Share Button

اقعدني الاعياء بالمنزل الاسبوع المنصرم فقضيت معظم الوقت امام التلفاز فهالني ما تبثه اجهزه الاعلام من مواد اعلاميه حملت بين دفتيها جرأة وفجاجه وقبحاً واعمالاً تبث الكراهيه والبغضاء من شأنها ان تعكر النبع الصافي كما روعني هذا الانحطاط في لغة الحوار التي خلت من الحياء وعجت بكل ما هو ركيك وكانت كالسيل العنيف المندفع دون اعتبارٍ لقيمنا ووجودنا واندفعت بقوةٍ ماحقة لتكتسح في طريقها الاخضر واليابس بسيل ازلي لا يرحم ولا يبقي لا سواحل له ولا شطآن فهاجمتني همومٌ والام ولما كانت عواطف الحزن والشقاء لا تكون الا من سمو لانها وحدها الحارسه فينا لانسانيتنا لانه لابد للضمير الانساني من صوت أليم يقول له احياناً انت سماوي .
من اجل ذلك هرعت الي قلمي وقرطاسي لاكتب عن الحياء وفي ذلك يقول الله تعالي ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) “النساء ١”
وقال تعالي ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) ” غافر ١٩”
وعن عمران بن حصين انه قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم ( الحياء لا بأتي الا بخير ) “اخرجه البخاري حديث ٦١١٩”
وعن ابي سعيد الخدري انه قال ( كان رسول الله صل الله عليه وسلم اشد حياء من العذارء في خدرها فاذا رأي شيئ يكرهه عرفناه في وجهه ” اخرجه البخاري حديث ٦١٠٢”
وفي الصحيح عنه صل الله عليه وسلم قال : ( ان مما أدرك الناس من كلام النبوه الأولي : اذا لم تستح فاصنع ما شئت ) “اخرجه البخاري حديث ٣٤٨٤”
وفي الترمذي مرفوعا ( استحيوا من الله حق الحياء قالوا : انا نستحيي يارسول الله قال : ليس ذلكم ولكن من استحي من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعي وليحفظ البطن وما حوي وليذكر الموت والبلي ومن اراد الآخرة ترك زينه الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء ) “اخرجه الترمذي حديث ٢٤٥٨”
والحياء من الحياة وعلي حسب حياة القلب يكون فيه قوه خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب احيا كان الحياء اتم
وفي اثر الهي يقول الله عز وجل : ابن ادم انك ما استحييت مني انسيت الناس عيوبك وانسيت بقاع الارض ذنوبك ومحوت من ام الكتاب زلاتك والا ناقشتك الحساب يوم القيامه .
وفي اثرٍ اخر اوحي الله عز وجل الي عيسي عليه الصلاه والسلام عظ نفسك فإن اتعظت والا فاستحيي مني أن تعظ الناس .
قال الجنيد الحياة رؤيه الآء ورؤيه التقصير فيتولد بينهما حاله الحياء وحقيقته خلقٌ يبعث علي ترك القبائح ويمنع من التفريط فيه
وفي اثرٍ الهي ما انصفني عبدي يدعوني فاستحيي أن أرد ويعصيني ولا يستحي مني .
وكان يحيي ابن معاذ يقول : سبحان من يذنب عبده ويستحي هو وفي اثر من استحى من الله استحى الله منه .
وغني عن البيان ان الحياء علي عشرة اوجة
١- حياء الجنايه فمنه حياء آدم عليه السلام لما فر هارباً في الجنه قال الله تعالي : افراراً مني يادام ؟ قال : لا ياربي بل حياء منك
٢- حياء التقصير كحياء الملائكه الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامه قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك
٣- حياء الاجلال هو حياء المعرفه وعلي حسب معرفه العبد بربه يكون حياؤه منه
٤- وحياء الكرم كحياء النبي صل الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم الي وليمه زينب وطولوا الجلوس عنده فاستحي ان يصرفهم “اخرجه البخاري حديث ٥١٧١”
٥- حياء الحشمه كحياء علي ابن ابي طالب ان يسأل رسول الله صل الله عليه وسلم عن المذي
٦- حياء الاستحقار وهو استصغار النفس كحياء العبد من ربه حين يسأله حوائجه احتقاراً لشأن نفسه واستصغاراً لها وفي الاثر ان موسي عليه السلام قال : يارب انه لتعرض لي الحاجه من الدنيا فاستحي أن أسالك أياها يارب فقال الله تعالي : سلني حتي ملح عجينتك وعلف شاتك .
وقد يكون لهذا النوع سببان احدها احتقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه ، الثاني استعظام مسؤله
٧- حياء المحبه فهو حياء المحب من محبوبه فاذا فاجئ المحبوب محبه ورآه بغتة احس القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف
٨- حياء العبوديه وهو حياء ممتزج من محبه وخوف وعبوديته له توجب استحياءه منه لا محاله
٩- حياء الشرف والعزه وهو حياء النفس العظيمه الكبيره اذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل او عطاء واحسان فانه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزه
١٠- حياء المرء من نفسه فهو حياء النفوس الشريفه العزيزه الرفيعه من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحياً من نفسه حتي كان له نفسين يستحي باحداهما من الاخري فهذا اكمل ما يكون في الحياء فان العبد اذا استحي من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر
ومن نافله القول ان الحياء أول مدارج أهل الخصوص يتولد من تعظيم منوط بود وأول سلوك أهل الخصوص أن يروا الحق سبحانه حاضراً معه وعليه بناء سلوكهم فالحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالموده فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء وهو علي ثلاث درجات
الدرجه الاولي : حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق اليه فيجذبه الي تحمل هذه المجاهده ويحمله علي استقباح الجنايه ويسكته عن الشكوي علاوه علي ان الاستقباح الحاصل عن المحبه ارفع درجه فاستقباح المحب اتم من استقباح الخائف ولذلك هذا الحياء يكف العبد ان يشتكي لغير الله فيكون قد شكي الله الي خلقه ولا يمنع الشكوي اليه سبحانه فان الشكوي اليه سبحانه فقر وذله وفاقه وعبوديه فالحياء منه في مثل ذلك لا ينافيها
الدرجه الثانيه : حياء يتولد من النظر في علم القرب فيدعوه الي ركوب المحبه ويربطه بروح الانس ويكره اليه ملابسة الخلق والنظر في علم القرب بتحقق القلب بالمعية الخاصة مع الله فهي معية قرب تضمن الموالاة والنصر والحفظ وأما القرب فلا يقع القران الا خاصاً وهو نوعان قربة من داعية بالاجابة وقربة من عابد بالإثابة فالاول فقوله تعالي ( واذا سألك عبادي عني فأني قريب أجيب دعوه الداع اذا دعان ) البقره ١٨٦
والثاني فقوله صل الله عليه وسلم : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وأقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل “صحيح اخرجه مسلم حديث ٢١٥ ”
وعن ابي موسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم ايها الناس أربعوا علي أنفسكم أنكم لا تدعون أصم ولا غائبا أن الذي تدعونه سميع قريب أقرب الي أحدكم من عنق راحلته “رواه مسلم حديث ٤٦”
فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العباده والثناء والحمد وهو ليس كقرب الاجسام بعضها من بعض وهذا القرب دعوه صاحبه الي ركوب المحبه وكلما ازداد حباً ازداد قربا واما ربطه بروح الأنس فهو تعلق قلبه بروح الانس بالله تعلقاً لازماً لا يفارقه
واما الدرجه الثالثه فهو حياء يتولد من شهود الحضرة وهي التي لا تشوبها هيبه ولا تقارنها تفرقة ولا يوقف لها علي غاية وشهود الحضرة هو انجذاب الروح والقلب وعكوفه علي رب البريات فهو في حضرة قربه مشاهداً لها واذا وصل القلب اليها غشيته الهيبه وزالت عنه التفرقه اذ ما مع الله سواه فلا يخطر بباله في تلك الحال سوي الله وحده وهذا مقام الجمعيه واما القول ولا يوقف لها علي غايه فيعني ان كل من وصل الي مطلوبه وظفر به وصل إلي الغاية إلا صاحب هذا المشهد فانه لا يقف بحضرة الربوبيه علي غاية فان ذلك مستحيل بل اذا شهد تلك الروابي ووقف علي تلك الربوع وعاين الحضرة التي هي غاية الغايات شارف أمرا لا غايه له ولا نهاية والغايات والنهايات كلها اليه تنتهي ( وأن الي ربك المنتهي ) ” سوره النجم ٤٢ ”
فانتهت اليه الغايات والنهايات وليس له سبحانه غاية ولا نهاية لا في وجوده ولا في مزيد جوده إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ولا نهاية وحمده وعطائه بل كلما ازداد له العبد شكراً زاده فضلاً وكلما ازداد له طاعة زاده لمجده مثوبة وكلما ازداد منه قرباً لاح له من جلاله وعظمته مالم يشاهده قبل ذلك وهكذا ابداً لا يقف علي غايه ولا نهاية ولهذا جاء ( إن أهل الجنه في مزيد دائم بلا انتهاء ) فان نعيمهم متصل منا لا نهاية لفضله ولا لعطائه ولا لمزيده ولا لاوصافه فتبارك الله ذو الجلال والاكرام ( ان هذا لرزقنا ما له من نفاد ) ” سوره ص ٥٤ ”
وفي ذلك يقول الحديث القدسي ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل انسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي الا كما ينقص المخيط اذا ادخل البحر ” صحيح اخرجه مسلم حديث ٥٥ ”
اللهم اجعلنا ممن استحي منك فرفعته وقبلته وجعلته من المحبين المحبوبين المقربين العاشقين لك يا الله ورضيت عنه وصل علي سيدنا محمد وعلي اله عدد ما احاط به علمك وخط به قلمك واحصاه كتابك وشهدت به ملائكتك وما وسعه سمعك وما أحاط به بصرك عدد قطر الأمطار وأوراق الأشجار وعدد دواب القفار ودواب البحار ومياهها وعدد ما اظلم عليه الليل وأرضاء عليه النهار وصل عليه مداد كلماتك وملئ سماواتك وارضك وزنة عرشك نبي الرحمه شفيع الأمه كاشف الغمه مجلي الظلمه صاحب الحوض المورود واللواء المعقود والمكان المشهود الموصوف بالكرم والجود صاحب الضراعه والشفاعه والوسيلة والفضيلة وصاحب الدرجة الرفيعة وصاحب الحجة والبرهان وعلي آله الطيبين الطاهرين وعلي زوجاته أمهات المؤمنين وعلي اصحابة الغر الميامين ما هبت النسائم وما ناحت علي الأيك الحمائم ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر ما جن ليل الدياجي او بدا السحر ما صحب الدجي حاد وحنت بالفلا وجناء
🌹المستشار عادل الرفاعي🌹

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *