Share Button

السراج المنير 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

من أسرار الصلاة والتسليم عليه أن السادة العارفين توخوا النور فصلّوا عليه من أصل حقيقته الروحية مع أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، لكن الشخصية النبويّة غير الحقيقة المحمدية، وما يقال في هذه من حيث “البعد الروحي”، لا يقال في تلك من حيث “البعد الزمني”.

الشخصية النبويّة لها بداية ونهاية، مولد فتاريخ فحياة، ثم انتقال إلى الرفيق الأعلى. أمّا الحقيقة المحمدية؛ فحقيقته الروحية المحمودة في السماء، حقيقة مغيبة، باقية دائمة، سرمدية من الأزل إلى الأبد، ظهرت في كل الأنبياء من قبله منذ آدم حتى ظهرت كاملة في شخصه صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كيف ظهرت في كل الأنبياء وهو خاتمهم؟
الذي ظهر هو نورها، والظاهر هو الرسول المُبلغ، لأنه صلوات ربي وسلامه عليه سابق للخلق نوره، ولأن القرآن وصفه بالنور، (قد جاؤكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين)، ووصفه بالسراج المنير الذي تفيض عنه الأنوار على الأكوان ومنها فيوضات الأنوار على الأولياء والعارفين ..
أنا شخصياً عجبتُ لقول أحدهم، وهو معدود فيما بينهم من أكابر العلماء، إذ يقول : “لا ينبغي أن يوصف النبي صلوات الله عليه بالنور، لأنه بشر كسائر البشر غير أنه يُوحى إليه”، مع أن هذا الوصف قرآنيّ في الصميم. ومادام يُوحى إليه فوصف النور ألصق به وأقرب إليه، لأن هذا الذي “يُوحى إليه” نور على نور، وإذا لم يكن نوراً لم يكن يُوحى إليه. وإذا ثبت الوحي إليه، ولا بد أن يثبت، كان أقل وصف له أنه نور على نور .
حقيقة أن ما تقرّر في حقه، صلى الله عليه وسلم، في القرآن الكريم، يعطي للحقيقة المحمدية دلالاتها ومعناها ومصداقية تقريرها خلال المصدر الإسلامي الأول والمعتبر، ويحدّد مفهومها تحديداً دقيقاً لا يعتمد على مصادر خارجية، ولا يمكن لعاقل أن يترك مصدره الإسلامي ويذهب ليأخذ بالتشابه الذي يظهر أمامه لمجرّد التشابه في ثقافات الأمم الغابرة، وبخاصّة إذا كانت تلك الأمم وثنية لا تدين بكتاب مُنزَّل من عند الله، ولا تعتقد بعقيدة التوحيد؛ فكل ما تمّ ذكره سلفاً في قدم النور المحمدي ما هو إلا محاولة من العارفين لبناء نظريتهم في الحقيقة المحمدية استناداً على الآيات القرآنية الكريمة، وهى بلا شك محاولة مشروعة مقررة على نهج القرآن وشريعة القرآن.
ولكن هذه المحاولة ليست هينة يسيرة؛ بل هي من الصعوبة بمكان، وصعوبتها كامنة في بعدها العملي التجريبي، في الاختبار والممارسة الفعليّة، فالحقيقة المحمدية تتصل بروابط وثيقة بتجربة العارف وخبرة الولي المتحقق في شكلها التطبيقي المُلزم لكل مؤمن بالله؛ ولذلك جاءت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً إلهياً وفريضة مفروضة، وهي أمر للمؤمنين دون غيرهم، أمر مباشر (للذين آمنوا).
وبما أن هذا الأمر للمؤمنين خاصّة؛ فلا يمكن لغيرهم أن يذوقوا قطرة واحدة من عباب نور الصلاة والتسليم عليه. وما دام الأمر الإلهي فريضة، فهو متصل بخبرة الولي وبتجربة العارف اتصالاً مباشراً، وتحقيقاً لا استشرافاً. والذين يرفضون الحقيقة المحمدية في بعدها الروحي لا تحقيق لديهم من هذه الفريضة ولا يقوموا بواجباتهم تجاهها؛ لأنهم لو قاموا بوجباتهم تجاه تلك الفريضة لظهرت لديهم بالعمل والاختبار والتحقيق هذه الحقيقة المحمدية نوراً تاماً كاملاً في قلوبهم قبل أن يلتمسوا لها أشباهاً ونظائر في ثقافات الأقدمين؛ وذاقوا من معطياتها ما يؤهلهم بالإيمان بها مفهوماً لدى الأولياء المحققين :
(إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيِّ يا أيُّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً).
الله وملائكته يصلون عليه من الأزل إلى الأبد صلاة دائمة تامة كاملة موصولة بعلم الله وعناية الله. والأمر الذي جاء للمؤمنين بالصلاة والتسليم عليه هو كذلك موصول بعلم الله وبعناية الله، وليس في مدد العلم والعناية عطاءً أعلى ولا أرفع من هذا العطاء، لذلك تعرض صلاة المصلين عليه فيسمعها، كما تعرض عليه أعمالهم، فيحمد الله على الخير الذي هو فيها، ويستغفره إذا لم يجد فيها ما يسره، وهو ببقاء هذه الحقيقة النورانية حيٌ فينا باقي لا شك في هذا.
هذا، وقد مدح المادحون حقيقته النورانية بل صرحوا ولم يكتموا، لأنهم كانوا من أهل التجريب واليقين، ومن كلمات الشيخ جاد أبو غازي، أحد الذين ذاقوا الشوق إليه ومارسوا على التحقيق محبته، فقال في مدحه صلى الله عليه وسلم  من الأبيات :
(1) لا يعلم قدر رسول الله
حقاً والله سوى مولاه
قد جاء حديثٌ ما معناه
لا يعرف قدري غير الله
(2) قبضتكم قد غُمست فى النور
والكون على الألواح سطور
ورأيتَ الله بغير ستور ما أنت إلا مرآه
(3) قد كنت مضيئاً في الغيبات
تتلألأ فى سُبحات الذات
وحديث عنك روته ثقات
أنا أول من قد خَلق الله
(4) يا واصفه والوصف مُحال
حاشا والله يفيه مقال
هو كان وكل الكون زوال
هو أصل ومصدر كل حياة
(5) من يعرف قدرك فى الأكوان
والكفةُ كفك والميزان
لم يكن الكون ونورك كان
يتلألأ فى غيبات الله
(6) من يعدل قدرك يا سبّاق
نوراً والشمس بلا إشراق
يا قمراً لم يدركه محاق
يا مظهر حضرة ذات الله
(7) هو طه أصل الموجودات
هو حقاً مجلى صفات الذات
هو فاتح أبواب الجنات
كى يدخل منها أهل رضاه
(8) سل ساق العرش وسل كرسيه
ما الاسم وماذا قد يعنيه
ما كُنه النور وماذا فيه؟
عن سر يعلمه مولاه
(9) سل عائشة وسل الزهراء
عن ذى الاطلالة والإرواء
عن نور أخجل كل سناء
والنور بغرته تيّاه
(10) أمحمدنا والقلب جريح
ما بين الآهة والتبريح
وراح بسر العشق يبوح ويردده واشوقاه
وقد قرأت أن أبا حنيفة النعمان كتب قصيدة في رسول الله ﷺ ولم يطلع عليها أحداً، فلمّا وصل إلى المدينة المنورة، سمع المؤذن ينشدها على المئذنة !
فعجب من ذلك وأنتظر المؤذن
فسأله : لمن هذه القصيدة ؟!
قال : ﻷبى حنيفة النعمان
قال : أتعرفه؟ قال : ﻻ
قال : وعمّن أخذتها ؟
قال : فى رؤياى، أنشدها بين يدى المصطفى ﷺ فحفظتها وناجيته بها على المئذنة.
فدمعت عينا اﻹمام أبى حنيفة رضى الله عنه وأخذ ينشدها :
(​يا سيد السادات جئتك قاصدا​ً
أرجو رضاك وأحتمي بحماك​
​والله يا خير الخلائق إن لي​
قلباً مشوقاً لا يروم سواك​
​وبحق جاهك إنني بك مغرم​ٌ
والله يعلمُ أنني أهواك​
​أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ​
​كلا ولا خُلق الورى لولاك​
​أنت الذي من نورك البدرُ اكتسى​
​والشمس مشرقةٌ بنور بهاك​
​أنت الذي لما رُفعتَ إلى السماء​
بك قد سمت وتزينت لسَرَاك​
​أنت الذي ناداك ربك مرحبآ ​
​ولقد دعاك لقربه وحباك​
​أنت الذي فينا سألتَ شفاعة​ً
​ناداك ربك لم تكن لسواك​
​أنت الذي لما توسل آدم​ُ
​من زلةٍ، بك فاز وهو أباك​
​وبك الخليلُ دعا فعادت ناره​
​برداً وقد خمدت بنور سَناك​
​وبك المسيح أتى بشيراً مخبرا​ً
بصفات حسنك مادحاً لعلاك​
​وكذاك موسى لم يزل متوسلآ​
بك في القيامة محتم بحماك​
​والأنبياء وكل خَلقٍ في الورى​
​والرسل والأملاك تحت لواك​)
اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد السراج المنير الذي منه انشقت الأسرار الكامنة في ذاته العلية ظهوراً، وانفلقت الأنوار المنطوية في سماء صفاته السنية بدوراً، وفيه ارتقت الحقائق منه إليه، وتنزلت علوم آدم به فيه عليه فأعجز كلاً من الخلائق فهم ما أودع من السر فيه، صلاة دائمة تامة كاملة وسلم عليه وسلم عليه وسلم عليه.

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.