الموقع الرسمى للجريده
Share Button

   بقلم : د. مجدي إبراهيم

هل للتوحيد طرق متعددة أم له طريق واحد لا اختلاف فيه ولا صراع حوله ولا تباين عليه؟
وإذا كان الصوفيّة يقولون : إن الطرُق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق؛ فهل يعني ذلك تعدد طرائق التوحيد أم تعدد الوسائل في الوصول إليّه؟

ليس ثمة مشكلة فيما يمكن فهمه من عبارات الصوفيّة كونها تتصل بالوسيلة تأسيساً على حالة روحية، تتفرّد فيها علاقة المخلوق بالخالق. لكن القدر الذي يبقى بعد معاناة الوسائل هو الكاشف عن طبيعة تلك العلاقة، وهو الذي يحدّد مستواها الشعوري وأفقها السابح في مناجاة الله وفي معرفته والاتصال به، لكنما طريق التوحيد في ذاته طريق مفتوح ليس هو بالمغلق المسدود، هو الذي لا يقبل النقيض ولا يرضى بالأضداد، ولا يعرف إلا واحداً، ولا يلج إليه داخلاً إلا واحداً بعد واحد؛ لأن “الوحدة” سبيله وغايته في البدء والمنتهى. والتوحيد هو السياج العاصم له من الفُرقة والتشتت والتمزق والانقسام. ولو أشتبه على سالكه فيما هو بسبيله أمر، لا يأخذ بالأقرب ولا بالأدنى ولا بالسهل الميسور، بل يأخذ بالأبعد والأصعب والأشق العسير.

هذا على مستوى التجربة الشعوريّة مع التوحيد السالم من علل المُحدثات. ولكن مع ذلك تتعدد الطرق إليه وتتفرق ولا سبيل إلى تجمّعها إلا أن يبلغ مستوى الشعور الديني طاقة عليا تبلغ أقصاها مع فورة التجربة الدينية، فيتعدى صاحب هذه التجربة الحدود المميزة بين الأرض والسماء، أو بين المتناهي واللامتناهي؛ لتصبح المعيّة واحدة بانصراف الجزئي إلى الكلي بالمجموع، واتصال المحدود باللامحدود : حالة تُستثنى فيها الفوارق وتذوب. هذا هو الذي أطلقوا عليه توحيد “الحالة” بخلاف ما كان مطلوقاً عليه تحت اسم توحيد “المقالة”. وكم تعبت الأسرار حوامل “التوحيد”، واعتاصت القلوب حوامل “المعرفة” في الوصول إلى توحيد الحالة هذا، وتعزيز الشعور الديني من ورائه، بمقتضى الوعى على شرطه لا على شرط سواه.

وقد كشفت التأملات في حضارات الأمم القديمة وثقافاتها المتعددة؛ في مصر، والهند، وفارس، والصين، وفي الثقافات اليونانية، وفي ملاحم الأساطير التي اتصلت بتفسيرات الكتب المقدسة إنْ في اليهودية وإنْ في المسيحية، وفيما تسرّب من إسرائيليات إلى أقلام القدماء من مفسّري المسلمين؛ أقول : كشفت عن دعوى الوقوف على أسرار المعرفة الإلهية باتجاه الغنوص تارة، وبدعوى الحكمة الإلهية تارة أخرى، وكان من المؤكد لديهم جميعاً أن للطبيعة البشرية أسراراً عصية على رجال العلم والعقل. فالبحث فيما وراؤها عن سُبل الاستبصار الروحي أجدر بالاهتمام وأولى بالعناية.
غير أن هذه التأملات جميعاً – من جهة أخرى – تسامت على المعتقد الديني المنّزه عن اللوثات المعرفية والعبادات المحدودة التي تدور في تلك المعارف؛ فقصرت حيث يراد لها الكمال، ولم تغذي روافدها الشعورية بعقائد تامة كاملة شاملة كما حدث في الإسلام؛ فأصابت الضمير الديني بداء الفصام.

لم يكن طريق التوحيد في الإسلام على تعدد مفاهيمه واتساع دوائر النظر إليه، بالعقيدة المحجّبة. ولم يكن بالطريق المغلق، بل كان طريق الأقوياء غير مُنَازَع، لا يعرف للضعف مكاناً ولا للسلبية موضعاً كما يتوهم ناقدوه من ذوي العوج والانحراف والضلالة والسطحية والبلادة والخنوع والكسل الروحي والعبث بالأوهام، وأتركُ لك أنت أن تضيف ما شاء لك خيالك أن تضيفه هنا من صفات النقص التي تلمُّ بطبائع الأفراد فضلاً عن الجماعات.

هذا طريق أولي العزم الذين صبروا وتعودوا مرارة الصبر على الدوام بغير انقطاع. إن هذا الطريق المفتوح لا يضع حدوداً تنتهي عندها حدود التعبير والتفكير أو حدود الطلاقة الروحية، ولا يصطنع لنفسه حَوَاجزَ وقيوداً فيما هو بسبيله إزاء ما يفعله قاصده أو ينتوي فعله، والذي يمضي فيه على الصدق والمعرفة وشمول الإحاطة، وعلى الأخلاق، قبل ذلك كله، لا يخرج منه أبداً، ولا يُوَدُّ الخروج منه إنْ على صعيد الوجود أو على مستوى المعرفة؛ لأنه الطريق الذي لا ينتهي عند نقطة محددة، ولا عند هدف بعينه، بل جميع الأهداف تتساقط فيه، وجميع النقط المحددة تتركز في نقطته هو، ويبقى فقط في غير انحصار هو الطريق المفتوح، وجودياً ومعرفياً، لا ينحصر صاحبه في دائرة الوجود، أعني دائرة الروح، الجسد، النفس، ولن يكون انحصاره في دائرة المعرفة، أعني دائرة العقل، القلب، الحس، الخيال. وإذا انحصر في هذه الدائرة الأخيرة، فلن ينحصر في المطلق في الدائرة الأولى، يلزمه التحرُّر في النهاية من الدائرتين على السواء؛ ليَتَوَحَّد بمثل هذا التحرر عرفانه الروحي وحقيقته الوجودية الأصلية : يَتَوَحَّدُ فلا ينقسم على ذاته ولا ينشطر كيانه بالمرة.

التوحيد ضد الانحصار والانشطار والتجزؤ والانقسام على الصعيدين : الوجودي والمعرفي؛ لأن تكاملاً بينهما في مستوى العرفان ومستوى الوجود. من أجل ذلك فهو طريق يبحث في الإنسان عن الإنسان، يبحث عن الجانب الإلهي في الإنسان. والجانب الإلهي في الإنسان روح وشهود ووجود وعرفان : روح تدرك من الغيب المحجوب حقائقه؛ وشهود يُذَاق في عالم الذوق ما ليس يحصره بصر محسوس، ووجود يعلو بالروح على كل وجود سواه حتى ليشهد عوالم ليست تتبدى للظاهر المكشوف، وعرفان يُرقي من كل هذا، ويعرج بكل هذا، ويصدر عن مصدره القلبي الذي تطمئن به الضمائر والسرائر والبصائر.

إنّما الجانب الإلهي في الإنسان هو النفخة الإلهيّة المنفوخة في طينة آدم؛ السرُّ الإلهي فيه. لا ريب كان هذا الجانب نفسه هو ما كشف عن التوحيد عينه، وهو الذي يشمل على أقل تقدير الحقيقة الإلهية في الجوهر الإنساني بلا قيود ولا حدود، ويتضمن مطلق الحقيقة الإلهية في الإنسان، هذه الحقيقة هى التي لا تقبل الانحصار ولا الانقسام، هى الطريق الذي تتساقط فيه جميع الأهداف؛ لتتجمع في نفسها عند النقطة المركزية العليا : التوحيد العاصم من فرقة الذات وتمزقها وتشرذمها، وهو هو العاصم أيضاً من فُرقة المجموع وتشتته وتفرقه وانقسامه إلى طوائف وفئات تتصارع وتتطاحن، كما تتصارع داخل الذات الواحدة رغائب وتتطاحن قوى !

طريق التوحيد هو عينه طريق الأقوياء الأصحَّاء غير مُنَازَع، هو الطريق المفتوح الذي ليس هو بالمغلق ولا بالمسدود. وهو هو في البداية والنهاية طريق العرفان تتحقق فيه ذات العارف كما تحقق صفته. وما سمى العارف عارفاً إلا لأنه  يتوحد عرفانه مع التوحيد حتى ليفنى فيه فتوهب له – من طريقه –  المعرفة بالله.

قد تَنْصَرفْ إلى غيره، وتنقطع عنه إلى سواه، فانصرافك وانقطاعك في هذه الحالة ليس سوى عوداً على بدء، في رحاب الطريق، وعند حلّه لأول مرة، رغم ترحالك في الكثير المثير من الأحيان بعيداً عنه؛ مما راقك وشاقك، وألزم نفسك الإتباع بعيداً عن صفائه وقصده وخلوصه، فما أن ترتحل إلا لتحل، وما إنْ تحل حتى ترتحل، فأنت في هذا الرحاب، “الحَالُّ المرتحل!”، على الحقيقة، أنت لا تنقطع إلا لتعود، ولا تعود إلا لشعورك بالانقطاع؛ بيد أنك تعود وفي قلبك غُصَّة الانقطاع : تتوتر الروح لديك وَتُعَانق المطلق فيك مع مطلق الوجود.

إذا حدث لديك مثل هذا “التوتر الباطني” بجَذْب الطريق إليك، وكنت من المخصوصين بتلك الجذبة فأنت أهل لهذا الطريق، أهل لطريق العرفان. أنت أهل للمضاء فيه على غير انقطاع، حتى ولو أنك انقطعت؛ لأن الطريق في الغالب كله تجريب، اختبار تلوي فيه مختاراً في المبتدأ عنق النفس ليَّاً تحت ضغط العقيدة الكلية الشاملة الكاملة التامة، ثم يجيء الطريق بعد اختيار الاختبار؛ طريقاً كله ذوق شعوري باطني وجداني، وشوق يلتاع فيه المرء بما يشعر وبما يجرب، وبما يهتم به أو يهيم فيه، فهو مع ذلك كله؛ صعوبة، وغرابة، وهجرة، وعودة، وأوْبَة : عودة ثم أوبة، وهكذا؛ وهكذا مما يألفه المرء، أو يخرج فيه عن المألوف. 

هَبْ أنك مثلا كُنتَ من أهله، وانصرفت عنه كليةً إلى سواه، ربما جَرَفَكَ الحنين جرفاً إلى طريق آخر سواه، ربما أخَذَتْكَ الدنيا شوقاً إلى غيره ممّا لا يتفق معه في شيء، لكنك في المجمل لا تستطيع أن تبقى في مثل هذا السِّوى أو في مثل هذا الغير لحظة، لماذا؟ لأنك في البداية والنهاية أنت لست بصادق، لم تكن من الصادقين حين ذهبت فيه أو إليه، (تحسبه هيناً وهو عند الله عظيم!) هو ليس لُعْبَة، ولكنه عناء يستمد من معاناة التجربة، والتجربة تبدأ باكتشاف اللحظة، لحظة التجلي الكشفي الشهودي بعد التجلي الوجودي بالآن.

الآن، واللحظة؛ هما مُفْرَدُ التجربة الطويلة التي لا تنتهي عند صاحبها، هى تشبه الدائرة، متى دخلت فيها لا تخرج منها، وكيف تخرج وأنت تدور حول نفسك دوران اتصال وانفصال في آن واحد. ودرء الدوران حول النفس وجودٌ لا يَتَحَصَّل بمُجّرَّد معرفة الوجود معرفة سطحية من خارج، ولكنه يَتَحَصَّل بالعرفان الذي تنخلع فيه النفس عن وجودها حتى لتكاد تموت لترتحل إلى مطلقها.

التناقض ديدنك وعاداتك، وطريقك في هذه الصورة التي تراها من نفسك، ولا يراها أحد منك، فضلاً عن الصورة التي تكوِّنها عن نفسك، ولا يكونها أحد غيرك عنك، صورتك أنت أمام نفسك، كيف تخرج عن نفسك، ولا يخرجك أحد عنها سواك! إذا استطعت أن تخرج عن نفسك استطعت في الوقت نفسه أن تكتشف “اللحظة”، بمقدار ما تكشف عن تجربتك في التعبير والتفكير في صحيح الأحوال، وفي كل الأحوال. بيد أن ضريبة التحقُّق ذاتها تعني : سحب النفس بالجملة عن مجراها الطبيعي وخروجها عن التمحور حول ذاتها أو حول الواقع الذي تعيشه بكل ما فيه ومن فيه؛ والإلقاء بها في مراجل التأمل التي تغلي وتفور لتفعل فيك تجربة الروح والفكر والتأمل فعلها الذي ينتظرك على موعد منه وعلى لقاء !

التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك، ولست أنت القائد ولن تكون. التجربة هى التي تفعل، ولست أنت الفاعل ولن تكون. هنا يكون التخلي عجباً من أعاجيب القدرة : أعني التخلي عن وهم تمثل في الوعي المحفوظ دوماً بالأنانية، واستبداله بمحيط السلامة النفسيّة بدايةً حين تتحلى بمجموعة “قيم علوية” تعتقدها وتدين لها بكل الولاء، وشيئاً فشيئاً تصبح عادة التحلي طبعاً لا يقبل الانفطام، ولا التخلي عنه بحال. بقاءك مرهون بعقيدتك في هذه الحالة ما في ذلك شك، وَتَقَدُّمُكَ مَوْقُوفٌ على الولاء كل الولاء لما تدين ممَّا عَسَاَكَ تحلَّيت به في السابق وتزكيت.

حقاً .. ما أكثر الذين يتكلمون، يفصحون عما هم فيه من البداهة لكن ينقصهم صوابها من أول وهلة. وما أقل وأندر الذين يعملون ولا يقولون! ولئن قالوا قالوا عن حق، ونطقوا عن حق، تأمل قوله تعالى:” وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهُمْ بَرَكَات منَ السَّمَاء وَالأَرْض”؛ ففتح البركة من السماء والأرض مَرَدَّهُ إلى التقوى، مشروط بها عمل العامل على شرطها. إنّما العمل ضد الكلام، والذين يكون عملهم هو الكلام، هم في الغالب أقل الناس حظوة يوم الدينونة إلا أن تتحوّل الكلمات لديهم إلى أفعال.

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like