Share Button

بقلم … محمد الدكرورى 
كانت الشروط فى صلح الحديبيه تبدو مجحفة في الظاهر، ويتضح فيها ظلم قريش للمسلمين، وصدها عن البيت العتيق من أراد تعظيمه، وقد ظنت قريش أنها انتصرت على المسلمين في هذا الصلح، لكن توالي الأحداث أثبت غير ذلك وظن بعض المسلمين بأنهم الطرف الخاسر في القضية، وكانوا قد خرجوا وهم لا يشكّون في دخول المسجد الحرام للرؤيا التي رآها الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، وهم وغم حتى كادوا يهلكوا وتذمروا من هذا الصلح، وضاقوا به، خاصة عندما ظهرت حمية المشركين الجاهلية، ولم يقروا أثناء كتابة الصلح، بسم الله الرحمن الرحيم وأنه – أي النبي – رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية الإمام البخاري رحمه الله: (فدعا النبي – صلى الله عليه وسلم – الكاتب، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)). قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((اكتب باسمك اللهم)).

ومما رواه الإمام مسلم رحمه الله: أمره – صلى الله عليه وسلم – لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يكتب (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك، لكن أكتب محمد بن عبدالله. فأمر عليا أن يمحاها، فقال علي: لا، والله لا أمحاها، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((أرني مكانها))، فأراه مكانها فمحاها، وكتب ابن عبدالله).

ومن هذا الموقف تتجلى حكمة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وحنكته وعظيم سياسته للأمور، حين يتنازل لأعدائه وخصومه هذا التنازل، إضافة إلى بصره النافذ وعلمه ببواطن الأمور، حتى كـأنه يعرف ما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب، من الفتح ودخول قريش في دين الله أفواجًا، ويظهر كذلك حرصه عليه الصلاة والسلام على تعظيم حرمات الله وعلى مصلحة الدعوة، وقد كان أخذ على نفسه ألا يرد على قريش خطة تهدف وتؤدي إلى ذلك، بل نجده يوافق على ما يملونه من شروط، ويلين عند تصلبهم وتعنتهم، تنفيذًا لذلك العهد.

ويشاء الله أن يبتلي المسلمين، ويظهر غضبهم لله، وحميتهم لدينه، ويمتحنهم في وفائهم بعهدهم، فبينما هم يعقدون الصلح يهرب إليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو وهو مقيد، وكان قد عذب في الله عذابًا شديدًا، فأراد النبي – صلى الله عليه وسلم – من أبيه أن يجيزه له فرفض.

أمام هذا التحدي لمشاعر المسلمين، لم يملك النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا الثبات على الوفاء بالعهد، وتبشير أبي جندل رضي الله عنه بالفرج من الله، فقال له: ((يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه، وإنا لن نغدر بهم)) .

لقد أثار هذا الموقف حفيظة المسلمين لأخيهم في الله، وامتحنوا فيه أعظم امتحان، ولكن سيطر عليه ضبط النفس والتعقل والوفاء بالعهد .

وقد كتم الصحابة رضوان الله عليهم ما اعتلج في صدورهم من الغيظ، وما آلمهم، وتكلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأفصح عما في نفسه، لما هو معروف عنه من الصلابة في الحق، وحب المراجعة فيما لم يستبن له فيه وجه الحق والصواب فقام يحتج ويراجع النبي – صلى الله عليه وسلم – ويقول له: (ألست نبي الله حقا؟ قال: ((بلى)). قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى)). قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري)). قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟)) قال: قلت: لا. قال: ((فإنك آتيه ومطوف به)).

وظل عمر رضي الله عنه في حالة من الكرب، لا تهدأ نفسه حتى ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه، وسأله كما سأل النبي – صلى الله عليه وسلم -، فأجابه كما أجابه، روى ذلك الإمام مسلم رحمه الله، قال: (فانطلق عمر، فلم يصبر متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا).

وبقى في نفس عمر رضي الله عنه بعض الحرج، حتى (نزل القرآن على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع).

وندم عمر رضي الله عنه على ما بدر منه من مراجعة النبي – صلى الله عليه وسلم -، واعتراضه عليه، فيقول: (ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق، من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا).

ولما أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بالتحلل من إحرامهم، اعتراهم الوجوم والذهول، ولم يبادروا إلى تنفيذ ما أمرهم به الرسول – صلى الله عليه وسلم – كعادتهم، وقد أملوا أن يذبحوا هديهم ويحلقوا رؤوسهم في رحاب الحرم، وقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه حالهم، فقال: (لما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فكأنهم رضي الله عنهم كانوا يأملون العودة عن الصلح، وإتمام نسكهم، فلما رأوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – قام، وذبح بدنه، وحلق رأسه – بعد مشورة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها – قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًا .

وقد كان موقف الصحابة وغضبة عمر رضي الله عنه، حميةً لدين الله، ولمِا رأوا في شروط الصلح من ظلم ظاهر لهم، وإجحاف بحقوقهم، ولكنهم آمنوا بالله، وصدقوا وعده، وأطاعوا نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأُمضي الصلح، وكان في ذلك الخير والفلاح للإسلام والمسلمين.

وأنزل الله على نبيه سورة الفتح، في طريق عودته للمدينة المنورة، والمسلمون في هم وغم، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فانقلبت كآبتهم فرحا وسرورا، وأدركوا أن التسليم لأمر الله ورسوله فيه كل الخير لهم ولدعوة الإسلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *