Share Button

كتبت :هاجر عادل

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَظِيمَةِ التِي إِذَا رُوعِيَتْ قَامَتِ الْبُيُوتُ وَاسْتَقَامَتْ حَيَاةُ الأُسْرَةِ: الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ، وَحَقُّ كُلٍّ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الآخَرِ، وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ سَنَتَنَاوَلُ بِإِذْنِ اللهِ حُقُوقَ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].

فَجَعَلَ اللهُ -تَعَالَى- مِنْ دَلائِلِ عَظَمَتِهِ تِلْكَ الْعَلَاقَةِ التِي جَعَلَهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، فَلَيْسَتْ عَلاقَةُ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ مُجَرَّدَ الْمُتْعَةِ فِي الْفِرَاشِ، أَوْ إِصْلَاحِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، لا، بَلْ هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَسْمَى مِمَّا يَتَصَوَّرُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَزْوَاج

فَمِنْ أَوَائِلِ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا: حُسْنُ عِشْرَتِهَا وَطِيبُ مُعَامَلَتِهَا: فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إِحْسَانُ مُعَامَلَةِ زَوْجَتِهِ مِنْ إِكْرَامِهَا وَالرِّفْقِ بِهَا وَالتَّلَطُّفِ فِي مُعَامَلَتِهَا، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمَا، قَالَ -تَعَالَى- (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي” (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

وَمِنْ حُقُوقِهَا: أَنْ يُعَلِّمَهَا أُمُورَ دِينِهَا، وَيَحُثُّهَا عَلَى الطَّاعَةِ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، وَالْمَعْنَى: تَنْهَوْنَ أَهْلِيكُمْ عَمَّا نَهَاكُمُ اللهُ عَنْهُ، وَتَأْمُرُوهُنَّ بِمَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقَايَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّارِ.

أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ: وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا: أَنْ يَظْهَرَ أَمَامَهَا بِالْمَظْهَرِ الْحَسَنِ، فَيَكُونُ طَيِّبَاً فِي رَائِحِتِهِ وَهَيْئَتِهِ، وَفِي كَلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الأَزْوَاجِ حَيْثُ يَأْتِي ِمْن خَارِجِ الْمَنْزِلِ وَرُبَّمَا كَانَ يَعْمَلُ طُولَ النَّهَارِ وَقَدْ عَلَاهُ الْعَرَقُ وَظَهَرَتِ مِنْهُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ، ثُمَّ يُرِيدُ مُضَاجَعَةَ زَوْجَتِهِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ، وَلِذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لِزَوْجَتِهِ بِالاغْتِسَالِ وَالتَّنَظُّفِ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَيَسْتَعْمِلُ مَا يُزِيلُ الرَّائِحَةُ مِنْ فَمِهِ كَالسِّوَاكِ أَوْ الْفُرْشَاةِ وَالْمَعْجُونِ، وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ الطِّيبَ، وَكَمَا أَنَّ الزَّوْجَ يَحِبُ أَنْ يَجِدَ مِنْ زَوْجَتِهِ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ وَالْمَظْهَرَ الْحَسَنَ فَكَذَلِكَ لِتَجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: إِنِّي ِلَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحُبُّ أَنْ تَتَزَيَّنِ لِي لِأَنَّ اللهُ -تَعَالَى- يَقُولُ (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228].

وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ: أَنْ يَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْ بَعْضِ أَخْطَائِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِخْلَالٌ بِشَرْعِ اللهِ: وَهَذَا لا يَكُونُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ حَسَنَاتِهَا وَسَيِّئَاتِهَا، فَإِنْ رَأَى مِنْهَا مَا يَكْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يَتَذَكَّرُ مَا يُعْجِبُهُ وَيُحِبُّهُ مِنْ صِفَاتِهَا، وَأَمَّا أَنَّ الزَّوْجَ يَتَعَامَى عَنْ مَحَاسِنِ زَوْجَتِهِ وَيَغْفَلَ عَنْهَا، ثُمَّ هُوَ لا يَرَى إِلَّا تَقْصِيرَهَا وَصِفَاتِهَا السَّيِّئَةَ فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ نَفْسُهُ فِيهِ عُيُوبٌ وَتَقْصِيرٌ

فَالْعَدْلُ مَطْلُوبٌ وَالْمَوَازَنَةُ بَيْنَ الْمَحَاسَنِ وَالْمَسَاوِئِ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ هُوَ الْعَدْلُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ” (رَوَاهُ مُسْلِم).

وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا: أَلَّا يُؤْذِيهَا بِضَرْبِهَا فِي وَجْهِهَا أَوْ تَقْبِيحِهَا إِذَا أَرَاَد تَأْدِيبِهَا، عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: “أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ).

وَمِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ بَعْضَ الأَزْوَاجِ إِذَا حَصَلَ خُصُومَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ هَاجَمَهَا بِالضَّرْبِ وَاللَّكْمِ, وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ لِهَا وَلِأَهْلِهَا وَلِمَنْ يَتَّصِلُ بِهَا، وَوَصَفَهَا بِأَبْشَعِ الصِّفَاتِ وَأَقْبَحِ الْخِلَالِ، وَلَيْسَ هَذَا وَاللهِ مِنْ هَدْيِ الإِسْلَامِ فِي شَيْء

إِنَّ الضَّرْبَ أَيُّهَا الأَزْوَاجُ جَائِزٌ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّ، وَذَلِكَ إِذَا نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ، وَتَرَكَتْ طَاعَةَ زَوْجِهَا، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) [النساء: 34].

وَلَكِنَّنَا نَجِدُ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ الضَّرْبَ آخِرَ الْحُلُولِ وَلَيْسَ أَوَّلَهَا، فَأَوَّلاً يَبْتَدِئُ الرَّجُلُ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ بِالْوَعْظِ بِكِتَابِ اللهِ وَتَذْكِيرِهَا بِمَا أَمَرَهَا اللهُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ الزَّوْجِ، ثُمَّ إِذَا لَمْ يَنْفَعِ الْوَعْظُ انْتَقَلَ إِلَى الْهِجْرَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: يُوَلِّيَهَا ظَهْرَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، وَلا يُكَلِّمَهَا. ثُمَّ إِذَا لَمْ تَكُنْ نَتِيجَةٌ مِنَ الْهِجْرَانِ انْتَقَلَ إِلَى الضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ.

وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَعُفَّهَا: وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ نَسْتَحْيِي مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ تَسْتَدِعِي ذَلِكَ، فَكَمْ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَقَعَتْ مِنْ بَعْضِ الزَّوْجَاتِ بِسَبَبِ أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَعُفَّهَا، وَلَمْ تَجِدْ مِنْهُ مَا تُرِيدُ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا، وَلِذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تَنَالَ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا اللَّذَّةُ كَمَا يَنَالُ مِنْهَا، فَيُلَبِّي الزَّوْجُ رَغْبَةَ الزَّوْجَةِ الْفِطْرِيَّةِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَيُحَصِّنَهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا، وَيَصُونَهَا وَيَحْفَظَهَا مِنْ كُلِّ مَا يَخْدِشُ شَرَفَهَا، وَيَثْلِمُ عِرْضَهَا، وَيَمْتَهِنُ كَرَامَتَهَا؛ فَعَنِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا” (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

 

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *