Share Button

تتكرّر على أرض سيناء الحبيبة مذبحة الروضة التي شهدها العالم كله يوم جمعة، وتتكرّر مشاهد الغدر والخيانة بما يُدمي القلوب ويجعل من القتل عقيدة في قتل الناس جميعاً، فليس أسوأ فتكاً ولا أمضى غدراً من ذلك التخطيط المستفز الذي يقلب أيام الله إلى دماء وحروب، ويتصدّى للخالق قبل أن يحارب المخلوق!

هؤلاء الذين قتلوا فينا فرحة العيد هم أنجاس مناكيد لا دين لهم، ولا وطن يظلهم، ولا إنسانية تجمعهم، ولا ولاء، ولا انتماء، ولا قيم، هم أعداء الوطن وأعداء الدين وأعداء الإنسانية وأعداء القيم الدينية على التعميم.

أنا لا أعقل إنساناً تمسّ الإنسانية شغاف قلبه، يمكن أن يفعل تلك الفعلة الشنعاء ويهجم على الجنود الذين يؤتمرون بأوامر الله تعالى وبقيمه قبل أوامر قادتهم، لحماية الناس وحفظ الأمن وزرع الأمان، يقفون لتأدية واجبهم الوطني – والناس في بيوتهم مطمئنون – تحوطهم الرغبة العارمة في الاستقرار وشيوع الأمان، وذلك مطلب الأديان قبل أن يكون مطلب الأوطان.

كانوا فارقوا أسرهم وأولادهم وزوجاتهم وأهاليهم إلى حيث تلبية الواجب، ولم يكونوا باحثين عن رزق ولا متاع ولا طالبين لشيء ممّا يطلبه القاصد لسفر بعيد، ولكنهم حُرّاس السلامة والأمانة، لا ذنب لهم ولا جريرة إلا أن يكون حفظ السلام ذنباً، وتكون الخدمة الوطنية جريرة من الجرائر التي يُعاقب عليها المجرمون !

لقد تخيّروا صباح يوم العيد، ويا له من خيار قبيح، الأربعاء الساعة الخامسة، وهجموا بأسلحتهم على نقطة أمنية تسمى بكمين البطل في مدينة العريش، راح ضحيتها 14 جندياً من خيرة شباب الجيش المصري وقواته في لحظة واحدة غير الجرحى والمصابين.

تخيّروا صباح العيد، وشاءت الأقدار أن تكون أعياد هؤلاء الأبطال مجلجلة بالتكبير في الملأ الأعلى. ألّا ما أبخسه من خيار قدرتموه، وما أعظمه من مصير قدّره الله للشهداء قبل أن يقدّره الجبناء!

وإن تكن إرادتهم إرهاب الدولة في يوم العيد، فلقد زادت الفرحة، وزانت بهذا المصير الذي يملكه الحق تعالى ولا يملكونه بكل ما أوتوا من تخطيط مقلوب، نعم! زادت الفرحة وزانت، ولو بدت في القلوب أحزان الفراق وطوايا الجراح المكلومة.

ما ذنب هؤلاء الشرفاء الأبطال؟

ذنبهم أنهم شرفاء وأنهم أبطال؛ لأن الشرف والبطولة عنوان قيم علويّة لا تعرفها أخلاق الخنازير الآدميّة، ولا تمتحنها رذائل العادات والأخلاق، وما دام هناك شرف ومادامت هناك بطولة فالتضحية هى السبيل الوحيد لهذا العنوان العظيم، فلا شرف بغير تضحية ولا بطولة تسري في دماء الأبطال إلا أن تكون التضحية هى المادة الكريمة تزكيها وتنميها، ولا تزكّى ولا تنمّى أبداً بالجبن والتعفن والخيانة والبغضاء.

ذنب هؤلاء الأبطال أنهم تدرّبوا على شرف البطولة فكانت التضحية هى أولى القيم العلويّة التي تعلموها، تسمو بها عقائدهم الوطنية، وكان الفداء هو المثل الأعلى في ترتيب القيم النبيلة يُواجه الموت مواجهة الشرفاء الأخيار ولا يُلقي له بالاً يعز دونه كل عزيز لا يدانيه، وقد بذلوا الأعز الغالي في سبيل تمثلها قيماً علويّة حتى الرمق الأخير.

ولم يكونوا جبناء ولا خواة من قيم المصلحة العليا والأمن القومي والوطنية المحققة، ولكنهم كانوا أصدق الناس في القول الذي يتبعه عمل وفي المبدأ الذي يلزمه التطبيق، ولم يكن الشرف عندهم مُجرّد كلمة شوهاء بلا معنى ولا مضمون، ولكنه حقيقة واقعة مشهودة تقتضي التضحية في سبيله.

ومن هنا كانت البطولة : إحياء النّاس جميعاً لا قتلهم جميعاً؛ فالذي يقضي يومه حارساً في الميدان ينشر الأمن ويقرّ الأمان يُضحي بدمه ويقدم روحه فداء اعتقاده هو يُحيي الناس جميعاً ويسعدهم جميعاً وهو حقيقٌ بجدارة بكل بطولة وكل تكريم؛ فليس له من جزاء يليق به على هذا العطاء إلّا الجزاء الذي خوّله له الحق سبحانه وعظّمه فيه، وليس من بعده من تعظيم؛ فالشهادة على التضحية هى أسمى المنازل التي يبلغها المضحّون في سبيل الله والوطن، ولا أحد يبلغ هذه المنزلة وهو مُجرّد عن الشرف مسلوب البطولة لا تقوم فيه الكرامة التي يخلقها أصل الشرف وتصدرها معادن البطولة.

لم يشأ الله سبحانه أن يترك جزاء التضحية في سبيله ليشرّعها أو يسنّها غيره، فلن يفي هذا الجزاء أحداً سواه، لذلك كانت منزلة الشهيد أعلى المنازل وأقدرها عند الله قبل أن تكون أقدر وأعلى لدى المخلوقين، فدمُ الشهيد طاهر لأن المنزلة المُكرّمة التي بلغها لقاء تضحيته تعطي له الحق في طهارة الدم وطهارة الأصل الروحي الذي تأسس عليه. ولم يكن غريباً أبداً أن يُكفّن الشهيد بدمه طاهراً فلا يغسّل، لأن شهادته هى شهادة الروح التي اختارت التضحية بالدم ونالت الشهادة من أجلها في عالم الذّر .

فالدم العادي نجسٌ في عقيدة المسلمين، ولكن ما هكذا يكون دم الشهيد. الشهيد في الإسلام يُدفن كما هو، دون غسل. الشهيد لا يُغسّل، فدمه طاهر، لأنه دم الروح ودم الفداء والتضحية.

إنّ شهادة الدم في عقائد أهل السّنة هى شهادة الحياة، ليست أي حياة ولا كل حياة، ولكنها حياة الروح وفداء الواجب والتضحية. وفي حياة الروح يجود الرجال بدمائهم قرباناً إلى تلك الأقانيم العلويّة من فرط ما اشتعل في قلوبهم من محبّة خالصة يمليها عليهم واجب التضحية فلا يبالون إن لاقوا فيها حتفهم المُقدّر ومثواهم الأخير.

إنّ قيم الوطنية ولاشك من قيم الله، والحفاظ عليها والدفاع عنها والمثول لشرف البقاء فيها هى أيضاً قيم تندرج تحت طاعة الله الذي فرض الجهاد في سبيله والصدق في ملاقاة الأعداء، وجعل الفرار من الزحف كبيرة يقترفها المجرمون من مقترفي الكبائر.
إنّ أصغر جندي في الميدان لا تزلزل عقيدته الوطنية دواعي التخويف أو التخوين، إذ كانت العقيدة الدينية مصدراً لها وقيماً تتوخاها وتباشرها، لكن شرط هذه العقائد كلها أن تكون معقولة مقبولة على المستويين الإنساني والحضاري، ولا تكون مجرد نظريّة كثيفة ثقيلة تثقل كاهل الإنسان وتعمي باصرته عن الاستنارة بنور الله وقيم الله، وأن يكون فهمها رحمة للناس وللعالمين، وأن يفهم الدين فهماً صحيحاً في إطارها، ولا يفهم فهماً مغلوطاً أو معكوساً يحرّفها عن مقاصدها التأسيسية.

فمن حرف هذه المقاصد لغايات ترابيّة أضرّ بالدين وبالدنيا معاً وأحلّ سفك الدماء وحارب القيم الإلهيّة تمهيداً لضياع كل قيم تُدرج تحتها يعتنقها الإنسان ويواجه بها مسيره ومصيره، فإباحة القتل وسفك الدماء تحريف لعقائد الدين وحراب لله وحراب لقيم الله في كتابه، ولا يوجد مسلم يقرأ القرآن ثم يحلُّ لنفسه ما حرّمه الحق بنصّ كتابه الكريم :

(ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤُهُ جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً) (النساء 93).

الذين أحيوا النّاس جميعاً هم جنودنا البواسل يدفعون البغي والإثم والعدوان، والناس في منازلهم وأعمالهم يتمتعون بحياتهم ووراؤهم من يذود عنهم، ويحميهم من شر البغي وبطش العدوان.

والذين قتلوا النفوس بغير جريرة إلا الفساد في الأرض هم أنفسهم الذين قتلوا الناس جميعاً ونشروا الفساد في الأرض ودانوا للقيم الترابيّة، وهانوا قيم الله في كتاب الله، أو هكذا تصوّروا، ولكن الله غالب على أمره يقف وراءهم بالمرصاد .

فالله نسأل في هذه الأيام المباركة، من عيد الفطر، أن يرحم شهداءنا البواسل ( شهداء كمين البطل ١٤ ) الذين ضحّوا بأرواحهم فداء لحماية القيم العلويّة، قيم الواجب والوطنية، ولحماية تراب هذا الوطن الغالي، وأن يرزقهم الفردوس الأعلى من الجنّة، وأن يزرق أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يربط على قلوبهم، وأن يدمّر كل من أراد بوطننا وجنودنا سوءاً، وأن يجعل كيد أعداء الوطن في نحورهم، إنّه وحده وليُّ ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *