الإمام الجنيد .. سيد أولياء الإسلام (2)

الإمام الجنيد .. سيد أولياء الإسلام (2)
Share Button

الإمام الجنيد .. سيد أولياء الإسلام (2)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

صحُبَ الجنيد خَاله السّريّ السَّقطي والحارث بن أسد المحاسبي وتأثر بطريقة كل منهما إنْ في التصوف الخالص كما في حالة السري السَّقطي، وإنْ في التصوف الممزوج بعلم الكلام والعقائد كما في حالة الحارث بن أسد المحاسبي. ولقد كانت صحبة الجنيد للحارث المحاسبي ذات أثر بالغ في تحويل التوحيد والعقائد الإسلامية الكبرى من ميدان علم الكلام والجدل العقلي إلى ميدان التصوف والتجربة الذوقية، وهذه في تقديري نقطة بالغة الأهمية؛ يمكن استخلاصها من لوازم الصحبة الشديدة بين الإمامين، وهى صحبة تكشف من الوهلة الأولى عن تلمذة الجنيد للمحاسبي بالمباشرة.

ومن الأهمية بمكان أن يركز على هذه النقطة كل باحث يعرض لأثار الجنيد من قريب أو من بعيد، أعني نقطة نقل التوحيد من مجال علم الكلام والجدل العقلي إلى ميدان التصوف والتجربة الذوقية، وذلك لأنها فيما نرى نقطة بالغة الأهمية حقيقةً : أن يصبح التوحيد شعوراً يُحَس ومعنى يُذاق وتجربة تعطي ممَّا عندها. أي نعم ! تجربة ذوقية لا عمل عقلي أو فلسفي !

ونحن نعلم أن للمحاسبي مكانة كبيرة في الفكر الإسلامي سواء كانت هذه المكانة مختصة بعلم الكلام أو بالتصوف، الأمر الذي أدى بصاحب “حلية الأولياء” أن يروي عن الجنيد أكثر من أربع عشر رواية توضح تأثره بأستاذه تأثراً شديداً بمقدار ما توضح تطور العلاقة فيما بينهما من طريق قائم أساسه على الشرع، ومنهجه على الاعتدال، وفحواه ومضمونه على العلم بالكتاب والسنة.

إنه ليقول :” كنتُ كثيراً أقول للحارث : عزلتي أنسي! وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات؟ فيقول لي : كم تقول لي أنسي في عزلتي؟ ولو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنساً، ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم “.

وما بين الأنس والوحشة تدور بين المحاسبي والجنيد مناقشات في أسرار الطريق فصَّلناها في كتابنا التصوف السُّني ( راجع كتابنا : التصوف السني .. حال الفناء بين الجنيد والغزالي، ص 266 وما بعدها).

وكما شهدت هذه المناقشات الروحية بين المحاسبي والجنيد، شهدت مثلها وأكثر منها بين الجنيد وخاله سري السقطي أستاذه أيضاً، ومربيه، ومرشده، ومعلمه أذواق الطريق الصوفي وأسرار المُضي فيه قدماً غير محدود.

فكما صحب الجنيد الحارث بن أسد المحاسبي وتأثر بمنهجيته السنية المعتدلة، صحب كذلك خاله ومعلمه فنون التربية الذوقية الروحية، كأرْوَحِ وكأفيدِ ما تكون الصحبة بين عظماء الطريق، وهو الإمام العالم العابد السري السقطي (ت251هـ) أول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد، وأول من تحدَّث في حقائق الأحوال على طريقة القوم، وهو إمام البغداديين، وشيخهم في وقته على حد ما وصفه أبو عبد الرحمن السلمي، صاحب الطبقات، ص 48).

 ولنلحظ أن خصوصية منهج الجنيد في التوحيد قد انعكست عليه من خلال صحبته للحارث بن أسد المحاسبي وللسري السقطي مباشرة. ولقد كانت لهذه الشخصية الأخيرة ما كان للأولى ويزيد؛ من أثر بالغ على طريقة الجنيد وأسلوبه ومنهجه في الدعوة إلى الله، بمقدار ما كان لها من أثر بالغ أيضاً على نشاطه الروحي وممارسة منازلات الحال في عالم الشواهد الروحية؛ حتى إذا ما رأينا الجنيد يقول عن السري السقطي:” وكان إذا أراد أن يُفيدني سألني فقال لي يوماً : ما الشكر؟ فقلت : أنْ لا يُعصي في نعمة. فقال : ما أحسن ما أجبت، ما أحسن ما تقول. قال الجنيد : وهذا هو فرض الشكر : أن لا يعصي في نعمة”؛ جزمنا بوجود منهجية تعليمية ذوقية راقية بين الأستاذ والتلميذ، هى قوام العقل الدعوى لدى كبار شيوخ الطريق، أعني العقل الدعوي الإسلامي الصحيح بمفهومه الحقيقي لا المزيف، يقوم به “العارف” – ولا يطيقه الجاهل! – على أكمل وجه، على بصيرة من طريق الموافقة كما كانت عليه الحال في الصَّدْر الأول لدى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ولدى صحابته وخيرة التابعين؛ رضوان الله عليهم.

ولك أن تلحظ فرض الشكر هنا أنْ لا يُعْصَى في نعمة، تجد المعنى هو أنْ لا يعصى الله والعبدُ في نعمة؛ بل النعمة توجب الشكر ولا تدفع بالعبد إلى العصيان. وشكر النعمة مُوجب لبقائها لكأنما الشكر يصونها محفوظة من الزوال. والعصيان مُوجب لزوالها، فمن صانها بالطاعة والموالاة أدى فرض الشكر عليها، ومن شَاَنَها بالمعصية وأهمل حقها أسقط هذا الفرض، فأوْجَبَ على نفسه من فوره زوالها عنه في غير مَلامة.

ومعناه عندي عميق جداً لكأنه يقول : تجرّد لنعم الله فيك، فإنِّ النظر إلى الأغيار وبال، يرفع الشكر عن النعم، ويقطع الاتصال بالمنعم ويجرد المرء لممارسة الحظوظ. كثرة التأمل في نعم الله فيك – بموجب شكرها – أنفع لك من أن تصرف نظرك إلى غيرك؛ لأن النظر إلى الأغيار وبال. والله الذي خلق سواك خلق لك أنت أفضل من السّوى، ولكنك محجوب عن فضله بالأغيار، وأشدُّ من هذا الحجاب قسوة وشناعة حجابك عن نفسك بنفسك، وحجابك عن ربك بنفسك، وإنما شغلك بالأغيار ليبتليك بالحجاب، وكل بلاء يحتاج إلى صبر واحتساب، وما من صبر أشدُّ وأقسى على النفس من كثرة الحمد على الحجاب؛ لأنه لو كشف لك كل حجاب لأدخلك حظيرة الهوس والفقدان، فاستحضار الحمد على الدوام هو غاية الغايات من قوام العبوديّة على الاستقامة.

هذه عندي منهجية أساسها التعليم ومفادها الترقية، وهى لا تقع في الغالب إلا بين كبار الأئمة : حُكمها حكم العارف الذي يدعو إلى الله على بصيرة، وليس حكمها حكم غير العارف الذي يدعو إلى الله على ظلمة وجهالة.

كانت بينهما – السري والجنيد – من الروابط الروحية والعلاقات المعرفية ما من شأنه أن يدل من الوهلة الأولى على اتصال الجنيد بالسري اتصال التلميذ النجيب بالأستاذ الكبير، وولائه له، ومكاشفة الأستاذ بما في قلبه للتلميذ فيما لو عَرَفَ عنه فراسة الروح وصفاء الفؤاد وخلوص السريرة. فمن بين تلك الروايات التي يذكرها الجنيد عن خاله وأستاذه ما يؤكد هذه الروابط المعرفية أو العلاقات الروحية الدالة من أول وهلة على تخريج ذوقي كاشف في وضوح عن تلك الروابط أو هذه العلاقات.

قال الجنيد: ” دخلت يوماً على السري فوجدتُ رجلاً مغشياً عليه فقلتُ له : ماله! فقال : سمع آية من كتاب الله تعالى فغُشيَ عليه. فقلتُ له : يُقرأ عليه الآية مرة أخرى. فقرئت، فَأفَاقَ الرجل. فقال السري : من أين علمت هذا؟ فقلت : إنّ قميص يوسف عليه السلام ذَهَبْ بسببه عينا يعقوب عليه السلام، ثم عاد بصره به، فأستحسن ذلك مني”. وفيه ما يدلُ على تخريج ذوقي من الجنيد يستنبط منه فن الإشارة بمقدار ما يدل بالقطع على علمه العميق بكتاب الله.

وعن الجنيد أنه قال:” كُنْتُ أعود السري في كل ثلاثة أيام عِيَادة السُّنَّة، فدخلتُ عليه وهو يجود بنفسه فجلست عند رأسه فبكيت وسقط من دموعي على خده، ففتح عينه ونظر إليَّ فقلت : أوصني فقال :” لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار”. وهنالك من أساتذته شخصية صوفية ذات أثر عليه في الطريق يذكرها الجنيد بكل فضل وكل خير، وهى شخصية محمد بن على القصاب (ت 275هـ)، وكان الجنيد يقول عنه :” الناس ينسبونني إلى سري السقطي، وكان أستاذي محمداً القصاب “. وعلى الرغم من قول الجنيد هذا في القَصَّاب؛ وهو تقدير منه لأستاذه كعادة القدماء في الالتفاف حول جميل القيم إلا أن أثره الذوقي والعلمي عليه – ولو فيما نراه نحن – لم يكن بالأثر الذي كان للحارث المحاسبي أو للسري السقطي.

اكتسب الجنيد من أساتذته، ومن تجربته الشخصية، ومن جهوده العلمية والتعليمة، مكانته في الحياة الروحية الإسلامية؛ فكانت له شخصيته البارزة على التصوف بإطلاق. دَفَعَ في وجه كل منظة يمكن أن تنسب إلى هذا الطريق أو إلى أهله. وكما تأثر بمن سَبَقه من رجال الروح أثرَّ كذلك في المدارس الروحية الكبرى التي جاءت فيما بعد.

ومن المؤكد أن جهلاء الصوفية في عصره قد وقعوا في أخطاء شَنِيِعَة، كان التصوف من قِبَل المغرضين بمقتضاها عُرْضَةً للقدح في الصالح والطالح على السواء. ومن هذه الأخطاء القول بإسقاط التكليف، فما كان منه وهو العالم العامل الورع إلا أن يكون سيفاً مسلولاً على رقاب هؤلاء الخارجين على الشريعة حتى إنه سمع يوماً رجلاً ذكر المعرفة وهو يقول :” أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى إلى الله تعالى”؛ فلم يكد يسمع منه هذا الكلام الفارغ من المعنى، المضيع لحقوق الشريعة حتى أنتفض على القائل من فوره قائلاً :” إنّ هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة. والذي يسرق ويزني، أحسن حالاً من الذي يقول هذا. وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لن أنقص من أعمال البرِّ ذرة إلا أن يُحَال بي دونها، وأنه لأوْكَد في معرفتي وأقوى في حالي”. وليس معنى إسقاط التكليف ترك الأوامر أو النواهي الإلهية أو إسقاط الحركة فهذا ما لم يقل به مَنْ ينتسب إلى الإسلام حقيقةً بل معنى الإسقاط هنا هو إسقاط الكلفة والمشقة الغالبة لا إسقاط التكليف.  

وإنك لترى في قوة هذا التشديد على حق الشرع دلالةً قاطعةً على أن التصوف في الأساس تعظيمٌ للشريعة، إذْ لولا الشريعة ما كانت الحقيقة؛ بل لن يشم أحد مطلقاً رائحة الثانية وهو على حال التقصير في أمر الأولى. ولما أن قِيلَ له إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم فيها التكليف، قال ساخراً :” وَصَلوا وَلكن إلى سَقَر”.

لقد ضبط الجنيد علم التصوف ضبطاً محكماً على تلك الأصول الشرعية، وحفظه بحفظ الكتاب والسنة :”علمُنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه في الدين؛ لا يُقْتَدى به في هذا الأمر” : أمر التصوف؛ كونه علماً للباطن. أمر التصوف الذي قال فيه:” لو عَلِمْتُ أنَّ لله تعالى تَحْتَ أدِيم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيتُ إليه ولقصدته “.

ومن أجل هذا؛ من أجل تعظيم الحركة في الإسلام لا إسقاطها كما يدعي الأدعياء واللصقاء، من أجل تعظيم الشريعة الظاهرة، وانتصاب “أعمال أدلة العمال” من ذوي الخدمة؛ كان أول من ظهر عليه هذا التعظيم لأمر الشرع هو الجنيد نفسه، فلم يترك أوراده حتى في حال نزعه، فلما أن قيل له في ذلك! قال:” ومن أولى مني بذلك وهذه صحائفي تطوى”؛ فلم يترك الخدمة – رضى الله عنه – ولا ترك العمل وهو في مثل هذه اللحظة، “لحظة الموت”؛ فكيف بسواها؟. وقد عُرف عنه جده واجتهاده؛ الأمر الذي يتبيَّن معه أن الصوفي الحق لا تفارق أقواله أفعاله، ولا توجد هوة وسيعة بين ما يقول وما يفعل، وأن قوله هو فعله، وأن فعله يؤكد قوله. يؤسس فكره دائماً وأبداً على الإخلاص.

وإنه ليس برجلٍ مزدوج الشخصية ولا هو بمزدوج المعايير الخلقية : لغته حياته، وحياته يمكنها أن تظهر في مقولته : بساطة في عمق، وعمق تتولاه بساطة. على نحو ما يقول يفعل، وعلى نحو ما يفعل يقول، وليس فيما يفعل أو فيما يقول من فجوة بينية تنقض الشخصية وتحقرها أمام ذاتها فضلاً عن تحقيرها أمام الله وأمام الناس. ليس هناك انفصام بين الاعتقاد والسلوك. الخطاب الأيديولوجي هنا موافق تماماً للممارسة العملية، والنظرية هى هى التطبيق الفعلي، والتطبيق الفعلي متسق مع النظرية.

إن مقام الجنيد في الرسوخ والتمكين، ومقاومة الانحراف البادي عند من يدعي الطريق ادعاءً لا حقيقة فيه، ومقامُه بين أقرانه في التصوف لهو الذي أهله – كما قلنا فيما تقدَّم – لأنْ يتصدر الطائفة البغدادية ويلقب عن جدارة بــ ” طاووس العلماء”. فأما مقاومة الأدعياء ممَّن انحرفوا عن جادة الاستقامة وأرادوا إسقاط التكليف فقد عَرَفناه.

وأما مقاومة أقرانه ممن اختلفوا معه نظراً لمنهجه المعتدل القويم – ونظراً لهذا المنهج نفسه فقد أختلف معهم وشَنَّ عليهم حملاته الضارية، كالحلاج والشبْلي – فنحن نسوق لك فيها روايتين، الأولى ذكرها الهجويري عن رفض الجنيد صحبة الحلاج، والثانية أوردها السراج الطوسي عن مناقشات دارت بين الشبلي والجنيد.

فأما الرواية الأولى فإن الهجويري يقول فيها :” مما قرأته في الحكايات أن الحسين بن منصور الحلاج – في حال غلبته – تَرَكَ صحبة عمرو بن عثمان المكي، وأتى إلى الجنيد، فسأله الجنيد : ما الذي أتي بك؟!. فقال الحسين : طمعاً في صحبة الشيخ. فقال الجنيد : أنا لا أجتمع بالمجانين، والصحبة تتطلب كمال العقل، فإذا لم يتوفر ذلك، تَصَرَّفتَ معي كما تصرفت مع سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ وعمراً. فردَّ الحسين : يا شيخ! الصحو والسُكر صفتان للعبد، ومادام العبد محجوباً عن رَبّه تفنى صفاته. فقال الجنيد : يا ابن منصور، أخطأت في الصحو والسُكر؛ لأن الصحو بلا خلاف عبارة عن صحة حال العبد في الحق، وذلك لا يدخل تحت صفة العبد واكتساب الخلق، وأنا أرى يا ابن منصور في كلامك فضولاً كثيراً وعبارات لا طائل تحتها “.(كشف المحجوب، ص 225- 226، وأيضاً : أخبار الحلاج؛ ص 39).

لم يكن الجنيد ممن يبغضون الحلاج لهوى في نفسه أو لمنافسة كانت بينهما في ديوان الولاية، ولم يكن هنالك بغض أصلاً اللهم إلا إذا عددنا الخلاف في وجهات النظر بغضاً !

ففي هذه المناقشة خلافٌ في المنهج : منهج الجنيد في التصوف ليس كمنهج الحلاج، ولا منهج الرسوخ والتمكين كغَلَبَات الحال حركةً وانزعاجاً. يؤثر الجنيد الصحو؛ لأنه عبارة عن صحة حال العبد. ويفضل الحلاج المحو؛ لأنه صفة للعبد يزول بها عنه – نظراً لفنائه – الحجاب. إن قسوة الجنيد مع الحلاج مَرُّدها إلى منهجه الصحيح المعتدل، وحفظه للشرع من منظة الظانين، وإنه لمنهج إلى الغيرة على الطريق يرجع لا إلى شيء فوق هذا أو أبعد من هذا. وبنفس المنهج المضبوط بالشرع ضبطاً محكماً، المقيد بتعاليمه على ما يعطيه العلم، المؤثر للصحو والحضور في حالات انفلات الباطن؛ رفض الجنيد الحلاج ولم يقبله من اللقاء الأول بينهما؛ لخروجه في نظره عن آداب الطريق.

وفي أخبار الحلاج مما رواه أبو محمد الجسري رواية تفسر تَوَلُّهه وقلة قبول الجنيد له أنه قال :” رأيتُ الجنيد ينكر على الحلاج، وكنتُ عنده إذْ دَخَل شاب حسن الوجه والمنظر، وعليه قميصان وجلس سويعة ثم قال للجنيد : ما الذي يصد الخلق عن رسوم الطبيعة؟ فقال الجنيد : أرى في كلامك فضولاً أي خشبة تفسدها؛ فخرج الشاب باكياً وخرجتُ على أثره. وقلت: رجلٌ غريبٌ قد أوحشه الشيخ. فدخل المقابر، وقعد في زاوية ووضع رأسه على ركبته. وقال : فأتيت الشاب وجلست بين يديه ألاطفه وأداريه .. ثم قلتُ : الفتي من أين؟

فقال : من بيضاء فارس إلا أنني رُبيتُ بالبصرة. فاعتذرت منه للجنيد فقال : ليس له إلا الشيخوخة، وإنما منزلةُ الرجال تُعطى ولا تتعاطى “.

فهذا الخلاف البادي بين كبار شيوخ التصوف إنما خلافُ في المنهج تتقوَّم به أسرار الطريق؛ خلاف في سياسة النفس إزاء مفاوز الطريق وقواطعه؛ ليس إلا. فبينما يكون منهج الحلاج مُعبراً عن طفرات روحية عالية أساسها الوجد وغَلَبَات الحال، يجئ منهج الجنيد راسخاً ومُمَكناً؛ مسنوداً على أسس شرعية، متصلاً بقيم البقاء في حظيرة الشرع، والسلامة من الغلو والإفراط، واعتراض الظاهر من العلم أو التشريع. وهنا في الرواية المساقة تلحظ تنبئ الجنيد بصلب الحلاج واضطلاعه من وراء حُجُب الغيب بالخشبة التي سيفسد عليها. وعندما كان يصيح بقوله وهو في حضرة الجنيد بعبارة الجذب “أنا الحق!” يجيبه :” أنت بالحق أية خشبة تفسد!”؛ فتحقق فيه ما قاله الجنيد؛ لأنه صُلب بعد ذلك “؛ وكان الجنيد يقول له كما جاء في أخبار الحلاج وعلى حسب رواية نيكولسون :” أحْدّثتَ في الإسلام ثغرةً لا تَسدُّها إلى رأسك “.

لم يكن الجنيد يرضى عن شطح الحلاج، ولم يكن يقر صَرَخَات الجذب التي تتولاه وتَتَغَشَّاه، الأمر الذي دفعه في الغالب إلى أن يقسو عليه، ولم يقبله ليكون في صحبته. وليس رفض الصحبة من بعدُ بالدليل على خروج الحلاج من ديوان الولاية.

هنالك خلافٌ في منهج التربية الذوقية الذي يدين به الجنيد، وينكره الحلاج؛ لأنه من أصحاب الجذب المُوَلَّهِين. ومن غريب الملاحظات رغم هذا الخلاف الظاهر بين المنهجين أننا نجد البعض منَّا يروح ويسوي بين مذهب الحلاج ومذهب الجنيد؛ ويخلط بين الاتحاد والحلول ووحدة الشهود أو حتى وحدة الوجود، وكأن الثلاثة مذهبٌ واحدٌ لا خلاف فيه أو كأن مذهب الحلاج ومذهب الجنيد ينطلقان في الطريق من حالة واحدة ويستقران سوياً على حالة واحدة، أو أن الحلول الذي يقول به الحلاج هو نفس الحلول الذي يقول به الجنيد، هذا إنْ كان وجد عند هذا الأخير – وهو قطعاً مما لا يوجد – حلول, وأن الاتحاد (Union) بين العبد والرَّب، وهى حالة نطقت بها أقوال البسطامي، إنما هو حالة واحدة هى حالة الحلول (Incornation) التي قال بها الحلاج، وَعَبَّرَ من خلالها عن مذهبه كما استخلصه منه الباحثون.

هنالك فرقُ؛ وفرقُ كبير؛ بين الاتحاد والحلول ووحدة الشهود من جهة، ووحدة الوجود من جهة ثانية، والوحدة المطلقة من جهة ثالثة، وليس المقام مما يقتضي الكلام في هذه التفرقة؛ فمن شاء الاضطلاع عليها فليرجع إلى فصل بعنوان” حال الفناء في الفكر الصوفي “؛ من كتابنا التصوف السُّني.

أما المناقشة التي دارت بينه وبين الشبلي؛ فهى صريحة الدلالة على منهجه السُّني المعتدل كذلك : منهج التعليم، والتهذيب، والتصحيح، والترقية. ففيما رواه السراج الطوسي بسنده :” ربما كان الشبلي يجيء إلى الجنيد، فيسأله مسألة، فلا يجيبه ويقول: يا أبا بكر، هو ذا أشفق عليك وعلى ثباتك؛ لأن هذا الاضطراب، والانزعاج، والحدة، والطيش، والشطح، ليست هى من أحوال المتمكنين، وهى منسوبة إلى أحوال البدايات والإرادات”. فكأنما كان كل ما هو موصوف من أحوال الحركة والانزعاج والحدة والطيش والشطح والاضطراب وقلة امتلاك الحال إنما هو في رأي الجنيد تعبيراً عن حال البدايات، وصاحبه لم يصل بعدُ إلى أطوار الكمال كما هو عند أصحاب النهايات.

فمن أجل هذا؛ من أجل اعتدال المنهج في الطريق، ومن أجل الغيرة على هذا الطريق نفسه من أن تلوثه أغراض الحانقين، اختلف الجنيد مع أقرانه وأصحابه من الصوفية اختلاف ذوق واختلاف حال، أو إنْ شئت قلت اختلاف منهج تتقوَّم به أسرار الطريق، وليس هو بالاختلاف الذي يطرد المتخاصمين بعضهم بعضاً من ديوان الولاية.

فمن يظن بالأولياء الكبار هذا الظن لم يعد يفهم خلافاتهم بمقدار ما لا يفهم  توجهاتهم الروحية، حتى إذا ما كان هناك خلافٌ يبدو فيما بينهما فهو الخلاف الذي يمضي بعيداً عن سيطرة أهواء النفوس على أصحابها، ويقترب – بمقدار ما يبتعد عن حظوظ الهوى ومصادمة القلوب – من خلاف في الرؤية، أعني في الفكرة النظرية تعبر عن اختلاف الاتجاه والرؤية ولا تعبر عن الخروج من الميدان خروجاً نهائياً .. وإلا فليس أحبُّ إليه من الشبلي، وليس أعْذَرُ عنده في شطحاته من البسطامي.

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: