطيعة معرفية مع التراث؛ لتكون مجرد هجين لا يتجاوز الترقيع والإغراق في التقليد، مع تجاهل الفارق الهائل بين علم وعلم أو بين معرفة ومعرفة.

“كله عند العرب صابون” كما يقول المثل الشعبي المصري! على معنى الخلط العجيب بين التصورات والأفكار، وإزالة الفوارق بينها في معرض المقارنة، وإزابة المنطلقات التي تنهض بخصوصيتها، وإباحة الطرق الدائم على تطبيقها ولو بالقدح الظالم لخصوصية العقائد وخصوصية المسائل التي تتعلق بها.
هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم له فلسفته إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه وكان معناه فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تقام فلسفة على منطق تدّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير إنه لافت للنظر مع غيبة البديهة ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم ! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، او على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة وهي حقيقة الإنسان، فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده ولكنه يجمع بينهما في أتساق لا تناقض فيه، إذ من المؤكد استناد الفكر على الوجدان والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرر سلفاً لدى الإمام محمد عبده ومحمد إقبال لا بل كما تقرّر لدى افلاطون عندما قال إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا
جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلا
ً
وبعدُ، فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبينهم، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها، بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات.

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يسلم آخر الأمر من المهانة العقلية، فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد للغرب والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجم التقليد عن أصالة ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة، وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها تفكير ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة لأنه لا يتوخى عرضها بالتجرّد والانصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

بقلم : د مجدي إبراهيم
استاذ الفلسفة ووكيل كلية الاداب
جامعة العريش

Author: Ahramasr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *