Share Button

الأعدقاء الثلاثة (2)

بقلم : د. عصمت نصّار

لم يقصد مفكرنا “محمد حسونة” في حديثه عن الفارق بين العلاقة القائمة بين الكاهن والفيلسوف والسياسي في الغرب الكاثوليكي ومثيلتها في الفكر العربي الإسلامي، للترويج أو لتبرير نظام الخلافة الذي كانت تشوبه بعض مظاهر الفساد؛ لتستره وراء الدين السائد (ولعلّه كان يقصد نظام الخلافة في الدولة العثمانية الذي استحال إلى سلطنة ونظام ملكي وحكومات استبدادية علمانية في الظاهر ثم انتهى الأمر بها إلى جمهورية جاحدة للدين)؛ كاشفاً عن علة استنارة أوروبا وظلمة النُظم التي اختلط فيها الدين بالسياسة فأفسد كلاهما الآخر، وذلك على العكس من الفكر السياسي الإسلامي الذي جعل السلطة السياسية في يد الأمة ومجّ الاستبداد الكهنوتي والسياسي، وذلك بفضل مبدأ الشورى والإعلاء من شأن القضاء وتقويم أهل الرأي للحكام والولاة.

 والجدير بالإشارة في هذا السياق أن الكاتب يتحدّث من فوق منبر مجلة السياسة الأسبوعية عام 1933م، لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، الذي يدين أعضاؤه بآراء الإمام “محمد عبده” السياسية، ويروّج في نفس الوقت إلى وجهة نظر “لطفي السيد” الليبرالية، ورؤية “محمد حسين هيكل”، و”علي عبد الرازق”؛ لمستقبل السياسة المصرية. أي أن خلاصة مقصد مفكرنا في تأكيده على أن الحكمة العقليّة التي تتميز بها الفلسفة عن غيرها هي طوق النجاة من سجن السياسي المستبد ومقصلة الكاهن الفاسد.

ويمضي في سرده التاريخي مبيناً أن الرأي العام في أوروبا الذي تشبع بروح الثورة الفرنسية وأستنار ذهنه بمشكاة الحرية وتثقف وعيه بكتابات الفلاسفة، لم يجد في محافل الباباوية تسامحاً ليبوح فيها بفكره، ولا صحافة حرة يعبّر بها عن رأيه، ولا مجتمعات عامة يتحدّث فيها عن المصالح القومية، فبقى بمعزل عن الحكومة لا يستطيع أن يبدل لها رأياً، ويرسم لها خطة رشيدة. فأستقر في ذهنه أنها أصل كل الشر وسبب ما طرأ على الناس من فساد؛ فأعمل الفلاسفة مخيلتهم في تصوّر مجتمع يكون مثلاً أعلى جديراً بأن يسعوا إلى تحقيقه. وقادهم هذا الموقف إلى جحد كل النظم السياسة التي تخلط بين الدين والسياسة. كما أنه لا سبيل للحرية إلا في النظام الديمقراطي ملكياً كان أو جمهورياً ومجالس نيابيه تمثل الشعب.

أمّا دروس الكنيسة وأجراسها وصقوقها؛ فينبغي عليها أن تتفرغ للنصح والهداية وتنقية سرائر الناس من الحقد والشرور فحسب، فدور الفيلسوف الذي يريد الدكتور “محمد حسونة” التأكيد عليه، بذلك الخطاب التاريخي، هو إيقاظ العقول وتحريرها من قيد الاستبداد والعبودية، وتمكين الأذهان من اقتلاع الجهل والخرافة وضلالات الكهنة في السلوك. ذلك بالإضافة إلى تربية الرأي العام واصطناع النخبة الواعية من الجماهير؛ لقيادتهم وحماية حقوقهم والدفاع عن مصالحهم. ومن أقواله في ذلك (ليت شعري من أين هذه الأفكار أن لم تكن تطبيقاً لقول “روسو” أن الشعب صاحب السلطان الدولة وما الحكومة إلا خادمة لذلك السلطان، أو كما نقول نحن الآن جميع السلطات مصدرها الأمة”؟ ومن أين هذا الإيمان الصادق الذي أضطر لذلك إلى الإذعان له أن لم يكن مصدره ذلك الإيمان العميق الذي بخل به الفلاسفة على الكنيسة وجادوا به عن طيب خاطر على مثلهم الأعلى؟).

ويسترسل مفكرنا في شرح مهام الفيلسوف التي تسعى إلى تخليص ميدان السياسة من آفاته، ومصادر القمع والجور والفساد والهوى من سلوك الساسة المشتغلين فيه. ليس هذا فحسب بل تشجيع الأفراد على المجاهرة والبوح والتعبير عن آرائهم وأفكارهم مادامت لا تُعكر سماء الوطن الشاغلة بالحب والتعاون بين أفراده ومؤسساته ولا تهدّد الأمن والسلم الذي يحفظ كيان الدولة ويضمن استقرار النظام القائم.

أضف إلى ذلك كله، أن رسالة الفيلسوف قد امتدت إلى بنية المجتمع، فدعت إلى المساواة بين المواطنين؛ غنيهم وفقيرهم، وإلغاء نظام العبيد واسترقاق المرأة، والرغبة عن النظام الإقطاعي وسلطة النبلاء وأصحاب المقامات الرفيعة. وأكدت على أن القانون وحده هو المنوط للفصل في الخلافات والمنازعات والمظالم؛ فكل ذلك من جرّاء قناعة الرأي العام الدولي بدعوة الفلاسفة. التي تجلت في جلسة الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1789م.

ثمّ سطعت أنوارها في جُل الولايات الفرنسية، فنعمت بالمساواة بين المواطنين وألغت نظام الرق والعبودية من مجتمعاتها إلى أن ظهر الدستور 1791م الذي أدرج حرية الصحافة والمعارضة النيابية ضمن حقوق الإنسان.
ولا يؤخذ على قادة الثورة الفرنسية إلا ميلهم للعنف مع أعداء الثورة إذ شكلوا بذلك ضرباً من ضروب القمع والراديكالية التي تأبها الفلسفة.
وذلك على يد سياسيين (من أعضاء نادي اليعاقبة) “سانت جاست” (1767-1794م) و”روبسبيار” (1758-1794م)؛ فعلى الرغم من تأثر كلاهما بكتابات المستنيرين الفرنسيين، وعلى رأسهم “روسو” و”منتسكيو” و”جابريل مابلي” (1709-1785م)، إلا أنهما ارتكبا أبشع المذابح الإجرامية مع خصومهما. ولعلَّ مُفكرنا قد ذكر هذه الواقعات للتأكيد على أن الساسة أحياناً يغيرون ما يؤمنون به من قيم بدافع من الواقع، وبدافع من أهوائهم التي تقودهم لتبني مواقف معينة مغايرة لمقاصدهم وأهدافهم النبيلة.

ويختتم مفكرنا حديثه بمقولةٍ قد أستنبطها من عبق أحاديث الفلاسفة عن الحرية والمساواة بين المواطنين والعدالة الاجتماعية التي لا تسمح بجشع الأغنياء ومبالغتهم في الترف الذي يستفز المعوزين، ولا تطلع الفقراء لبزخ وترف أصحاب القصور أو الحقد عليهم؛ قائلاً (إنّ الديمقراطية الحقيقية تستدعي المساواة في المنزلة والثروة كما تستدعي انعدام الترف؛ لأنه يفسد الأغنياء بقدرتهم عليه ويفسد الفقراء بتطلعهم إليه).

تلك كانت قراءة معاصرة للعلاقة بين الفلاسفة والساسة والكهنة. ولا ريب في أن مفكرنا قد نجح في الكشف عن حقيقتها المتمثلة في حاجتنا إلى الحكمة العقلية التي تمكننا من وضع حدوداً واضحة بين المُثل التي تحدثنا عنها الآيات المقدسة ومشكلات الواقع المعيش؛ فالأولى تنّبأنا عن الحلال الواجب الذي ينبغي علينا إتباعه والعمل بمقتضاه، والحرام الذي يجب علينا اجتنابه والعمل على عدم تفشيه في البيت والمجتمع. أمّا الدساتير وأصول الحكم فترشدنا إلى الضروري إتباعه من القوانين التي يقتضيها الواقع ومشكلاته، وتحذرنا وتمنعنا من الاندفاعات التي تهدد المجتمع وسلامته، دون حجر على الحريات الراشدة وذلك بما لا يتعارض مع القيم الأخلاقية والمبادئ الروحيّة التي تقوم بتطهير السرائر وتقوية الضمائر وتثقيف السلوك الذي ترغّبنا فيه الأديان.

ثم تأتي الفلسفة الحاوية والراعية لتأكد على علاقة التجاور بين السياسة والدين وتمنعهما من التصارع ومصادرة أحدهم للآخر على أن تنتصر الفلسفة إلى المنهج دون المذهب، وتتأنى في قراءة الواقع قبل البوح بما ينبغي أن يكون، ولا تتوقف عن إدلاء النصح والتوجيه للساسة وعلماء الدين؛ الأمر الذي يمكنهما من مصادقتها والعيش معاَ في سلام يقود المجتمع إلى السعادة والرفاهية، وبذلك يُصبح “الأعدقاء” أصدقاء.

كما يمكننا ملاحظة حرص “محمد حسونة” على الكشف عن مباهج الفلسفة والدور الذي يجب أن تضطلع به في ميدان السياسة المتمثل في تربية الرأي العام وتدريبه على الإصلاح الهادئ والنقد الموضوعي الراغب عن التهوين والتهويل والهوى، ولا سيما بين أصحاب الأقلام الذين يمثلون قادة الرأي في المجتمع، ويتخذون من الصحف والقنوات الإعلامية أداة لمخاطبة الجمهور وتسييسه وتوعيته وترقية ذوقه وتنقية أخلاقه من العوائد الفاسدة، ثم تنبيه الحكومات وأصحاب القرار على ضرورة احترام القيم التي تنقل رغبات الأمة من طور التمني إلى طور التفعيل والإتقان في التطبيق وتذكرهم جميعاً (العامة والخاصة) أن الحرية بوجه عام والديمقراطية بوجه خاص، لا تخلو من الشطط والانحراف؛ فعلى الجميع احترام العقد الاجتماعي الذي يحميها من الجنوح، ويُعلن في الوقت نفسه عن قوة بأس الدستور المُبرم بينهم، وتنمية روح المحبّة لمحاكاة المدن الفاضلة.

 وأخيراً؛ يأتي السؤال:  هل معاهدنا وكلياتنا المتخصصة المنوطة بدراسة الفكر السياسي ومناهج تطبيقه قد وضعت في خطتها الاستراتيجية هذه الرسالة؟

وعلى استحياء؛ هل كُتبنا الدراسية للفلسفة السياسية تكشف عن تلك الرسالة ومقاصد الساسة ومآلات عزوفهم عن الفلسفة وأهلها؟

وللحديث بقيّة في مقال آخر من مقالات السياسة الأسبوعية في احتفاليتها بالفلسفة المصريّة.

بقلم : د. عصمت نصّار

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.