Share Button

للقلمُ ولا شك دوره البارز في التعبير عن الوعي. غير أن الإحساس بمن حولك : من الأشياء، والأفراد، والأشخاص، والمخلوقات، والموجودات، والأنهار والشموس والأشجار والبحار، والهواء والتراب، والسماء، والجبال. الإحساس بكل ما هو حولك إنما هو قمّة النبوغ العقلي والتفوق الروحي.

نعم ! عمّق فيك الإحساس ينبغ لديك العقل وتتفوق الروح. ثم ماذا؟ ثم التعبير عن قيم العقل والتفكير في هذا الوجود، والقدرة على فهم طبيعة حياة كل مخلوق – أو بعضه – بالكيفية التي يرتقي فيها إحساسك، فيكون الإدراك جميلاً مرهفاً بمثل هذه الحيوات المتعدّدة لهذه المخلوقات إدراكاً طبيعياً يفرضه إحساسك بجمال الوجود ونواميس الكون وضوابط القانون الإلهي، سواء كان ذلك على مستوى الزماني أو على مستوى الأزلي، على المستوى الطبيعي أو على المستوى الإلهي.

والقدرة على التعبير تتطلّب بلا شك قدرة على التفكير، وكل قدرة على التفكير هى في الأصل قدرة تصاحبها ملكة خاصّة من ملكات البيان، تتعدد وتتنوّع وترتقي بارتقاء تلك الملكات في نفس صاحبها، في تجربته وفي وعيه.

ويوم أن ترتفع القدرة على التعبير ترتفع معها بلا شك أيضاً القدرة على التفكير، فيجئُ التعبير عن تلك القدرة الأخيرة أقدر وأفعل من التعبير عن القدرة على سواها؛ ولذا اختلفت الطرائق وشاعت، وتباينت بين الشيوع والاختلاف درجات وأنواع.

وإذا نحن أردنا الوضوح زيادة قلنا إن قدرة الانسان على التعبير هى هى قدرته على التفكير، وبغير هذه القدرة القادرة على إدراك العمليات الفكرية لا تكون هنالك قدرة قادرة على إدراك العملية التعبيرية؛ إذ أن إدراك العملية الأخيرة كامنٌ في ارتقاء القدرة الأولى بغير ريب، وهى قدرة العمليّة الفكريّة، وهذه وتلك لا يمكن أن تقوم لها قائمة في الإنسان بغير الإحساس : عمّق فيك الإحساس تتشكل لديك طرائق التعبير.

فالإحساس العميق باللغة، والاحساس العميق بالمُفردات، والاحساس العميق بمدلول الكلمات لهو هو الشئ الذي لا يستغنى عنه مبدع كائناً من كان أو ما كان موضوع إبداعاته : في الشعر والأدب والفن، في العمل الفكري أو في الإنتاج العقلي، ولربما يكون كذلك في اتساع الصّلة مع الأزلي الإلهي على التعميم.

كل العمليات الفكرية المُبدعة إذا نحن نظرنا إليها من وجهة نظر التحليل الذوقي ألفيناها عمليات عقلية عليا مشروطة بالقدرة الخاصّة المُبدعة ليست تتمُّ في قرائح المبدعين إلا بارتقاء القدرة على الإحساس : الإحساس بالآخرين متقدمين ومتأخرين، الشعور بهم والتوحُّد معهم وإدراك الحقيقة التي كانت تعتمل في بواطنهم، وتشتعل جذوتها في دخائلهم، ثم مواجهة النفس الانسانيّة والغرض الإنساني بالتقرُّب إلى أولئك المبدعين الأفذاذ في كل عصور الإنسانية المزدهرة؛ ليصير التقرّب اليهم سياجاً حافظاً يعصم النفوس من التسفُّل والضياع وانحطاط القيم وانحدار الموازين، سواء كان هذا الانحطاط في القيم العقلية والمعرفية أو كان الانحدار في القيم الخُلقية سواء، كيما يعصمها كذلك من التردي في مهاوي الفناء.

الإحساسٌ، بلا شك، بالكليّة الوجودية وبالمجموع الإنساني إنمّا هو قدرة المبدع بلا خلاف لأن تكون قدرته خاضعة لشعور الشاعر بشعوره، صادرة عنه وموجّهة إليه، وإحساسه بما هو موقور وعياً في باطن الانسان.

على أن الإحساس بما هو موقورٌ في باطن الإنسان وبما هو كامنٌ في أعماقه الجوانيّة من هذه الجهة مقرونٌ بالوعي وممزوجُ به مزجاً محكماً، إذ كان ضرباً من تقدير الانسان لا يخرجه إلى الوجود إلا طريقة التعبير المُمثلة في القلم، ذلك القلم الذي يعلم من صاحبه ما لا تعلمه الأدوات الأخرى ولا الوسائل الأخرى، ولأجل هذا كانت قيمة الإنسان المعرفية في قلمه، أي كانت قيمته في وعيه، وفي طريقة تعبيره عن هذا الوعي كلما استطاع.

ومن هنا صارت التجارب المعرفيّة الكبرى تعبيراً عن الوعى العالي لا الوعى العادي. ولم يقدح في الوعي العادي كونه محدوداً عن مدركات الوعى العالي إذا نحن أخذنا التجربة الإنسانية، روحية وعقلية، محلّ اعتبار وموطن قياس؛ فطريقة التعبير عن الوعي العادي ليست كطريقة التعبير عن الوعي العالي، وما يُقال عن الأولى التي هى عبارة صريحة مباشرة، لا يقال عن الثانية التي ربما تكون رمزاً أو إشارة أو لمحة تقتضي التأويل والتفسير.

ولم يكن من قبيل المصادفات أن يُقسم الله تعالى بالقلم، إذا كان القلم نفسه هو الوعي، وهو نفسه التعبير الصادق عن الوعي، وأن يُعلّم الله تعالى بالقلم، فإن الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم لهو هو الذي خلق الانسان وعلمه ما لم يكن يعلم، فأقسم في عزيز خطابه بالقلم ليعلمه، وليرشده بالعلم والمعرفة إلى حقائق الزماني والأزلي، ولكن الإنسان المحدود ذي العقل المحدود والنظر المحدود مع تطور أدواته واختلاف وسائله، أهمله وفضّل عليه أحدث الوسائل المعرفيّة التي لا نعرف لها سراً يضاهي السر الإلهي الذي أودعه الله سنان القلم.

ربما لا يدري أن فقه الوجود كله مرهون بذاك القلم إذا أريد بفقه الوجود كله أن ينجلي تحت سنان الأقلام التي تعرف كيف تُخرّج حكمة الأسرار، من وعي عالي أو عادي سيان، وأن تعتدل منظومة القيم الخُلقية بالصدق في استعمال الأقلام.

وماذا عسانا فاعلين لو تسألنا الآن : ما علاقة هذا كله بالإحساس الذي تقدّم الحديث عنه؟ لتجيء الإجابة مختصرة ومركزة في كلمة واحدة لا مزيد عليها هى “التريض بالقلم”.

وأنا أعني أن الإحساس المدرك بكل ما في الوجود من جوانب الحق وأقدار الخير وأقسام الصلاح مرهون باستخدام القلم ولو كان في استخدامه كلفة غالبة ومشقة فادحة وعناء طويل. غير أنه عناء التجربة، ومشقة التعبير عنها، وكلفة تخريجها من ظلمة العمى الروحي إلى نور الوجود المستنير.

فما من إحساس عظيم بجمال الأشياء وجلال الوجود الباطن إلا وللقلم في إبرازه واظهاره واستيحائه، بعد إدراكه، الدور الفعال والتواصل المحمود بين الأجيال.

أ.د/ مجدي إبراهيم
أستاذ الفلسفة، ووكيل كلية الآداب،
جامعة العريش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *