Share Button

 بِدعة المهديّ المُنتظر في فلسفة ابن عاشور  (٨)

بقلم : د. عصمت نصَّار

إذا كان “محمد عبده” ومعه أشهر رواد مدرسته قد وقفوا موقف الناقد في الإصلاح – الجامع بين صحيح المنقول وصريح المعقول – والمُنتصر للمقصد الإلهي من جهة، والراغب في تخليص كُتب جُماع الحديث الشريف من الدَسّ والإنتحال والكذب على رسول الله صلوات الله سولامه عليه، من جهة أخرى، فمن الطبيعي أن نجدهم على رأس المُعارضين الناقدين لهذه البِدعة الشيعيّة كما أشرنا، أملاً في الوصول إلى موقعها من الفكر الإسلامي، فانتهت معظم دراستهم إلى ثلاث نتائج :

أولها : أن كتابات الشيعة الإثنى عشريّة المُروجة لهذه البِدعة لا يُمكن درجِها ضمن أصول العقيدة، ولا الواجب من العبادات، ولا الأصيل من المُعتقدات، وذلك لإفتقارها إلى ما يؤيّدها من صحيح الدين والمُتفق عليه من الواجب تصديقه والعمل به من الأخبار . وثانيها : أنها تحوي العديد من الأفكار والتصورات التي تتناقض مع المُسَلم بصحته من صُلب العقيدة الإسلاميّة، وعلى رأسها إلصاق صفة العِصمة بأشخاص غيّر الأنبيّاء، وإدعاء أنّ (المهديّ المُنتظر) مُنَصّب من قِبل الباري، ومن ثَم لا مجال للحديث عن شخصه أو سلوكه أو أوامره القدريّة سوى السمع والطاعة، أي أنه حاكم (ثيوقراطي). أمّا النتيجة الثالثة : قد اجتهد “الطاهر بن عاشور” في شرحها والتأكيد على مضمونها ألا وهي مُخالفة هذه البِدعة للمقصد الإلهي، أو إن شئت قُلت : إنها من آليّات الإضلال والتشويش التي تَدفع العقل إلى إنكار النسقيّة التي تمتاز بها الخِطابات الإلهيّة إلى البشر، كما أنها تجعل المشهد الأخير من حياة الإنسان على الأرض، مشهداً درامياً مأساويّاً (إمام مُحتجب شريف النسب، مؤيّداً بسُلطة إلهيّة، عاد من غيّبته ليُسفِك الدماء ويُنكل بخصومه، حامل سيّف العدالة الجائر، فظً غليظ القلب، مُسيطر لا يعرف الرحمة وغايّته توحيد الجنس البشريّ على عبادة قد نهى الخالق عن الإكراه فيها).

لذا سوف نناقش في السطور التالية، أهم مُبررات الشيعة الإثنى عشريّة لهذه العقيدة البِدعيّة، وكذا الدوافع التي أحتج بها بعض مُفكري أهل السُنة، والأسباب التي دفعتهم لقبولها رغم درايتهم بهشاشة أصولها وإنعدام نفعها.

فإذا تناولنا الإتجاه الثاني الذي يُمثل التيّار المُحافظ الرجعي من الكُتاب المُعاصرين، سوف نجد في مُقدمته أعلام الفكر الديني لفِرقة الإثنى عشريّة، وهم ينقسمون إلى ثلاثة دروب :

الأول : يُغَلِب مصلحة الكيّان المِلي والوجود السياسي على غيره من الرؤى النقديّة أو التناول العقلاني لتلك البِدعة الموروثة، ويُعد الحرس الثوريّ الإيراني وقاداته والمُنظرين لسياسته والتابعين من العوام وسَدنّة التراث من الشيوخ في العراق وسوريا ولبنان يُمثلون الجانب الأعظم من هذا الإتجاه.

أمّا المُتفلسفين من الكُتاب الرافضين للتقليد والراغبين في تحرير العقول من سجون الخرافة وقيود الجهالة وديكتاتوريّة التعصُب فيمثلون الدرب الثاني، وقد رغِبوا عن التصريح ولجأوا إلى الرمز والتلميح، مخافة سطوة الرأي العام القائد والمُتمثل في الحرس الثوري والميليشيّات المُسلحة في العراق وسوريا ولبنان، والجمهور المُتعصب الذي لا يتردد في اللجوء للعنف للإطاحة بمعارضيه، وأخيراً عُصبة المُفكرين الأحرار – الذين يُمثلون الدرب الثالث – فرغم إنتمائهم للفكر الشيعي الإثنى عشري إلا إننا نجدهم يرفضون خرافة ذلك (المُنتظر) الذي سوف يعود من غربته لإنقاذ الأمة، قانعين بأن ذلك الموعود لن يأتِ إلا عقب حركة إصلاح شاملة تبدأ بالتربيّة والتعليم وتوعيّة المُجتمع وإصلاح المُؤسسات السياسيّة والإقتصاديّة والعسكريّة، ومن بين القائمين على هذه النهضة الشاملة سوف يظهر المُنقذ المُجدد لقيادة خيّر أمه أُخرجت للناس، وسوف نتناول في السطور التاليّة أهم أعلام الدروب الثلاث.

فلعل “السيد مهديّ العواديّ النجفيّ” قائد المجلس الأعلى الشيعيّ بالنجف خير من يُعبر عن وجهة نظر الدرب الأول بداية من توثيق عقيدة (المهديّ المُنتظر) إلى عودة (المهديّ) ووصف المجتمع الذي سوف يحتفي بإنتصاره في نهايّة الزمان، فها هو يقول عن تلك العقيدة الشيعيّة : (ليس المهديّ تجسيداً لعقيدة إسلاميّة ذات طابع ديني فحسب، بل هو طموح اتجهت إليه البشريّة بمُختلف أديّانها ومذاهبها على الرغم من تنوع عقائدهم، فللإنسانيّة يوماً موعوداً على الأرض تتحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي).

أمّا حديث هذا الكاتب عما آل إليه المُجتمع المُسلِم الآن من فساد وإنحطاط يُماثل عودة للجاهليّة في العقيدة وسلوك أحطّ من قُطعان البهائم والوحوش الضاريّات، بداية من زنا المحارم إلى التكالب على الحياة المادية بكل أشكالها ويعيش الناس سُعداء لإشباع شذوذهم وشهواتهم مُتحررين من كل سُلطة أخلاقيّة تمنعهم من الصراع والقتال والجوّر بكل أشكاله، حيث الإطاحة بكل القيّم الروحيّة والفضائل الإنسانيّة وعلى رأسها الحيّاء والعِفة والرحمة، ويمسي رجال الدين أكثر الناس إضلالاً وأسرعهم إلى نسخ الشريعة على نحوٍ تستحيل فيه المقاصد الشرعيّة إلى غوايّات شيطانيّة. أما العلماء والأتقيّاء فسوف يبيتون مشردين في ضَنكِ وعوّز، وفي مقامٍ مُحتقر في عيون الناس؛ الأمر الذي دفعهم للإنزواء وإعتزال الفِتن وإرتشاف الصبر وإلتحاف الأذى من الأسافل، وانتهى هذا الكاتب إلى أن أمر الله أتٍ وإنتقامه لشديد بعودة الموعود. وكأنه يُسايّر ما نراه شائعٍ بين المُثقفين الغربييّن الأن من خطابات (اللا ما بعديّات، مثل ما بعد الدين، وما بعد الإنسان) وهو يُلخص ما بعد الأخلاق الإنسانيّة في تلك النهايّة الدراميّة التي سوف تؤول إليها البشريّة قبل نهايّة الزمان، وذلك في كتابه (المهديّ وآخر الزمان، الذي صدر سنة 2000م).

وإذا ما تطرقنا للدرب الثاني؛ حيث أهم المُفكرين الشيعة الذين جمعوا بين الإصلاح بوجه عام وتجديد الفكر الديني على وجه الخصوص، سوف نجد على رأس المُؤثرين منهم، الفيلسوف الكبير “علي شريعتي ١٩٣٣م – ١٩٧٧م” الذي جاهد واجتهد من أجل إنهاض الأمة الإسلاميّة ثانية، والرجوع إلى ما كانت عليه (قِبلَة للعلم والمدنيّة) والقيّم الجامعة بين الرؤى العقليّة والمُثل الأخلاقية .. وعلى الرغم من عنايّته بِردّ الدين إلى سابق نقاءه وروحانيّته العاقلة والفاعلة في المُجتمع إلا أنه لم يُصرح بنقد البِدع التي كانت عامل من عوامل تخلف المُسلمين وتأخر مداركهم ولاسيّما في المجتمع الشيعي الإيراني والعراقي على وجه التحديد، ومن أقواله في ذلك : (على المُفكر في هذا المجتمع وفي هذه اللحظة أن يبدأ من الدين لتحرير الناس وهدايّتهم وإيجاد عشق وإيمان وفوّران جديد وتنوير للأذهان والأفكار، وإطلاع الناس على قوى الجهل والخرافة والظُلم والإنحطاط في المُجتمعات الإسلاميّة، يبدأ من الدين بمعنى هذه الثقافة الدينيّة الخاصة).

ورغم إعلائه لدور الحركة البروتستانتيّة في إصلاح الديّانة المسيحيّة والإنتصار للعلم والحدّ من سُلطة الكهنوت المُقدس، إلا أن “علي شريعتي” لم يُفلح في إقتلاع خرافة (المهديّ المُنتظر) من العقل الجمعي الشيعي مع تيّقنه من كونها إحدى بِدع الساسة المُتلاعبين بالعقول، ويقول : (إنّ نقطة إنطلاق المُفكر ومسئوليّته عن الحريّة في إحيّاء مجتمعه ومنحه الحركة هي تأسيس فلسفة بروتستانتيّة إسلاميّة).

وأعتقد أن “شريعتي” قد أمسك لسانه عن هدم هذه البِدعة لكَوّنها قوّام عقيدة الفِرقة الإماميّة، إذ كان يؤمن بأن الإصلاح لن يأتِ بثماره إذا بدأ بهدم الثوابت ونقض العُمد العقديّة حتى لو كانت لا تخلو من الخرافة والأساطير التي لا يقبلها العقل، وكان مُتأثراً في ذلك بالفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” في حديثه عن علاقة الدين بالأخلاق العمليّة والمُجتمع الإنساني، ومن ثَم نجد “شريعتي” يفصل بين المُعتقد الديني التليد الموروث والفِكر الحضاري الإسلامي الحديث المُستحدث، مُحاولاً قدر الطاقة عدم هدم أحدهما ولاسيّما في العقل الجمعي ومُخيّلة الجمهور، وهو درب قريب الشبه بمشروع أصحاب الإتجاه الليبرالي التوفيقي في الفكر العربي الحديث، وبعيد كل البُعد عن الإتجاه العلماني المركسيّ الذي يرفض نظريّة التوفيق أو نظريّة التجاور في الإصلاح. ومع ذلك كله؛ نجد مُعظم الكتابات الشيعيّة تُدرج كتابات “علي شريعتي” وأحاداثيه ضمن المُصنفات المارقة المُتهكمة على القادة الروحانييّن والمُشككة في عقيدة (المهديّ المُنتظر).

وحسبي أن أشير في هذا السيّاق إلى مُجدد مُعاصر يُمثل الدرب الثالث من هذا الإتجاه الشيعي، أحسبه من الثائرين المُستنيرين العقلييّن الذين عزفوا عن الإنتماء المِليّ والعِرقي وإرتضوا الإنضواء تحت رايّة العقل والتجديد والإصلاح دون تجديف أو جحود أو تشكيك في بنيّة العقيدة الإسلاميّة وثوابتها الشرعيّة ومقاصدها المُجمع على صِحتها، وهو الناقد المُفكر العراقي “ماجد الغرباوي” الذي اجتهد في غربلة الفكر الشيعي الإمامي الذي اختلطت بنيّته بمؤثرات شتى، أبرزها التعصُب العرقي والإعتقادي والسياسي والإجتماعي، مُبيناً تهافت أصول العقيدة الشيعيّة الإماميّة وإجتراء أئمتها على إنتحال العديد من التصورات المثيولوجيّة والمذاهب الفكريّة المُنغلقة والآراء السياسيّة الراديكاليّة التي لا تستقيم مع الإدعاءات التي يروج لها فقائهم ومُتفلسفيهم (حيث الوعي والإستنارة والعقلانيّة والتآليف بين المذاهب الإسلاميّة).

ولا يسع المقام سوى الحديث عن موقف “الغرباويّ” من بِدعة (المهديّ المُنتظر) التي لم يقوىَ دونه من أمراء المنابر (المُنتمين لفرقة الإثنى عشريّة) على فضح هشاشة رِكامها المُنتحل، فقد أكد في غيّر موضع من كتاباته أن جراثيم الكذب ساكنة في جذورها النصيّة، بدايةً من التأويلات الشاطحة والأخبار المُلفقة ومروراً بالآراء الزائفة المُتلاعبة بالعقول المُغيّبة والمُتعلقة بالأوهام الخرافيّة المصنوعة، وانتهاءاً بالأساطير المُحرّفة التي أخرجها كهنة المعابد من جيف الدّيانات المجوسيّة واليهوديّة وألصوقها بالإسلام و”الإمام عليّ وبنيه”، بدايةً من حكاية ميلاد (المهديّ) المزعوم وإحتجابه وغيّبته الأولى والثانيّة وسفرائه ورسائله ووصاياه التي تنضح إفكاً وبُهتاناً، وإنتهاء بقصة عودته والإنقلاب المأسويّ الذي يسبقها والأحداث المُشينة التي يتمنى المُخرفون وقوعها قبل قيام الساعة دون أن يَخطُر في بال أحد عقلائهم موت الإمام المزعوم أو زيّف البِدعة برمتها ، ومن أقواله في ذلك : (لذلك كله شَكّل طول غيّبته تهديداً خطيراً للعقيدة الشيعيّة، فراح مُتكلموهم يربطون ظهوره بمشيئة الله، وأن المسألة غيبيّة يتعذر على الإنسان معرفة أسبابها، فكان الغيّب وما يزال عِلة سحريّة لتبرير ما يعجز العقل على تبريره، خاصّة مع وجود روايات تؤيّده، إنه أسلوب مراوغ لكنه ناجح جداً مع سذاجة الوعيّ وغيّاب العقل … إنّ المهديّ قضيّة وهميّة، فرضتها ظروف الطائفة الشيعيّة وعقيدتها بعدد الأئمة، فهي سالبة بإنتفاء الموضوع كما يُعبر المنطقيون، فعدم إمكان رؤيته تحصيل حاصل، وكان التوقيع صادقاً جداً ولازمه كذب مَنْ يدعي رؤيّة المهدي أو يدعي السفارة عنه، فالسفارة وفقاً لهذا الإحتمال كانت خطوة لتدارك إنهيّار الوضع الشيعي ومرحلة إنتقاليّة بين الحضور والغيّاب المُطلق لإمتصاص صدمة الفراغ القيّادي لعدم وجود من يتولى الإمامة من أبناء “الحسن العسكري”. وقد اقتصر دور السُّفراء على قضايا إداريّة وتنظيميّة ترتبط بالحقوق الشرعيّة وأحالوا الشيعة على الفقهاء لمعرفة الأحكام الشرعيّة فانتفت الحاجة الفعليّة؛ ليكون الإمام ظاهراً وتكفي غيّبته المُبررة سياسيّاً وأمنيّاً لطمائنة نفوسهم وترسيخ إيمانهم بالإمامة، فاكتمل عدد الأئمة بإمام غائب، وهذا مطلب أساس وفقاً للمنظومة العقائديّة الشيعيّة).

وأعتقد أن الحوار الذي أجراه “ماجد الغرباوي” مع “طارق الكناني” المُتضمّن في كتابه (مدرات عقائديّة ساخنة ٢٠١٧م) كان يُوحي بتصريحات أخطر يُمكن إستنباطها من الإشارات الإحاليّة، والتوجيهات المرجعيّة، والإيماءات الرمزيّة التي لج أبوابها المُتناظران، منها أن أصابع الساسة هي التي ما برحت تضغط على جهاز الكذب الإصطناعي لإنتاج الحُجج الوهميّة والأحداث العدوانيّة التخديريّة التي تَبتدِعها العصابات الصهيّو أمريكيّة.

وليس أدل على ما ندعيه من أهميّة قراءة موقف “الغرباوي” من بِدعة (المهديّ المُنتظر) – مُفككين بنائها ومُحللين بنيّتها ومُراجعين سيّاقتها والأطوار التي ترأت عليها في مُختلف المجالات – تكشف المُخبئ وتُزيل الستائر عن الغوامض من الأفكار الثوريّة التي تحملها، ويترأى لي أن هذا المُنطلق يُمثل بؤرة تفلسُفه وأكبر عُمد تجديده، فمقصد مُفكرنا المُضمر والمُستتر وراء كلماته، هو ضرورة الإنتقال من عبث الإصلاح السياسي إلى غربلة الموروث الديني الشيعي، وذلك إذا ما أراد كُتاب هذا الإتجاه الإنتقال من طَوّر العبث واللعب على المسرح السياسي إلى إعتلاء منابر الإصلاح وتجديد الفكر الديني.

وحسبنا أن نختتم حديثنا عن أهم الكُتاب المُعاصرين الذين تحدثوا عن بِدعة (المهديّ المُنتظر)، بِذكر فريق من علماء أهل السُنة، وعلى رأسهم “محمد الخضر حسين ١٨٧٦م – ١٩٥٨م – شيخ الجامع الأزهر الأسبق-” وشيوخ الوهابيّة المُعاصرين مثل (عبد العزيز بن باز ١٩١٢م – ١٩٩٩م، ومحمد صالح بن عثيّمين ١٩٢٩م – ٢٠٠١م) بوصفهم مُمثليّن للإتجاه الأخير من إتجاهات الكُتاب حيّال هذه البِدعة وحجتهم في قبول هذه البِدعة يرجع إلى إيمان العقل الجمعي بها، وما ورد بشأنها من أحاديث رسول الله، وذلك بمنأي عن ما حرَّفه دُعاة الشيعة الإثنى عشريّة، وما أضافوه على ما جاء في كُتب جُماع الحديث المُعتمدة في المؤسسات الناطقة برأي عموم جمهور علماء أهل السُنة، ومن أقوال “محمد الخضر حسين” في ذلك : (إذا ورد حديث صحيح عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بأنه سيقع في آخر الزمان كذا حصل به العلم، ووجب الوقوف عنده من غير حاجة إلى أن يكثر رُواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر … وقد جُمعت هذه الأحاديث في رسائل مستقلة مثل: “العرف الوردي في أخبار المهديّ للسيوطي”، و”القول المُختصر في علامات المهديّ المُنتظر لإبن حجر الهيّثمي”، و”البُرهان في علامات مهديّ آخر الزمان لإبن حسام الدين أحد تلاميذ إبن حجر”، و”المورد الوردي في حقيقة المهديّ لمُلا عليّ قاريّ”، و”التوضيح في تواتر ما جاء في المُنتظر والدجال والمَسيح للشوكانيّ .. ونحن نقول : متى ثُبت حديث واحد من هذه الأحاديث، وسَلم من النقد، كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يُسوُس الناس بالشَرع، ويحكمهم بالعدل، إذ أريناك أن مسألة المهديّ لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلا بالأدلة القاطعة … وأن قضية المهديّ ليست بقضيّة مُصطنعة). وقد صرح بذلك في مقال له بمجلة الهدايّة الإسلاميّة في الجزء الأول من المُجلد الثاني والعشرين، مُحرم ١٣٦٩هـ، ١٩٤٩م.

وهذا الرأي على ما فيه من اضطراب منطقي لا يستند إلى وجهة عقليّة مُقنعة، ولا بُرهان شرعيّ يُعتد به، فكيف يَصدُق حُكم صدق الجزء على صدق الكُل، وما هي العِلة التي تجعلنا نسكت عن دفع الضرر الذي أحدثته ومازالت تُحدثه هذه البِدعة على حاضر ومُستقبل المُسلمين، بدايةً من الدول المُجترئة الشاطحة الفاسدة التي أستندت عليها في بناء دعواتها الجانحة، أو في إفشاء بعض الأفكار الخرافيّة والقيم الإنهزاميّة والأكاذيب المُناهضة لمقاصد الشريعة، كما بيّن “الطاهر بن عاشور” في رفضه إيّاها وإعتراف جمهور أهل السُنة أنفسهم بذلك، وهل الخوف من طعن المُغرضين في كُتب جُماع الحديث والسُنة النبويّة يقودنا إلى إعطائهم سلاح يطعنون به التُراث الإسلامي برِمته؟!

تلك كانت قراءة أركيولوجيّة لموقف “الطاهر بن عاشور” من هذه القضيّة الشائكة، ومازال السؤال مطروحاً كيف يتأتى للغائب المعزول أن يُصبح إماماً عادلاً في نهايّة الزمان تحميه مظلة إلهيّة وتؤيّده قداسة ربانيّة؛ ليفعل الأفاعيل؛ وليُصلح ما عَجَزَ عن تحقيقه سائر الأنبيّاء والمُرسلين؟!

وللحديث بقيّة عن قضيّة أخرى من فلسفة “الطاهر بن عاشور”.

بقلم : د. عصمت نصَّار 

 

 

 

Share Button

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *