Share Button
بقلم / محمـــــد الدكـــــرورى
إنه شهر رمضان الكريم، الذي جعل الله – تعالى – أولَه رحمةً، وأوسطَه مغفرةً، وآخرَه عتقًا ونجاةً من النار، وفيه تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين ..

وحيث يشرق هلالُه السعيد بالبركات على الدنيا في كل عامٍ مرة، منحةً من الله لعبادهِ الصالحين، فلا بُدَّ منْ فاصلٍ زمني يسترِدُّ فيه المؤمن أنفاسَه من لَهَثِ الحياة؛ حتى يكون الإمداد بالرحمة والهدى على قدر استعداد العبد، وحتى يستقبل أمواجَ الخيرات بعزمٍ وقوةٍ .

وإن قائد الطائرة يتفحصها، ويختبر قدراتها قبل إقلاعها؛ حتى تسير باعتدالٍ وضبطٍ في جوِّ السماء، ويتذكَّر موعد الإقلاع المحدد بدقيقةٍ معينةٍ، ويضمن لها ما يغلب على ظنِّه أن فيه السلامةَ، ويعلم دقائق الأشياء عند الظروف المفاجئة، ويتفحص طاقمها، مع علمه اليقيني أنه لا مجال عنده أبدًا للخطأ.

وما قلبُ المؤمن الصادق في رمضان، إلا كجناحِ طيرٍ خفَّاقٍ هَائِمٍ حول عرش الرحمن، في رحلاتٍ تدهش اللبَّ وتثير في الوجدان منازِعَ الإخباتِ لربِّ الأكوانِ، وإن ذلك لا يمكن أن يكون إلا إذا تخلص القلب من أوضار الهوى وأثقال المعاصي، وأُعْتِقَ من كل قيود الخطايا، ثم غُسِلَ بماءِ التوبةِ الطهورِ، الذي يكسبه الحياة من جديد، ويكسوهُ ثوبَ العزِّ في طاعةِ الرحمن.

والتوبة ليست كلماتٍ تُقَالُ باللسان كما يظنها كثيرٌ من الناس، فهناك طوائفُ من عباد الله عاشوا على توبة اللسان فقط بالتصريح بأنهم تابوا، ويظنون أنهم قد رستْ بهم مراكبُ الإيمان على سواحل السلامة منذ أزمان، وما أسهلها من توبةٍ!

تلك التي قال تائبها بلسانه: “تبتُ إلى الله”، وإذا تابعتَ أفعاله وجدتَها مثل ما كان من سابق الأيام، فهي توبةٌ غير مقرونةٍ بتغيير حالٍ، ورقةِ قلبٍ، وصلاح نفسٍ، وعُلُوِّ همةٍ في الطاعات، إنما هي كلماتٌ قالها وما زال قلبه عاقدَ النيةِ على اجتراح المعاصي، أو التقصير في العمل الصالح، وربما يلوم غيرَه على اقتراف الذنب ويدْعوه للتوبة!

قال الله – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ التحريم.

وأن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – سئل عن التوبة النصوح، قال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدًا”

وعن سر التسمية بالنصوح، فقد ذكر الإمام القرطبي – رحمه الله تعالى – وأصل التوبة النصوح من الخلوص، يقال: هذا عسلٌ ناصحٌ، إذا خلص من الشمع، وقيل: هي مأخوذة من النصاحةِ، وهي الخياطة، وفي أخذها منها وجهان: أحدهما: لأنها توبةٌ قد أحكمت طاعته وأوثقتها، كما يحكم الخياطُ الثوبَ بخياطته ويوثقه .

والثاني: لأنها قد جمعتْ بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم، كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض..

فالنصوح هنا بمعنى الخلوص من الذنب، والتعلق بمظانِّ الرحمة من الله الرحمن، وتمامها كما نقله البغوي في تفسيره قوله: “قال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترْك العود بالجنان، ومهاجرة سيئ الإخوان”.

وهذه هي التوبة المنشودة والمرجوة من كل مسلمٍ، ليحقق عين يقين معناها، لا أن يقول في اليوم عشرات المرات: تبت ورجعت إلى الله، وهو لم يقف على شروطها المحكمة، التي تصفها بأنها توبةٌ نصوحٌ، إن هذا لم يتب بعدُ إلى ربه بعمله.

وإن كل المسلمين مدعوُّون لهذه التوبة، اسمع إلى قوله عز وجل ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ النور.

فجميعًا إلى رضا الله بلا إبطاءٍ سائرون في طريق التوبة، الكبار والصغار، والرجال والنساء، والطائعون والعاصون، إنها دعوةٌ مفروضةٌ على الجميع، حتى الأنبياء المعصومين؛ وذلك لأن التوبة في الإسلام خلقٌ كريم، مع أنها حاجةٌ ماسةٌ، وعلاجٌ ناجعٌ لكل من ألَمَّ بذنبٍ، أو اجترح معصية.

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *