Share Button

المحرومون من الفضائل العلويّة كثيرون في هذا العالم؛ لأنهم مشغولون باللذات الحسيَّة والشواغل الأرضية حتى كأن بصائرهم قد انطمست ومداركهم قد هانت بمقدار هوانهم على أنفسهم قبل هوانهم على الناس، فتبدلت – من ثمَّ – مقاصدهم تبديل الأسمى بالأدنى، والخير بالشر، والفضيلة بالرزيلة، والتبصير في الدين بالتعطيل والعماية. وها أنت واجد الأرواح والقلوب قد تَبَلَّدَت أو كادت، فإذا الضمير العربي كالصخرة الجافة لا تزكيه عاطفة ولا يرقيه شعور تجاه هذا الوازع الأعلى، وازع الدين ومقصد العقيدة السمحة المهذَّبة؛ وإذا العلمُ في ضمائر العلماء جفت منابعه، وإذا الفقر والعدم والموات صفات تتجلى فيها فقدان الإرادة، وبفقدان الإرادة ينهار صرح الأخلاق.

الذين تكلموا من الفلاسفة في خصائص المبدأ الخلقي، فرضوا على أنفسهم أنه لا يتقرَّر هذا المبدأ في الغالب بغير العقل. أما وجود الإرادة فليس لديهم بذي شأن؛ بمعنى أن الإرادة لا تعطي تصوراً واضحاً للفضائل. وحتى إذا فرضنا – هكذا يقولون – إنها تعطي تصوراً مقبولاً فهو التصور الذي يجعل من ممارسة الفضيلة أخلاقاً سلبية. إنّ الذي يمارس فعل الخير والصدق والكرم والجود والإحسان هو يمارس في الوقت نفسه أخلاقاً سلبيّة.

ولسنا ندري: لماذا يتوهم المتوهمون بأن ممارسة الفضائل على هذا النحو تعدُّ في نظرهم سلبية؟ وماذا عَسَاه يكون الحال في ممارسة الرذائل، أهى ممارسة أخلاقية إيجابية؟! إنهم يقررون فيما يقررونه أن الأخلاق الإيجابية هى الأخلاق التي تعني المشاركة في الفضائل العامة، وإحياء طاقات النوع البشري بهذه الفضائل. أما الفصائل السلبية فهى فضائل انعزالية تعني الهروب من تبعات الحياة العامة. وبمقدار ما فيها من هروب فيها كذلك من سلبية، لكأنما الفضيلة السلبية هى التي لا تشارك المجموع، ولا يمكن للجماعة البشرية أن تُستفاد منها؛ لأنها تنعكس على الفرد وحده؛ ولأنها تحتوى في المُجمل على أخلاق هروبية، ومن أجل ذلك؛ تسمى بالأخلاق السلبية.

وعليه؛ فإرادة الفضيلة في مجموعها، رغم ما تؤدي إليه من أخلاق، هى إرادة تقود إلى الانعزال والتقوقع والهروب من الحياة، ولا تعود على الفرد الذي يمارسها إلا إلى نوع من الأنانية يشبع ذاته وكفى! وهذه بمفردها تعدُّ كارثة إنسانية فضلاً عن كونها كارثة أخلاقية؛ لأنها في ذاتها مجرد أخلاق نظريّة مغلقة. والذين وصلوا الأخلاق بالعقل النظري المُجرَّد وحجبوها عن الإرادة هم أقدر الناس بعداً عن الممارسة الخلقية، ومن المؤكد أن هذا الانقلاب لقانون الأخلاق لا يتماشى مطلقاً مع ما للأخلاق من تقويم وتهذيب، شرط “الإرادة” فيهما من أهم الشروط التى تحفظ الفرد كما تحفظ المجموع؛ فمن البداهة أنه إذا أنصلح الفرد انصلحت الجماعة بالتبعيّة.

المفروض أن يكون هناك نوع من الإدراك الذاتي للفاعلية التطبيقية قائم على الإرادة. المفروض أن تكون هناك عزيمة خالصة لوجه الحق والإنصاف. هذه العزيمة هى المحركة للعمل، الدافعة على الدوام إلى إدراك النافع فى الأقوال والأعمال. ولولا تلك العزيمة ما تصح في المطلق إرادة.

والأصل في الإرادة قوة معها اقتدار دائم على الفعل، وإنه مادامت هناك إرادة كانت الأفعال مرهونة بالتحقيق، لكن الإرادة (والإرادة النافعة، إرادة البناء والتعمير، لا إرادة الهدم والتخريب) شرطها دائماً أن تجيء موجَّهة إلى عمل علوي مقرون بالفاعلية التطبيقية التي تستقيم بها قواعد الأخلاق.

ليس الدين فى الأصل إلا الإرادة تحققت في الواقع الفعلي. والأخلاق جزءُ من كلِّ مندمج فيه، ولا يمكن أن نتصوَّره بمعزل عنه. والعقل الإنساني إذا هو بحث عن الأخلاق لا يمكن أن يتصوَّر موقعها ولا يحتاج إلى أن يتصوَّره بمعزل عن مكانه من المبدأ العام والفكرة الكلية؛ فالأخلاقُ جزءُ من نسق فكري تجمعه وحدة شمولية، وتفسَّر من ثمَّ كل الدلالات الأخلاقية بل والمبادئ السلوكية في إطار ذلك المبدأ العام وفي ضوء تلك الفكرة الكلية.

إذا كانت هنالك عقيدة، وينبغي أن تكون، فلابد من أن تجيء الأخلاق خاضعة لتلك العقيدة، محكومة بأحكامها، دائرة في إطارها، مرهونة بتصوراتها ومدركاتها؛ لأن العقيدة هنا بمثابة المبدأ العام والفكرة الكلية، وعنهما يصدر طرفان. الأول: مضمون. والثاني: إطار، وكلاهما ينطلق من العقيدة ويعود إليها، في المخرجات والمدخلان.

وعليه؛ فبفقدان الإرادة ينهار بالضرورة صرح الأخلاق على المستويين: الفردي والجماعي: على مستوى الفرد لا بد من تقويم لتلك النفس التي ينتابها الخلل والاعوجاج، وتحتاج إلى مطالب قد تعود على الفرد بالخسران الأكيد إذا هو لم يكبح جماح نفسه ويرقي على الدوام مطالبها، فهو لا ريب يحتاج إلى تهذيب مستمر بمقدار ما يحتاج إلى توعية دائمة إزاء تلك الحاجات النفسية والمطالب الأنانية، فلن يكون صاحب الإرادة يوجِّهها إلى ردع رغبات النفس وحبس آفاتها في تلك الحالة موصوفاً بالأنانية والانعزالية؛ لأنه أيضاً في تلك الحالة كان أستخدم إرادته في منع النفس عن بعض ما تشاء. ولكن الذي يوصف بالأنانية؛ ذلك الذي يُرسل نفسه في هواها ليطلق لرغباته العنان كيما تسبح طليقة في غير قيود وحدود لتحقق أكبر قدر من المنافع الخسيسة واللذات الدنيئة، ولو على حساب الأخريين أو على حساب المجتمع الذي يعيش فيه، ناهيك عن إسقاط القيم من الفرد والجماعة سواء.

ومن الغريب أن نجد بيننا من يسمى العمل بالفضيلة، وهى ضد هذا “بالسلبية”. فالخسارة إذن مع تلاشي الإرادة ظاهرة واضحة في الحالتين: حالة الفرد الذي يفسد نشاطه كله بفساد إرادته وتنقلب حيويته إلى ضعف، وإدراكاته إلى فتور، واقتداره على الأفعال إلى خنوع وبلادة وتردي ونكوص، ثم حالة المجموع الذي ينتسب إليه هذا الفرد، إذْ الجماعة البشرية الصالحة والناهضة دوماً لا تتكون مطلقاً ممَّن أصابهم الضعف والفسولة من جراء فقدان الإرادة، ولكنها تترقى دوماً من فعل أولئك الذين لديهم القدرة على العزم والحسم والنهوض بجليل التبعات، ومع توافر أركان الإرادة من قوة واقتدار وعزم وحسم وتصميم في الأفراد القادرين على توخي أركان الإرادة وتحققها فيهم ينصلح حال المجتمع وينهض رجاله بالمسؤولية المنوطة بهم في كل حال وفي كل حين.

فالأخلاق في جوهرها إرادة مسئولة وتبعة باطنة لا مناص من توافرها في طبقات المجتمع بكافة طبقاته وأطيافه ودرجاته.

ويوم أن ننحِّي “الإرادة” جانباً من نطاق الأفراد يكون على المجتمع وحده تحمل العواقب الوخيمة يتضرَّر بها من فئات فقدوا مقومات التربية من طريق فقدهم لمزايا الإرادة، لاسيما تلك الإرادة التي نتحصَّل عليها من الشعور الديني العميق؛ لأن الدين هو أكثر المقومات ترقية للفرد وتربية لإرادته وتهذيباً لأخلاق المجتمعات وآدابها.

الوعي الديني من الأهمية بمكان بحيث يجيء لازماً لابد منه من لوازم الجماعة البشرية: إصلاحها وتعاونها وتآلفها وتوادُّها وتراحمها وحفظ السلامة فيها، وارتقاء أفرادها ذلك المرتقي العلوي الذي يوفِّر لها الأمانة والأمن كما يوفر لها التعايش السلمي بين أبنائها، وليس هذا بالقليل.

أنزع عن الفرد عقيدته التي يدين لها بالولاء، وأسلخ عنه ولاءه لمجموعة القيم التي يحتكمُ إليها، ثم راقب حالته النفسية جيداً ستجد جهازه العصبي كله في غاية الاضطراب، ستدمر كل مصادر الطمأنينة النفسية والقلبية لديه، وسيعيش حالات القلق والخوف والرهبة في أعلى درجاتها؛ لأنك في تلك الحالة نزعت من قلبه الرجاء والأمل، وهما أرقى مراقي العبودية من مخلوق يتوجَّه بهما إلى الخالق وحده دوناً عن سواه. والشيء الذي يقال في فرد، يقال كذلك في مجتمع يعيش بغير ملاذ الإيمان؛ فما الكوارث وما الآفات، وما الشرور وما الآثام التي يسقط فيها المجموع في مستنقع آسن إلا نتيجة حتمية لزعزعة اليقين بموارد العقيدة وروافدها الإيمانية، أو قُل هو نتيجة لاعتقاد لا يخالطه عمل، ولاعتناق لدين لا يمازجه سلوك، ولتبني أفكار نظرية لا تمارس ولا تطبق: التنظير فيها شيء، والعمل شيء آخر. العقيدة فيها في جانب والممارسة الفعلية في جانب آخر.

الخطاب الأيديولوجي في كفة، والطريقة التنفيذية لهذا الخطاب في كفة مقابلة. هنالك هوَّةُ وسيعة بين القول والعمل، أو بين التصوِّر والاعتقاد، والحركة الفعلية في الواقع العملي، وتلك مشكلة الضمير العربي على وجه العموم.

وهنا تقوم الأخلاق ناهضة قويّة؛ لتعلن عن ضرورتها الملحة للفرد أو للجماعة البشرية، ولترأب شرخ الضمير حين ينقسم على نفسه من جرَّاء ازدواجية المعايير الخلقية، تماماً كما تعلن عن أهم شرط من شروطها المعتبرة: الإرادة؛ إذْ الإرادة بالنسبة للفرد هى الجهاد لكل الآفات والأدران والخبائث والأمراض والرذائل. وهى الاعتصام على الدوام بحبل الله القوي المتين، واللجوء إليه في حالات الضعف، والصبر والاحتساب في كل مضرَّة، ثم الشكر والطمأنينة والرضى في كل مسرَّة.

فمن طبيعة الفكرة المجرَّدة النظرية أن تَفْصل بين الأخلاق والدين؛ لأن عَمَلَها هو الفصل والمُباعدة بين الأشياء، فإذا ما تناولتَ الأخلاق بعيدة عن الدين حَكمتَ عليها بالنظر فصلاً ومفارقة، وإذا تناولتها في قلب الدين لم تعد أخلاقاً بمقدار ما يتبطنها الدين ضمنياً خلال أوامره ونواهيه، فالفضيلة الخلقية هى الخير الذي يحث الأمر الإلهي على امتثاله، والرذيلة هى الشر الذي يحث النهي الإلهي على اجتنابه، فالنزوع العملي في الدين يَتَضَمَّن الأخلاق ويتبطن الفضائل.

ليس مطلوباً في الدين – على مستوى العمل والسلوك – أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول، ليس هذا مطلوباً في الدين، لكنه قد يكون مُسَوَّغاً في حكم العلم بالأخلاق، إذْ الأخلاق من حيث كونها علماً شيء، والخُلق من حيث كونه سلوكاً وتهذيباً شيء آخر.

وما زادت الحياة الروحية في الإسلام شيئاً على إنشاء تلك العاطفة الملتهبة نحو معرفة الله، وإشعال فتيل الأنوار الساطعة صعوداً إلى هذا الرحاب العلوي: رحاب الرضى والطمأنينة والبقاء الدائم في المعيّة الإلهية والتخلق الواصب بأخلاق الله في رحاب الله.

بقلم: د. مجدي إبراهيم
أستاذ الفلسفة الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *