Share Button

بقلم
د. محمود محمد علي 
كلية الآداب – جامعة أسيوط
يري المتخصصون في مجال فلسفة العلوم ، بأن أي علم علي الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين : مرحلة الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليها الطابع الإيديولوجي ، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة أو هو الانتقال مما هو ضمني إلي ما هو صريح وواضح ، فالطفل أو الرجل الأمي – علي سبيل المثال – يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً وبدون حاجة إلي تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك ، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج قواعد اللغة التي يتحدث بها ، وأن يصيغها صياغة نظرية ، لما كان هذا في إمكانه ، والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوي الممارسة اليومية للغة إلي مستوي الصياغة النظرية لقواعدها.
والانتقال هنا هو انتقال من مستوي الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلي مستوي الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة وقد أصبحت علماً . وهذا الانتقال من المستوي الأول إلي المستوي الثاني لا يتم إلا عن طريق ” قطع الصلة” ( إلي حد ما ) بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم.
والمغايرة النسقية هي ” التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة ، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم ” ؛ ومعالم المغايرة النسقية يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات : مستوي لغة العلم من جانب ، ومنهجه من جانب آخر ، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث.
فإذا ما أردنا أن نطبق هذا المبدأ علي ” حروب الجيل الرابع ” ، حيث أجمع المؤرخون لتلك الحروب بأن الصياغة النظرية لها تجسدت في عام 1989 عندما أصدر أحد جنرالات المارينز الأمريكي وهو ” وليم ليند” بحثا بعنوان ” الوجه المتغير للحروب – الجيل الرابع” ، وقبل ذلك كانت حروب الجيل الرابع تُمارس بشكل عفوي وتلقائي ، في شكل ما يسمي بحرب العصابات والحرب النفسية ، وذلك للوصول إلي مفهوم الدول الفاشلة .
وحروب الجيل الرابع تعتمد على مبدأ اللا مركزية وبعدها جرى إطلاق هذا المسمى على الحرب على المنظمات الإرهابية حسب المفهوم الأمريكى والتى يكون طرفى الحرب فيها جيشا نظاميا لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو أو خلايا خفية منتشرة فى أنحاء العالم
وقد كانت الحرب التي قامت بين الولايات المتحدة وفيتنام نموذجاً لحروب الجيل الرابع، وذلك عندما استطاعت القوات الفيتنامية في حرب فيتنام، أن تهزم الولايات المتحدة التى تعتبر أقوى جيش في العالم وإلحاقه بالخسائر البشرية والمادية، وهذا خير مثال لحروب الجيل الرابع؛ حيث استطاعت قوى ضعيفة أن تكبد الخسائر لقوة أكبر، وتعتبر أحداث 11 سبتمبر مثالاً آخر على تلك الحروب؛ حيث توضح مدى قدرة قوة غير نظامية والمتمثلة “في “تنظيم القاعدة” في استهداف البرج التجاري الأمريكي وإلحاق الخسائر بالولايات المتحدة واستهدافها في عقر دارها”.
كما يطلق على حروب الجيل الرابع “الحروب اللامتماثلة ” أو “الحروب غير المتكافئة” والتى تعنى وفقاً لما قاله المفكر الصيني” سون تزو Sun Tzu ” منذ سنين مضت قائلاً :” إنه من الصعب أن تدخل في حروب ضد قوة عسكرية أقوى بنفس الأسلحة المتناظرة، ومن ثم يجب البحث عن أساليب مختلفة لاستخدامها بهدف إلحاق الخسائر بالقوة الكبرى، وفي رأيه يتمثل هذا الأسلوب في استهداف وحدة المجتمع حيث عندما يتم تحطيم التماسك الاجتماعي سيؤدي إلى تحطيم القوة العسكرية ” ؛ في حين ذهب “أنطونيو إتسيفاريا” – الأكاديمى العسكري الأمريكي – بأنها ” تلك الحروب التى تعتمد على نوع من التمرد التى تستخدم فيه القوات غير النظامية كل الوسائل التكنولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية بهدف إجبار العدو – الذي يمثل قوة نظامية- على التخلى عن سياسته وأهدافه الاستراتيجية “. أما “ماكس ماينورج” – المحاضر في معهد الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكى- فيعرف تلك الحروب بأنها :”تلك الحرب التى تكون بالإكراه، وتعمل على إفشال الدولة، ثم فرض واقع جديد يراعى المصالح الأمريكية، ويتم زعزعة الاستقرار” .
ومن مظاهر الجيل الرابع للحروب سعى الأفراد والمجموعات غير الحكومية للوصول إلى المعرفة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة واستخدامها كوسائل هجومية فى معارك غير متماثلة لتحقيق المصالح الفردية والجماعية وذلك من خلال القدرة على تنفيذ الأعمال التخريبية من خلال الإنترنت والوسائط الإلكترونية المختلفة فيما بات يعرف بالحرب الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *