< المرأة" الأم" - جريدة اهرام مصر
Share Button

المرأة” الأم”

بقلم .. د. غسان صالح عبدالله

نظرا لأهمية المرأة ودورها في بناء نهضة ثقافية في المجتمع..
سأعرض بإيجاز لمحة تاريخية عن المرأة عبر مراحل تاريخية محددة ستكون مقدمة لمقالات متتالية عن المرأة السورية” الام” .
في اليهودية: اعتبر العهد القديم احد أبرز الحقبة الابوية ، وبدا هناك ميلا متزايدا نحو إزالة العنصر الأنثوي من الألوهية واستئصال العنصر النسائي من الحياة الاجتماعية.. ودور المرأة اليهودية في العبادة كما يصورهن” التاناخ” وأعياد اليهود مقتصرة على الرجال فقط، ولا مكان للنساء في الكهنوت اليهودي، والمراة مخلوقة لخدمة الرجل ، ويحق للرجل بيع ابنته إيفاء للدين.. والتلمود اكثر حدة حيال المرأة وجاء فيه” كل من يعلم ابنته التوراة يعلمها الفسق، فالنساء قليلات عقل ، ومصدر للأغواء والمرأة باختصار إبريق مملوء بالقذارة…..”
أما في المسيحية: يسوع عليه السلام ابن امرأة صالحة..اتهمها اليهود بالزنا.. ومع ذلك فهي تجسد في الأناجيل المثل الاعلى للنساء .. لأنها ولدت رئيس الحياة، وحسب العقيدة الارثوذكسية فإن العذراء لم تعرف رجلا حتى ولدت ابنا..وفي حياة المسيح عليه السلام نساء عديدات كان لهن ادوارا هامة في الرسالة المسيحية.. أبرزهن: مريم المجدلية..حنة..سوسن.. وقد اختار المسيح مريم المجدلية ليتراءى لها بعد قيامته..فكان تبشير التلاميذ بالقيامة على لسانها.
وحملت رسائل بولس بعض الوصايا التي تدعو الرجل للترفق بامرأته ،ليفي الزوج حق زوجته ، والمرأة حق زوجها” لا تفارق بين المراة وزوجها” لا يتخلى الزوج عن امرأته..إذا لامراة زوج فير مؤمن فلا تتخلى عنه..إذا كان لأخ امرأة غير مؤمنة فلا يتخلى عنها.
في العصور الوسطى كان وضع المرأة في اوروبا المسيحية غاية في السوء فكان القانون الساكسوني على سبيل المثال:
١. يجيز للرجل قتل زوجته الزانية.
٢. إذا وطئ احد الاشرف فتاة قسرا فكان يكتفي باعطاء ثلاثة شلنات للمحكمة.
٣. القانون الكنسي يجيز ضرب المرأة.
٤. القانون المدني يرى انه لا يحق لهن القسم في المحكمة لضعفهن.
٥. لم يكن يجيز للمراة أن تتسلم مناصب او تكون طبيبة.
لكن وضع المرأة تحسن كثيرا الآن واصبحت مشاركة للرجل في كل شؤون الحياة.
في الجاهلية: كانت شرائع العرب تجيز وأد البنات، وقتل الأولاد، ولم يكن للأمهات حق الاعتراض وكان الرجل يقتني ما يشاء من الإماء ، ولم يكن العدل مطلوبا مع الزوجات، ، وكان الطلاق من حق الرجل فقط، وكانت النساء لا ترث، وعقوبة الزنا للمراة الرجم حتى الموت، بينما لا يعاقب الرجل.
ولكن قبل الأسلام هناك نساء لعبن دورا هاما، وقد ادرك بعض منهن الإسلام على سبيل المثال/ آمنة بنت وهب التي دعيت حكيمة قومها.. لحكمتها..هند بنت الحين الأيادية الحكيمة والشاعرة، الخنساء ، هند بنت عتبة، سجاح التي اشعلت الثورة بين بني تميم.
وقد حرر الإسلام المراة من مظالم الجاهلية ونهى القرآن الكريم عن عادة توريث النساء كالمتاع أو التضييق على حريتهن في الزواج،” يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن” ومن الواد” وإذا المؤدة سئلت بأي ذنب قتلت” ويؤكد القرآن على شخصية المراة فيذكرها بجوار الرجل” المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ….
وحدد القرآن مكانة المراة في الأسرة فجعلها مسكنا للرجل وجعل بينهما الفة ومحبة .وقد ورد في السنة النبوية على حق المراة في التعلم والتربية والتعليم والفنون وغير ذلك ، وقد شاركت المراة الجيش في نشر الدعوة وقمن بسقي القوم وخدمته ورد القتلى والجرحى إلى المدينة وإعداد الطعام.
وقضى الإسلام من خلال تشريعاته أن تكون المراة مطلوبة وان يكون الرجل هو الساعي وراءها والطالب لها.. قال الرسول الكريم ص : النساء شقائق الرجال ، وقال الجنة تحت اقدام الامهات، وقضى التشريع الإسلامي بقيام مجالس شورى في مجال الحكم والقضاء واشتراك الرجل والمراة على قدم المساواة.
اما ما وصلت إليه حال المراة في هذه الأيام نسأل:
١. ها المراة عضو فعال أساسي في وضع التبعية التي تعيشه ام ضحية ظروف اجتماعية ، فكرية ، تاريخية ، تراكمت عبر الاجيال.. عبر مفتين ضالين خارجين عن كل الشرائع.
هل نصدق مما قاله الأنتربولوجيون وعلماء التحليل النفسي من أنها ادنى عقليا من الرجل؟ ام نصدق الانتصارات الكبيرة التي حققتها المرأة عبر التاريخ بعد ان اخذن دورهن لإثبات الوجود؟
وهل نسمح بالاستمرار بالتفرقة العنصرية إن صحت التسمية وما يزال يمارس ضد النساء ويمنعهن من الابداع..خاصة في العالمين العربي والإسلامي.. وقيام رجال الدين بفتاواهم الضالة؟
لقد سطرت المرأة سيرة حياتها ، ولعبت منذ اقدم العصور دورا كبيرا في رسم التصور الديني والغيبي الاول وفي ولادة الأسطورة الأولى كانت المرأة بالنسبة للإنسان السوري موضع حب ورغبة، موضع خوف ورهبة في آن معا.. فمن جسدها نشأة الحياة الأولى ومن صدرها ينبع حليب الحياة الجديدة وخصبها ، وما تفيض على اطفالها هو خصب الطبيعة وشبهت المرأة بالأرض فهي التي تحبل في البذور وتطلق من رحمها الزرع الجديد ، فقد كانت المراة سرا صغيرا مرتبطا بسر كبير .. سر كانت خلف كل التبديات والاكوان ..فوراء كل ذلك انثى كونية عظيمة هي منشأ الاشياء ومردها.. عنها تصدر الموجودات وإلى رحمها يؤول كل شيء ..
هي إنانة إلهة الطبيعة والدورة الزراعية.. وهي عشتار الأم الكبرى آلهة الجمال والخصب في سورية..وأفروديت في اليونان..وفينوس وديانا في روما..وأرتميس في مصر. واللاة والعزة ومناة الثالثة الأخرى في الحزيرة.. وكالي في الهند..وبريجيت في اوروبا..أسماء متنوعة لإلهة واحة قولا وفعلا..وهي الكاهنة والعرافة والساحرة الاولى..
وهي التي توجت دورها الاقتصادي باكتشاف الزراعة ونقل اليشرية من طور إلى طور ،بينما حافظ الرجل على دوره التقليدي في الصيد والنقل بحثا عن الطرائد في ذلك المجتمع القديم المتمركز بمجمله حول الأم ،.
فاضت طبائع المرأة وصفاتها لتصبغ حياة الجماعة وقيمها وعلاقتها ونظمها وجمالياتها ، فحب المرأة لأطفالها هو العاطفة التي ميزت علاقتها بالمحيط الأوسع ، وهو النموذج الأساسي للعلاقات السائدة بين أفراد الجماعة بعضهم لبعض، ونظرتهم على أنهم اخوة في أسرة كبيرة تتوسع لتشمل المجتمع الامومي صغيرا أم كبيرا.
ومعاملة المرأة لأطفالها دون تمييز قائم على خصائص معينة من قدرات وقابليات ومنجزات وهي التي أسست لروح العدالة والمساواة الاجتماعية القائمة في الجماعة الأمومية وابتعاد سيكيولوجية المرأة عن كل ميل نحو التسلط والاستبداد هو الذي أعطى هواء الحرية التي تتنفسه الجماعات الأمومية طيلة عهدها. ونفورها من العنف الجسدي إلا عند الحاجة الحقيقية لذلك قد اشاع السلام بين أفراد الجماعات ذاتها والجماعات الأخرى وفيضها الطبيعي على من حولها دون حساب كان اساسه المشاعة البدائية وعدالة توزيع الثروة ضمنها. مناخ أقرب إلى مناخ فردوس فقده الإنسان بحلول المجتمع الذكوري الذي ربما ضيع السلام والمساواة والدعة إلى الأبد.
حتى أن المسرح ودار التمثيل هو تقليد سوري، وهو جزء من هيكل الربة ” عشتار” أينما وجد في الأرض السورية الأم.. أم في كل مواقع الانتشار. وقد رأينا كيف أن رجال” دينون: يرفعون الاساس لدار التمثيل قبل أن تولد روما بعدة قرون، وقبل أن تعرف الارض الأوربية حتى عمارة البيوت نفسها.
لقد نقل المؤرخون أن رجال المجتمعات الأمومية كانوا أفضل فرسان عصرهم على الإطلاق وكانت بطولاتهم وتضحياتهم مضرب الأمثال ، ويؤكد أرسطو في كتابه السياسة هذه الحقيقة التاريخية ويجعل منها ظاهرة شمولية عندما يقول: إن أغلب الشعوب العسكرية الميالة إلى البطولة والأنفة هي شعوب منقادة إلى النساء ، وذلك أن المراة في طبيعتها المسالمة تسلك سلوك اللبوة إذا ما تعرض أشبالها للخطر ..
هذه هي المرأة السورية التي لعبت عبر تاريخها الطويل دورا مهما في حياة الأمم في مختلف المجالات، لما فيها من تميز ، ولما في شخصيتها من قوة ودراية وإدارة حكيمة

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك رد