Share Button

دراسة نقدية للأديب / فاروق الحضري **

تأْسُرُنِي الأشْجَان..
وتُلْقِي بي في مَهَبِّ الرِّيحْ
فلا أغْفُو ولا أسْتَرِيحْ
اتَأَرْجَحُ بينَ صَقِيعِِ وَنارْ
تُطَارِدُنِي عُيُونُ الجِيَّاعْ..
تُرْعِبُنِي لَيَالِ الضَّيَاعْ..
بِلا دِفْءٍ.. بِلا سَرِيرْ
عِنْدَ بُيُوتِ قَشٍّ وقِصْدِيرْ
تَخْشَى عيونَ سِيِّدِي الأمِيرْ
ان يُصِيبَهَا مِنْ شَرَرِهَا اليَبَابْ
فَتُمْسِي تُرابًا في تُرابْ
وأَعْلَى الشارعِ الوَلْهَانْ
حيثُ الأنْوَارُ والألْحَانْ
اسْتَوَتْ قُصُورُ سَيّدِي السُّلْطَانْ
وحَدائِقُُ غُلَّبُ وجِنَانْ
يَحُومُ في حَوَاشِيهَا البُومُ والغِرْبَانْ
ويَنْبَحُ الخُرَّابُ والكِلَابُ
ويُنَمِّقُ تاجِرُ الحُرُوفِ الكِتابْ
ويُرَصِّعُ ألفَ خِطابٍ وخِطابْ
ليَسْلُبَ الألْبَابَ والرِّقابْ..
وبين حقيقةٍ وسَرَابْ
أسْتَرِقُ السَّمْعْ..
فَتَهُولُنِي أَنْباءُ التَّعَسُّفِ والقَمْعْ
فَخَطَطْتُ حروفًا مِنْ دمٍ ودَمعْ
أقْلقَتْ راحةَ سيدي السُّلطانْ
فَأَرْسَلَ خَلْفِي الحَرسَ والأعْوانْ
أسْمعُ عَوَاءهُمْ..
ويُتْلَى القَرَارْ
“أُقْتُلُوا تِلكَ الغاوِيّة”
شاعرة مارقِة جانِية
“ثقلتْ مَوَازينُها فَأمُّهَا هَاوية”
“واصْلُوهَا نارًا حَامِية”
فهي ريحٌ صِرْصَرٌ عَاتِيّة
تُشْعِلُ حُرُوفَهَا في عَتمةِ الدَّهَالِيزْ
وتَنْتَظِرُ عَوْدةَ يُولِيسِيزْ
ولا تَمُّلُ الِإنتظارْ..
“اقْتُلُوا الدَّجَالةَ السَّاحِرَة”
عَلِّمُوهَا التُّوبَةَ والمَغْفِرَة
حُرُوفُها أُسْطُورَةٌ كَافِرَة
فِي كُلِّ شَارِعٍ وزاوِية
تَتْلُو عَليهِمْ أُغْنِية
“أحْرِقُوا جُذُورَ الطّاغِيّة”
فَتُذْكِي قلوبا راجفةً راجِية
وتَزْرَعُهَا حِقْدًا وكَرَاهية
في حقِّ جَلالَتهِ والحَاشية
وأراهُم يتبعونَ ظِلِّي..
يُلَوِّحُون بالأيادي..
قِفي.. أيتها الجانية
ويَقْرؤون على روحي السَّلَامْ
فابتسِمُ في سُخْرِية
وقد أمَطْتُ اللثامْ..
ومَشِيتُ في سبيلي عارية
فلستُ أخشَى الرصاصَ والسِّهامْ
سأعانِقُ الجِنانَ راضية
وأعْصِفُ ببغي الطَّاغية
وأسْمَعُ حولي وقْعَ خطواتْ
كأنها تسير في سباتْ
وضجَّة تَتَوَعَّدُنِي بالحسابْ
وجُرْحي الراعفُ تَلعَقُهُ الكلابْ
ويُقْرَأُ على مسامعي الكتابْ
يأمُرُكِ سيدي السلطانْ
أن لا تلْعَبي بالنارْ..
وأن تَحْرِقِي كُلَّ الأشْعَارْ
وتَمْحَوِي كُلَّ حَرْفٍ وشِعَارْ
أيتها المُتَمّرِّدَةُ الغاوِية
وامْدَحِي جَلَالَتَهُ..
يُقَلِّدُ نَحْرَكِ الياقوتَ والجُمَانْ
وتمسِينَ في عِزٍّ وأمانْ
وتَتَبَوَئِينَ مقعدًا في الحاشية
وفي إِباءٍ وإِصرارْ
اتَحَدى القَرَارْ..
وأخطُو علَى الجَمْرِ والقَتَادْ..
وأرضَى بالأسْرِ والأصفَادْ
وجِرَاحِي الدامِية..
لأبقَى صخرةً هاوية
فوق رأسِ الطاغية
ولنْ أخونَ الجياعْ..
ولا العيونَ الباكية
ولن أخونَ اليراعْ..
ولا الأقدامَ الحافية

========================
كان للشعراء منزلة عن العرب فهم حماة الأعراض وحفظة الآثار ، ونقلة الأخبار. وربما فضل العرب نبوغ الشاعر فيهم على نبوغ الفارس ، ولذلك كانوا إذا نبغ فيهم شاعر من قبيلة.. أتت القبائل الأخرى فهنأتها به وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس ، وتتباشر الرجال والولدان لاعتقادهم أنه حماية لأعراضهم ودفاع عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة لذكرهم.
ومنذ فجر التاريخ والإنسان يبحث عن الحرية والعدالة والاستقرار والمتعة والسعادة والوسائل التي توفر له أن يعيش كريما.. وإذا توفر العدل والحرية سعد الحاكم والمحكوم فلا تفرقة بين سيد ومسود ، وإذا اختفي العدل عاش الناس في ظلام ..ومن طبيعة الشعوب المتحضرة رفض الظلم بكل أنواعه والتصدي للاستبداد وغطرسة الحكام
والشاعرة في قصيدتها تهفو للبحث عن الحرية وتوضح أن فقدان الحرية معاول هدم تفتك بالمجتمع وتودي به وتجعله يتذوق مرارة الفقر والحرمان والجهل والمرض.
والشاعرة تستهل قصيدتها بمنتهى البراعة حيث الألم والحزن من تجرعها كأس المرارة لما تراه من مناظر يندى لها الجبين ، وتشيب لهولها رأس الولدان فتقول:

” تأْسُرُنِي الأشْجَان..
وتُلْقِي بي في مَهَبِّ الرِّيحْ
فلا أغْفُو ولا أسْتَرِيحْ
اتَأَرْجَحُ بينَ صَقِيعِِ وَنارْ
تُطَارِدُنِي عُيُونُ الجِيَّاعْ..
تُرْعِبُنِي لَيَالِ الضَّيَاعْ..
بِلا دِفْءٍ.. بِلا سَرِيرْ
عِنْدَ بُيُوتِ قَشٍّ وقِصْدِيرْ
تَخْشَى عيونَ سِيِّدِي الأمِيرْ
ان يُصِيبَهَا مِنْ شَرَرِهَا اليَبَابْ
فَتُمْسِي تُرابًا في تُرابْ”

فالحاكم المستبد يزرع في قلب شعبه الرعب والخوف ولايتأثر بمعاناتهم ، فكل ماعليه اللجوء إلي الخديعة والمكر ليسرق قلوب الناس وعواطفهم ، حيث يزخرف له اتباعه القول ويحيكون له المكائد ويزينون له بأنه يحسن الصنيع ويعدون له الخطب ذات الحلاوة حيث توضح الشاعرة:

” وأَعْلَى الشارعِ الوَلْهَانْ
حيثُ الأنْوَارُ والألْحَانْ
اسْتَوَتْ قُصُورُ سَيّدِي السُّلْطَانْ
وحَدائِقُُ غُلَّبُ وجِنَانْ
يَحُومُ في حَوَاشِيهَا البُومُ”

والشاعرة بطبيعتها تببن لنا أن الظلم إذا بلغ حده لابد من وقفة ومواجهة ، لذلك الأحرار يضحون ولايسكتون فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، فبالكلمة تنكشف الغمة ، والكلمة نور ، ودليل تتبعه الأمه ، والقلم إما أن يكون حرا مرفوعا وإما أن ينكس وهنا يكون الصدام تقول الشاعرة :

” وبين حقيقةٍ وسَرَابْ
أسْتَرِقُ السَّمْعْ..
فَتَهُولُنِي أَنْباءُ التَّعَسُّفِ والقَمْعْ
فَخَطَطْتُ حروفًا مِنْ دمٍ ودَمعْ
أقْلقَتْ راحةَ سيدي السُّلطانْ
فَأَرْسَلَ خَلْفِي الحَرسَ والأعْوانْ
أسْمعُ عَوَاءهُمْ..
ويُتْلَى القَرَارْ
“أُقْتُلُوا تِلكَ الغاوِيّة”
شاعرة مارقِة جانِية
“ثَقُلَتْ مَوَازينُها فَأمُّهَا هَاوية”
“واصْلُوهَا نارًا حَامِية”
فهي ريحٌ صِرْصَرٌ عَاتِيّة”

وتوضح الشاعرة أن القلم عندما يقف في وجه الطغيان، يحاول الطغيان إيقافه بالترغيب أو الترهيب ، والطغيان لن يهزم دعوة العدل مهما وضعت العراقيل ومهما ثقلت القيود والأغلال ؛ فالنصر للحق لا للباطل، فهي حرة أبية تصر علي التحدي تقول الشاعرة :

” اتَحَدى القَرَارْ..
وأخطُو علَى الجَمْرِ والقَتَادْ..
وأرضَى بالأسْرِ والأصفَادْ
وجِرَاحِي الدامِية..
لأبقَى صخرةً هاوية
فوق رأسِ الطاغية
ولنْ أخونَ الجياعْ..
ولا العيونَ الباكية
ولن أخونَ اليراعْ..
ولا الأقدامَ الحافية”

القصيدة رائعة تحققت فيها المتعة والجذب جعلتنا نشارك الشاعرة التجربة الشعورية بالتأثر والانفعال ، فالفكرة تهدف إلي المطالبة بالحرية وعدم السكوت علي الظلم ، ولذلك جاءت الألفاظ قوية واضحة في سهولة ويسر ، اقتبست الشاعرة بعض ألفاظ القران الكريم لسعة ثقافتها وروعة توظيفها مثل قول الله تعالى : ” وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ” وقوله تعالى : ” ريح صرصر عاتية ” ومثل :”تصلى نارا حامية” وقول الله : ” وحدائق غلبا” ، والخيال تنوع في القصيدة فهناك الخيال الكلي حيث رسمت الشاعرة لوحة فنية جميلة بريشة فنان عبقري توفرت فيها عناصر الصوت في :”تتلو ..يقرأ.. ..ضجة.. تبكي..عواء ” ، و الحركة في : ” قفي ..أعصف ..هاوية ” ، واللون في : “عتمة ..نار ..الأنوار ..حدائق ” ، ونرى الخيال الجزئي متمثلا في ” الاستعارة..والتشبيه..والكناية ” يهدف إلى التوضيح والتجسيم والتشخيص.. والبناء العضوي في القصيدة تحقق بوضوح حيث “وحدة الموضوع” ، وهو الصراع من أجل الحرية والحياة الكريمة ، و”وحدة الجو النفسي ” وهو الشعور بالألم والمعاناة للوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة ، و”وحدة العاطفة ” المتمثلة في الحزن والألم والصراع للوصول إلى الحرية .. والموسيقى في القصيدة ظهرت في انسجام الأصوات من خلال استخدام ألفاظ ذات حروف متقاربة .. فالقصيدة ملحمة حماسية جميلة وصراع ومعاناة فيه قوة الحوار والإصرار..شكرا للشاعرة علي هذا الإبداع الراقي الذي جذب القلوب والأسماع ، وحقق الهدف المنشود.
===================
** الأديب / فاروق الحضري شاعر من جمهورية مصر العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *