Share Button
كتب /سليم النجار 
ليست هذه القراءة القصيرة في تجربة الكاتب والقاص غريب عسقلاني القصصية ؛ بقدر ما هي مدخل لقراءتها بمعنى أنها مجموعة عناصر ومحاور ترصد على الخصوص ملامح التجربة العامة واهم مراحلها ؛ ولا تدّعي الغوص في تضاريس غريب عسقلاني القصصية بما فيها من نتوءات وانكسارات ومنخفضات وأودية وسهول وأغوار …. ليست دراسة جيولوجية تتعمق طبقات التجربة ومياهها الجوفية وإنما الفنية والتاريخية التي بمثابة صوت يستوقف ويجذب القارئ والدارس بطبيعة الحال .
وللمدخل معنيان : معنى عام يتمثل في تلك المقدمات التي نمهد بها لأية دراسة أو بحث . آخر يختص بالجانب المنهجي . والمقصود في هذا العرض المعنى الأول . ولكن لابأس من التذكير بأن الكاتب ؛ أي كاتب ؛ قابلة للمقاربة من زوايا مختلفة وبمناهج متنوعة . ولاشك مطلقا في أن أعمال غريب عسقلاني القصصية والروائية على السواء مقاربة قابلة للقراءة والتحليل والتقييم من منظور نفسية واجتماعية وأنتروبولوجية … فهي من الثراء والعمق بحيث الباحث والدرس قراءتها في أبعادها وتكويناتها الفنية إلى جانب إيحاءاتها الخارجية والباطنية ؛ تبقى آفاقها مفتوحة على التأويل والتفسير والاجتهاد .
إن تجربة الكاتب القصصية جزء من تجربته الحياتية عامة والأدبية خاصة . ومن الصعب وضع فواصل واضحة بين مختلف مراحلها ؛ ذلك ان غريب عسقلاني جمع بين عدة أجناس أدبية فكتب الرواية ؛ ثم كتب القصة القصيرة .
إن ربط تجربة الكاتب الفنية بتجربة حياته يثير العديد من التساؤلات كونه فلسطيني . والذين يرفضون هذا الربط يملكون من الأسباب ما قد يقنع بوجاهة رأيهم . من تلك الأسباب كون العمل الإبداعي ؛ ومنه العمل الادبي إن هو إلا لعب بالكلمات وعمل على اللغة في المقام الأول . فكل ما يقوم به الكاتب في قصته أو روايته أو شعره إنما هو صياغة لوقائع الحياة وتجاربها بالكلمات التي ترسم الصور وتحلل الشخصيات وتتعامل مع الفضاء وغير ذلك من مكونات العمل الفني .
يتبين من استقراء ” القطا لا ينام وقصص أخرى ” أن اهتمامات الكاتب تركزت على الخصوص في عدد من القضايا والهموم الفكرية والاجتماعية والسياسية . ومن الموضوعات التي تخللت نصوص غريب عسقلاني في ” القطا لاينام ” قصة ” صدر البحر ” ؛ إذ كان للتداعي وما يرافقه من انفعالات أثر واضح على البنية الإيقاعية في القصة ؛ فقد اتسمت بحركة سريعة متوترة ؛ ونبض ملحمي جارف ؛ جعلا من القصة سيلا من الضربات المتدفقة تدفق الشلال . غير أن هذه كلها ؛ وربما بعضها ؛ ظواهر مألوفة لدى القصاصين ؛ أما ما هو غير مألوف فظاهرتان هما : خرق قواعد الصورة القصصية : ” تابعت قرص الشمس وهو يقترب من غرب الدنيا ؛ سأل نفسه ” هل كانت هكذا قبل عودتها ” ص٦٩” ؛ اعتمد القاص هنا على المخيال المتكئ على الذاكرة ؛ والذاكرة في الوعي الجمعي الفلسطيني له خصوصيته من اوجاع وآلالم وحرمان ؛ اما الظاهرة الثانية فهي الانتقال من ذاكرة إلى أخرى مفاجئاً من تمهيد أو فصل ؛” – كل الأسماك عارية في الماء .
وكل الأسماك خارج البحر ميتة .
ما الأمر يا فتاة ؟ص٧١” . هنا انتقل القاص من ذاكرة التوصيف إلى ذاكرة الوجع مصحوب على إيقاع التساؤل لموسيقى الأنثى . وهو انحراف موسيقي محسوس سوغه القاص لنفسه .
إن الحقيقة الفردية قد تكون هي الخلاص ؛ هذا ما يقوله غريب عسقلاني في قصته ” تبادل المواعيد ” ؛ ” مات الهاتف ؛ فيما أعلنت الشمس تبادل المواعيد ص١٣٢” . وفي ذلك الموعد المنفى الاختياري اكتشف تلك الحقيقة الفردية التي تتعدى جميع الحقائق . إن العلاقة بالآخرين إنما تتعبنا لاغير . وهو في حقيقته الفردية قد وجد الخلاص . إن كل ما يراه الآن وما كان يراه سابقا ليس إلا مجرد مظاهر ؛ ولذلك فنحن إذ نربط علاقة ما فإنما نربطها مع المظهر ؛ لا غير .
ولا أريد ان اختم هذه القراءة قبل أن اشير قبل ان اشير الى قدرة الكاتب الشخصية ؛ مصطلح ذكره باولو كويلو وبنى عليه روايته الكميائي . والجملة الجملية التي تأسست عليها الرواية بأسرها هي : ” عندما ترغب في شيء فإن الكون بأسره يطاوعك على القيام بتحقيق رغبتك ” . وعلى هذا المنوال قص العسقلاني في قصصه القصيرة جدًا ” القطط ” ؛ ” في المساء زارها بكامل زينته وتحدثا في امر هدم الجدار الذي يفصل الشقيّن ص١٥٦” . وفي قصة قصيرة جدًا أخرى وهي قصة ” تفاحة آدم ” ؛ ” كان البائع .. يترنح تحث ثقل امرأة تفاحة ترقص فوق رأسه ص١٦١” .
وبعد ؛ ومن الأسئلة الأخرى التي تطرحها قصص غريب عسقلاني ؛ ماهي حدود القصة القصيرة وما علاقتها بالرواية : إن مسألة التجنيس لها أهميتها في التحليل النقدي وفي نظر المتلقي . هذه وغيرها مما تثيرها التجربة السردية القوية لعسقلاني وتبقى قابلة للقراءة الخصبة والتأويل المنتج .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *