Share Button

بقلم… محمد الدكرورى 
بويع عمر بالخلافة من سليمان بن عبد الملك وهو ابن عمه، فتسلم الخلافة سنة 99 من الهجره ومكث فيها سنتين وخمسة أشهر، ملأ الأرض فيها عدلاً ورد المظالم إلى أصحابها، وسلك فيها مسلك الخلفاء الراشدين، وأحيا الله به السنن التي تركت، وقمع به البدع التي انتشرت.

لما تلقى عمر بن عبد العزيز خبر توليته، انصدع قلبه من البكاء، وهو في الصف الأول، فأقامه العلماء على المنبر وهو يرتجف، ويرتعد، وأوقفوه أمام الناس، فأتى ليتحدث فما استطاع أن يتكلم من البكاء، قال لهم: بيعتكم بأعناقكم، لا أريد خلافتكم، فبكى الناس وقالوا: لا نريد إلا أنت، فاندفع يتحدث، فذكر الموت، وذكر لقاء الله، وذكر مصارع الغابرين، حتى بكى من بالمسجد.

وفي أحد المواقف كتب إليه واليه على خراسان واسمه الجراح بن عبد الله يقول: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم والسلام.

وبينما عمر بن عبد العزيز يطوف ذات يوم في أسواق “حمص” ليتفقد الباعة ويتعرَّف على الأسعار، إذ قام إليه رجلٌ عليه بُرْدان أحمران قطريان وقال: يا أمير المؤمنين.. لقد سمعت أنك أمرت من كان مظلومًا أن يأتيك .
فقال: نعم .
فقال: وها قد أتاك رجلٌ مظلومٌ بعيدُ الدَّار .
فقال عمر: وأين أهلك ؟
فقال الرجل: في “عدن ”
فقال عُمر: والله، إن مكانك من مكان عمر لبعيد .
ثم نزل عن دابّته، ووقف أمامه وقال : ما ظلامتُك ؟
فقال: ضيعةٌ لي وثب عليها رجلٌ ممن يلوذون بك وانتزعها مني .

فكتب عمر كتابًا إلى “عروة بن محمد ” واليه على “عدن” يقول فيه: أمَّا بعد: فإذا جاءك كتابي هذا فاسمع بيَّنة حامله، فإن ثبت له حقٌّ، فادفع إليه حقَّهُ .

ثم ختم الكتاب وناوله للرجل .
فلما هم الرجل بالانصراف قال له عمر: على رسلك.. إنك قد أتيتنا من بلدٍ بعيدٍ .. ولا ريب في أنك استنفدت في رحلتك هذه زادًا كثيرًا ..

وأخلقت ثيابًا جديدة . ولعلَّه نفقت لك دابةٌ.
ثم حسب ذلك كله، فبلغ أحد عشر دينارًا، فدفعها إليه وقال: أشع ذلك في الناس حتى لا يتثاقل مظلومٌ عن رفع ظُلامتِهِ بعد اليوم مهما كان بعيد الدَّار.

ويروى أن رجلا رأى راعيًا يرعى غنمه ووجد في قطيع الغنم ثلاثين كلباً.. فقال الرجل: يا راعي الغنم أترعى غنمك في ثلاثين كلباً، يكفي كلب أو كلبان. فقال الراعي: يا سيدي هذه ليست كلاب بل ذئاب، قال الرجل: عجباً ذئاباً ترعى مع أغنامكم.. فقال الراعي: منذ أن تولى ابن عبد العزيز يقصد (عمر بن عبد العزيز) ترعى لنا الذئاب أغنامنا.. فذهب الرجل يبشر عمر بن عبد العزيز، وروى له ما رأى، فقال عمر: (نحن قوم أصلحنا ما بيننا وبين الله فأصلح الله ما بين الذئاب والغنم).

وفي يوم من الأيام قال رجل: في البادية لابد أن عمر قد مات.. فتعجبوا فقالوا له: هل قال لك أحد ذلك.. قال الرجل: لا، فقالوا له إذن كيف عرفت، قال: لقد هجم الذئب على الغنم.. وحينها بالفعل كان قد توفى عمر….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *