Share Button

بقلم / محمــــــــد الدكــــــرورى

عندما نتكلم عن العدل والرحمه معا فيجب علينا وقفة تأمل من عدل ورحمة النبى الكريم مع موقف عظيم وهو موقف يحتاج منا أن نأخذ منه دروس وعبر وهو موقف النبى الكريم صلى الله عليه وسلم مع الصخابى حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، وهو صحابى شهد بدرًا والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ” ..

وكان موقف حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي أرسل رسالة إلى مشركي مكة يُخبرهم فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهَّز جيشًا لفتحها، مخالفًا بذلك أوامر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومُعرِّضًا جيش المسلمين لخطر عظيم!

فكيف يكون ردُّ الفعل المناسب في أية دولة في العالم؟! إن القتل هنا عقاب مقبول جدًّا مهما كانت ملابسات الحدث، وهذا ما رأينا بعض الصحابة يقترحه ..

لكن ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إنه بعد أن أمسك بالخطاب الخطير، وعلم ما فيه أرسل إلى حاطب رضي الله عنه ..

وسأله في هدوء: «‏يَا ‏حَاطِبُ،‏ ‏مَا هَذَا؟»، قَالَ حَاطِبُ: “يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً ‏مُلْصَقًا (أي: لست من أنفسهم، غريبًا فيهم ) يقصد ‏فِي ‏قُرَيْشٍ، ‏‏وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ ‏ ‏المُهَاجِرِينَ ‏لَهُمْ قَرَابَاتٌ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ” ..

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم‏: ‏«لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ‏ ‏عُمَرُ: ‏‏”يَا رَسُولَ اللهِ؛ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ”، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»

إن المبرر الذي ذكره حاطب قد لا يقبله الكثيرون، بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكلنا يعلم ورعه وفطنته وعدله لم يقبله، ورأى أن يُقتَل بهذا الجُرم، فكيف يسوغ أن يحاول حماية أهله على حساب جيش كامل، ثم كيف يعصي أمرًا مباشرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

ومع كل هذا إلاَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمه رحمة واسعة، وقَبِلَ منه عذره في صفح عجيب، وعفو نادر، وقدَّر موقفه، وعذره، ولم يُوَجِّه له كلمة لوم أو عتاب، بل إنه رفع من قدره، وعظَّم مكانته، وقال لعمر وعمر يعلم ذلك: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ!»

إن العدل شيءٌ، والرحمة شيء آخر! إن العدل قد يقتضي أن يُعَاقَب حاطب بن أبي بلتعة بصورة أو بأخرى، ولكنَّ الرحمة تقتضي النظر إلى الأمر بصورة أشمل، فنرى مَن الذي فعل الفعل، وما تاريخه، وما سوابقه المماثلة، وما أعماله السالفة، وهل هو من أهل الخير أم من أهل الشرِّ، وما الملابسات والخلفيات لهذا الحدث.

إن العلاج العاقل يقتضي كظم الغيظ، والتدبُّر في رويَّة وهدوء. وإن الرحمة تقتضي عدم الانسياق وراء عاطفة العقاب، وتلتزم بالبحث الحثيث عن وسيلة تُخرج صاحب الأزمة من أزمته.

والعدل درجة عظيمة.. ولكن الرحمة أعظم! الفرق بين الأثنين تلحظه في قول الله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ” فمن العدل أن يأخذ الله عباده بذنوبهم، ومن الرحمة أن يؤخِّرهم إلى أجل مسمى.

وتلحظ الفرق بين الاثنين في قوله تعالى أيضًا “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” ، فمن العدل أن يصيب اللهُ الناسَ بعقابه على كل خطأ يكسبونه، ومن الرحمة أن يعفو عن كثير.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّخذ هذا النهج طريقة ثابتة في حياته، لقد كان مطبِّقًا لأخلاق القرآن وأوامره دون تفريط ولا تضييع، فقد كان تمامًا كما وصفته عائشة أم المؤمنين عند ما سُئِلَتْ عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان خُلُقه القرآن، أما تقرأ القرآن قول الله تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *