الإمام الجُنيد .. سيد أولياء الإسلام (3)

الإمام الجُنيد .. سيد أولياء الإسلام (3)
Share Button

الإمام الجُنيد .. سيد أولياء الإسلام (3)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

نأتي إلى مذهبه الصوفي لنقول في عجالة : إن مذهب الجنيد في التصوف يتلخص في كلمتين أساسيتين : الكلمة الأولى هى “التوحيد”. والثانية هى : “الفناء في التوحيد”. ولكن هاتين الكلمتين ليستا من البساطة بحيث يمكن أخْذُهُما على عُلَّاتهما هكذا بغير بحث عميق؛ بل هما جوهر التصوف الإسلامي على الإطلاق. طَرَقَ الجنيد لأول مرة مسائل التوحيد كعلم له أسسه الذوقية حين نقله مع أستاذه الحارث بن أسد المحاسبي من ميدان الكلام والعقائد الموروثة إلى ميدان التجربة الروحية والتذوق الحيوي، وهنالك صارت النظرة للتوحيد على يديه بصفة خاصة نظرة مختلفة، جديدة، وغير مسبوقة، لم يكن يعرفها المسلمون من قبل : أن يصبح التوحيد شعوراً يُحَس ويُذَاق، شعوراً خاضعاً لتجربة الفعل والممارسة، عن طريقه يكتشف الإنسان حقيقة ذاته بمقدار ما تتكشف لديه حقيقته الأصلية التي هى واحدة الذات؛ فكما أن التوحيد هو للذات الإلهية فهو كذلك توحيد للذات الإنسانية؛ وكما أن الوحدة لله تعالى فكذلك الإنسان المؤمن ينبغي أن تكون ذاته واحدة لا يشعر فيها بالانقسام والتمزق ثم التلاشي والانقراض ولا يحس معها بشيء من الفرقة؛ لأنها ذات واحدة من واحد، ولواحد، والإنسان مخلوق على صورة الله؛ فكما أن الله سبحانه واحد؛ فكذلك هذه الوحدة تسري أول ما تسري على الصورة.

إنها بالفعل لنظرة جديدة للتوحيد غير مسبوقة بمقدار ما هو فهم عميق للدين جديد أيضاً لم يكن يُعْرَف من قبل : أن يكون الدين على يد هذا الإمام شيء من أهم مكونات الإنسان مَسَّاً بحقيقته الأصلية وبحثاً عن تطوره في قلوب معتنقيه؛ فهم الجنيد التوحيد فهم عارف، وفهم عامل ذواق بصير، ولم يفهمه فهم متكلم يؤمن باللسان دون القلب أو يؤمن بالعقل وكفى، ولا ينزل الدين منزلته من قلبه؛ فإذا المكانة التي احتلها الجنيد من التصوف هى هى المكانة التي يحتلها التصوف من الدين، حتى إذا ما كان التصوف من الدين بمنزلة الروح من الجسد صار مَن يعتنقه، ومن يفهمه، ومن يواليه عنايته الكبرى هو أيضاً بالقياس إلى غيره من المتكلمين أو من الفقهاء بمنزلة الروح من الجسد؛ إذْ أن مَنْ يَفْهَم التوحيد تحققاً بهذا الفهم؛ يفهمه بتوحِّد الروح وتوليِّها لذاك التوحيد بمذاق الإدراك الذوقي.

انتقل التوحيد من ميدان الكلام إلى ميدان التصوف، أو إنْ شئت قُلتَ : من ميدان العقائد الموروثة بالنظر العقلي والجدل الخطابي إلى ميدان التجربة الصوفية؛ ليصبح على يد هذا الإمام محض تجربة شهودية عَارِفَة، ومحض بصيرة ذَوَّاقة كاشفة. التوحيد هنا – لا بل التوحيد الإسلامي – فكرة إسلامية مبدعة، أعني التوحيد بمعناه الكامل التام الشامل. الله الواحد الأحد الفرد الصمد لم يكن كاملاً تاماً شاملاً لا في حضارة ولا في ثقافة ولا في ملة ولا في عقيدة من عقائد الأقدمين ولا في ديانة من ديانات الأمم المتقدّمة سوى الديانة الأخيرة؛ ديانة الإسلام، وأن يشعر المسلم بهذه الحقيقة شعوراً يرتد إلى صفاء التجربة، ومن ثم يصف الحقيقة الإنسانية التابعة للحقيقة الإلهية؛ لم يكن في فرقة ولا في مذهب ولا في طائفة ولا في نحلة من النحل سوى التصوف، ولم يكن في التصوف بمثل هذا الجلاء الناصع إلا لدى الجنيد : أن يصبح التوحيد حياة روحية يشهد فيها الصوفي حقيقته الأصلية ماثلة بين يديه: “وَأنْ يكون كما كان إذْ كان قبل أن يكون”؛ هنالك يكتشف الصوفي ذاته اكتشافاً حقيقياً، لكنه لن يكتشف ذاته، ولن يشمَّ منها رائحة الحق إلا أن يخوض غمار تجربة الفناء (= الفناء في التوحيد).

وقد سُئل الجنيد عن الفناء في التوحيد، يعني سُئل عن تجربة التوحيد لا عن كونه عقيدة موروثة لم تنحل عنها رابطة التقليد بَعدُ، فالعقائد الموروثة بما فيها عقائد المتكلمين – ولكونها تعالج بمنهج جدلي خطابي يختلف بطبيعته عن منهج الذوق والوجدان الذي هو منهج التصوف – إنْ هى إلا تقليد عريق ولها في التقليد نسب تليد؛ بل السؤال هنا عن التوحيد، والإجابة عنه أيضاً يُنْظَر إليها من حيث كونه تجربة، بمعنى أن إجابة الجنيد عن التوحيد – فيما لو شئنا استخدام اصطلاحات القشيري – تخرج عن ” توحيد القَالة ” (= توحيد المقالة) وتدخل في ” توحيد الحالة ” (= توحيد التجربة).

لقد سُئل الجنيد عن التوحيد فأجاب :” أن يكون العبد شبحاً قائماً بين يدي الله ليس بينهما ثالث، تجري عليه تصاريف تدبيره، في مجاري أحكام قدرته، في لُجَج بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الحق له، وعن استجابته له، بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه، بذهاب حسِّه وحركاته لقيام الحق له فيما أراده منه، والعلم في ذلك أنه رَجَعَ آخر العبد إلى أوله : أن يكون كما كان إذْ كان قبل أن يكون “؛ يعني أن يكتشف المرء حقيقته الأصلية بفناء الإرادة في حقيقة التوحيد.

والكشف عن الحقيقة الأصلية للإنسان هنا كشف تحقيق لا كشف علم أو استشراف وكفى، أي كشف تجربة ومعايشة وشهود. وفي الحق أن التأمل – إيمانيَّاً – في هذا المعنى العميق للتوحيد يدعو إلى نسبة التصوف السُّني كله إلى الجنيد, طاووس العلماء وريحانة التصوف الإسلامي حقيقةً؛ ثم ليكون بمثل هذه النسبة “سيد أولياء الإسلام” على التحقيق.

أقول؛ إنّ نسبة التصوف الإسلامي إلى الجنيد بغير تجاوز ولا مبالغة، إنما هو أمر تشهد به الحياة الروحية في الإسلام التي استنت طريقته ونهجت سيرته متعقبة آثاره على مستوى التحقيق، وبخاصة تلك المدارس السنية المعتدلة التي ظهرت في الإسلام، وقامت بنشر الدعوة من طريق التخلق، ولم تأخذ التصوف نظرياً فحسب بل أوغلت في الجانب العملي أكثر من إيغالها في الجانب النظري الفلسفي كالمدرسة الشاذلية؛ ومؤسسها الإمام الهمام أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ)، رضي الله عنه وتلاميذه من بعده.

تأمل فقط مطلع هذا التعريف:” أن يَكُونَ العبد شبحاً بين يدي الله ليس بينهما ثالث، تجري عليه تصاريف تدبيره “؛ وقارن بينه وبين فكرة إسقاط التدبير كما تقررت في المدرسة الشاذلية، أو بينه وبين كتاب “التنوير في إسقاط التدبير” لابن عطاء الله السَّكندري، عندها تستطيع أن تجزم جزم اليقين بأثر الجنيد على هذه المدرسة بالمباشرة. ولنترك هذه الجزئية (جزئية الأثر المباشر) لنعود إليها من جديد في نهاية الترجمة.

على أن كثيراً من الباحثين مع شديد الأسف فهم من مقولته أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون؛ أنها ذات أصل أفلاطوني أو أنها شبيهة بفكرة أفلاطون عن سَبْقِ وجود النفس الإنسانية في عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن، وعند تحققها في ذلك العالم بالمعرفة الحقيقية؛ وراح بعضهم يقتبس من تاسوعات أفلوطين (205 – 270م) ما ظنَّه مُطابقاً لفكرة الجنيد؛ على الرغم من أن التصوف لدى أفلوطين – كما قال هويتكر-  كان نتيجة لمذهبه وليس أساساً له.

وليس من شك في أن فهماً كهذا يجانب الصواب بكل تأكيد، ويبتعد عن الحقيقة ويتعسف كثيراً في تفسير النصوص، ويحملها ما لم تحتمل؛ ففكرة وجود أفكار مجردة تنمُّ عن قِدَم النفس الإنسانية أو الروح كما يذهب أفلاطون مثلاً لم تكن موجودة عند متصوفة الإسلام في القرن الثالث الهجري. والمصدر اليوناني في التصوف ككل لم يكن قد تمكن أثره في العلوم الإسلامية، ولم يكن في ظل القرون الخمسة الأولى شيئاً يذكر بالقياس إلى المصدر الإسلامي؛ فمن أين أخذ الجنيد هذا الفهم؟ ومن أين اسْتَقاه؟

صحيحٌ أن هنالك تأثيراً وتأثراً وليس لأحد أن ينكره، لكن الولع الغريب به لدرجة تطبيقه الحرفي على نصوص التراث الصوفي الإسلامي إنما هو شيء مؤسف حقاً غير مقبول لدينا وغير معقول؛ لأنه يكشف عن شطط عقلي مَرَّده قلب الحقائق بمقدار ما يسفر عن خلط علمي مبعثه الهوى لا الإنصاف! فهل من المعقول أن تكون كل فكرة ذات قيمة في التصوف – أو حتى في غير التصوف!- مستعارةً من مصدر خارجي؟ وهل يُعقل أن تجيء الأفكار الضخمة الثرية في التصوف خارجة عن نطاق المضمون الديني، بمقدار ما هى شديدة الاقتباس من ثقافات الأمم والأقوام البدائية؟ هل يعقل هذا؟

إذا نحن لم نستطع أن نعقل ذلك، ولم نسوغ لأنفسنا قبوله، ولم نستحسن الطَرْق عليه على الدوام سواء من جانب المستشرقين أو الباحثين العرب؛ فقد وَجَبَ في معروفنا أن تكون العبرة لدينا بالتراث الفكري والحضاري، العبرة بالخلفية الفكرية والثقافية التي يعتمدها تصوف المتصوف. فإن الأصل عندنا هو : المضمون الديني ينطلق الصوفي من قواعده ومبادئه خَاصّة؛ لأنه أصل يشكل معالم التجربة الصوفية وأركانها ويستوفى معطياتها العمليّة من الأثر الفاعل في ذلك المضمون.

أي نعم! إنما العبرة بالقاعدة التي أنبني عليها تفكير المفكر أو ذوق المتصوف أو برهان الفيلسوف، العبرة عندي بما لدى هذا المتصوف أو ذاك المفكر أو الفيلسوف من مضمون ديني يتكئ عليه وينطلق منه ويدين له بكل الولاء؛ فإذا المضمون الجوَّانيُّ هو المتقدّم إزاء التجربة الصوفية في حين تتأخر المؤثرات الخارجية والمصادر البَرَّانيَّة.

إذا كنَّا لا نقبل أن يكون الغزالي مثلاً وهو القائل بفكرة كفكرة العادة، نافياً قانون السببية سابقاً ديفيد هيوم، أو لا نقبل أن يكون المعتزلة قد سبقوا الوجوديين، أو لا نقبل أن يكون ابن تيمية سابقاً في محاولاته المنطقية فلاسفة الوضعية المنطقية في العصر الحديث أو المعاصر؛ فمن الأحرى أن لا نقبل أن يكون أفلاطون – أو حتى أفلوطين! – مصدراً من مصادر التصوف السُّني المعتدل في الإسلام على أقلِّ تقدير في القرون الخمسة الأولى، ومؤثراً – أحدهما أو كلاهما – في أئمة الاعتدال كالجنيد في فكرته السابقة.

ونحن نذهب إلى أبعد هذا الرأي من منطلق اختلاف “المضمون الديني” الذي يستند عليه هذا المتصوف أو ذاك على وجه الخصوص، ويختلف به عَمَّنْ سواه. ونذهب إلى أبعد من هذا أيضاً إذا نحن عولنا كل التعويل على نشاط التجربة الصوفية وفاعليتها؛ فلا تقوم للتصوف عندنا قائمة على الحقيقة ما لم يكن للتجربة الصوفية أثر وفاعلية.

وعليه؛ فإنّ الذين حَمَّلوا النصوص ما ليست تحتمله قالوا إنّ بعض المتصوفة، وبخاصة الجنيد، قد استمدوا هذا الفهم من أفلاطون؛ لأن الفكرة في مجملها عندهم كما قلنا شبيهة بفكرة أفلاطون عن سبق النفس الإنسانية في عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن، ومنهم من قال باستمداد الفكرة من أفلوطين، وَرَاحَ بعضهم – جرياً وراء منهج الأشباه والنظائر الذي أبتدعه المستشرقون؛ فأقتبس من تاسوعات أفلوطين ما ظنه مطابقاً لفكرة الجنيد فيما عَسَاهُ يتمشى مع إعمال هذا المنهج. أقتبس الدكتور كامل مصطفي الشيبي، في كتابه (صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي؛ ص 124 وما بعدها) اعتماداً على ملاحظات الدكتور على حسن عبد القادر بطريقة فجة غير علمية ولا صوفية بالمرة بعض المسائل التي يظهر فيها التشابه بين آراء الجنيد الصوفية وأفكار الفيلسوف اليوناني أفلوطين، وأكد على أن ظهور مثل هذا التشابه يمكن أن يعدَّ اتصالاً وأخذاً مباشرةً أو بالواسطة من هذا الفيلسوف الصوفي اليوناني. وقد جمعها في نقاط ثمانية كلها في تقديري مجرد تشابه سطحي لا يقوم عليه دليل من واقع تصوف الجنيد الذي هو سُنيّ خالص، ولا تنهض في تأييده حجة عقلية ولا مزية ذوقية صوفية.

فهذا التأكيد من جانبه أو من جانب من نقل عنهم، فضلاً عما فيه من غفلة عن المضمون الديني الإسلامي الذي انطلق منه الجنيد، فهو من ناحية أخرى لا يقدم على وجه اليقين صورة واحدة تكشف عن طريقة هذا الاتصال كيف تَمَّتْ بين صوفي الإسلام وصوفي اليونان! ناهيك عن قلة اعتماد المؤلف أو عدمه في رأيه أو رأي من نقل عنه؛ للتجربة الذوقية ونسبة تصوف الجنيد إلى العقل النظري والتأمل الفلسفي وهو شيء عجيب!؛ أغرب ما فيه أنه يخالف نصوص الجنيد المقطوع بها صراحةً وضمناً، ويتقوّل عليه إذ يحمل نصوصه فوق ما تحتمل؛ بل ليس ما تحتمل.      

وتناسى هؤلاء أولاً : الطابع العام لمذهب أفلوطين وهو طابع حركي يؤكد الانتقال الدائم بين الحركتين الصاعدة والهابطة، ويفصِّل الكلام في هبوط النفس من مقرها الأعلى إلى عالم الأجسام، ثم عودتها بالتطهير من العالم المحسوس إلى العالم المعقول.

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: