< فلسفة العمل في الإسلام (2) - جريدة اهرام مصر
Share Button

فلسفة العمل في الإسلام

(2)

بقلم: د. مجدي إبراهيم

إذا كان الخضر عليه السلام رمزاً لعلم القدر كما جاء في سورة الكهف : الخضر العبد الصالح ذو العلم اللّدُّنيّ أم القَدَر؟ فهل توقفت يوماً لتتساءل عن سيدنا الخضر عليه السلام؟ هل هو نبيّ أم وليّ أم عالم أم من هو، وماذا تراه يكون؟ هل انتابتك الدهشة لهذا الذي جعله الله أكثر علماً وحكمة ورحمة من نبيِّ مُرسل؟ هل تساءلت يوماً لماذا كل هذا الإصرار أن يصل سيدنا موسى عليه السلام؛ لبلوغ المكان الذي سيلاقي فيه سيدنا الخضر عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (الكهف: 60).

ولماذا سيدنا موسى تحديداً الذي قُدّر له من بين جميع الأنبياء والرسل أن يقابل سيدنا الخضر الأكثر علماً ورحمة، وأنْ تدوّن هذه القصة في أخلد كتاب وأعظم قرآن يُتلى إلى يوم الدين؟

تحديداً، إنّ هذه القصة من المؤكد تختلف تماماً عن كل القصص، قصة موسى والعبد الصالح الذي أعطاه الله العلم اللَّدُّنيِّ، لم تكن كغيرها من القصص، ولابدّ من تعليل، إذا كان الفهم كيما يستقيم يلزمه التعليل.

لا شك أنّ القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الوسائل والأسباب، وليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي، إنما نحن في هذه القصة أمام علم من طبيعة أخرى غامضة أشدّ الغموض. هو علم القدر الأعلى، أو سرّ القدر كما يسميه ابن عربي، هو العلم اللَّدُنيِّ، علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة، كما أُسدلت على مكان اللقاء وزمانه وحتى الاسم ﴿عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا﴾ وكفى. هذا اللقاء كان استثنائيا؛ لأنه يجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ومن عليها.

السؤال الأزلي الدائم كما تدوم السرمديّة:  لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ لماذا يموت الأطفال؟ كيف يعمل القدر تجاه هذا كله؟

يذهب البعض إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيداً للقدر المتكلم لعلّه يرشدنا : ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: 65).

العبد الصالح صاحب “العلم اللَّدُنيِّ” هو الذي ينكشف سر القدر بواسطته، ولا ينكشف لغيره ما دام هذا لغير لم يؤمن تحقيقاً، ولم يتحقق بوَحْدَةِ قصد.

أهم مواصفات القدر المتكلم أنه (رحيم عليم) أي أن “الرحمة” سبقت “العلم. سبقته؛ لأن الرحمة وسعت العلم اللَّدنيِّ، لكن العلم الظاهر ضاق عنها، ولم يضق عنها إلا لأنه ظاهر ذو غرض عارض ومطلب نفس وقضاء حظوظ. وعلمٌ هذه صفته لا بدّ أن يتأخر عن الرحمة في حين تتقدّمه هى ولا يتقدّمها.

قال النبيُّ البشر (موسى) : ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً؟﴾ (الكهف: 66).

يرد القدر المتكلم (الخضر) : ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟﴾ (الكهف: 68).

تجيء دوماً فهم أقدار الله فوق إمكانيات العقل البشري المحدود بحدود ما يفكر فيه، المرهون تباعاً في حدود تفكيره دوماً بمقولاته، ولن تصبر على التناقضات التي تراها؛ لأن العلم المحدود يُقابلُ بعلم أوسع منه هو من معدن الرحمة التي وسعت العلم اللَّدنيّ كما وسعت كل شئ، وضاق عنها العلم الظاهر ذي العقل النظري الظاهر كما تضيق السّعة في عين المحجوب.

يرد موسى بكل فضول البشر : ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (الكهف: 69).

هنا تبدأ أهم رحلة توضح لنا كيف يعمل القدر؟

يركبا في قارب المساكين؛ فيخرق الخضر القارب .. ولك أن تتخيل حجم المعاناة الرهيبة التي حدثت للمساكين في القارب المثقوب : فزع، ألم، رُعب، خوف، تضرع، ورجاء. جعل موسى البشري ذي العقل البشري الذي يأخذ بالوسائل والأسباب يقول : ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً؟﴾ (الكهف:71).

عتابٌ للقدر كما نفعل نحن تماماً فنقول مثلاً : أخلقتني بلا ذريّة كي تشمّت بي الناس؟ أجرّدتني من منصبي لأصبح بلا قيمة؟ أفصلتني من عملي كي أظل فقيراً؟ أأزحتني عن الحكم، ليشمت بيّ الأراذل؟ لماذا أمت ابني وهو شاب تضحك له الدنيا؟ لمَ يا رب؟! لماذا كل هذه السنوات وأنا في السجن؟ يا ربّ : أنستحق هذه المهانة؟ لماذا كل هذا الفقر والبلاء والوباء والمعاناة والكوارث والغلاء والحروب والأمراض والأوجاع والأسقام البدنية والروحيّة؟

ــ تساؤلات العقل المحدود ذي الأفق المحدود لا تنفك عن دوام السؤال المحدود. ذلك فقر في الذخيرة الروحيّة وفقر لا شك فيه في فقه الوجود.

ــ ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟﴾ (الكهف: 72)، ألم أقل لك إنك أقل من أن تفهم سر الأقدار وتحيطها علماً؟ ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى عليه السلام بالصبر. مضي الرجلان، ويقوم الخضر الذي وصفه ربنا بالرحمة قبل “العلم” بقتل الغلام ويمضي؛ فيزداد غضب موسى عليه السلام النبيّ الذي يأتيه الوحي، ويعاتبه بلهجة أشدّ  :﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؟!﴾ (الكهف: 74).

هنا تتصاعد حدّة التنكير! ففي الحالة الأولى كانت شيئاً عجباً غير أنه مُنكر، وفي الحالة الثانية جاءت شيئاً يتصاعد في الغرابة والتنكير.

والكلام صادر عن نبيِّ أوحىّ إليه، لكنه بشر مثلنا، ويعيش نفس حيرتنا، والخضر عليه السلام، يؤكد له مرة أخرى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟﴾ (الكهف: 75). ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى الكليم بأن يصمت ولا يسأل؛ فيذهبان إلى القرية، فيبني الخضر الجدار ليحمي كنز اليتامى.

وهنا ينفجر موسى غضباً؛ فيجيبه من سخّره ربّه؛ ليكشف قبل موسى سر القدر : ﴿قَالَ : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (الكهف: 78).

وتتجلى الحكمة الإلهية فيما يكشفه “التأويل”  من طريق العلم اللّدُّنيِّ، وهى التي لن نفهم بعضها حتى يوم القيامة  :الشرُّ أمر عدمي، نسبيّ، عرضيّ، ليس بحقيقيّ. ومفهومنا كبشر عن الشر قاصر؛ لأننا لا نرى الصور الكاملة، والمعنى المعطى لنا على قدرنا لا على قدره، نحن محجوبون عن أصل الخير فينا؛ لأننا محجوبون عن علم القدر وعن سره؛ فلسنا نطيقه:

والقدر أنواع ثلاث :

ــ النوع الأول : شرٌ تراه فتحسبه شراً فيكشفه الله لك أنه كان خيراً؛ فما بدا شراً لأصحاب السفينة أتضح أنه خير لهم. وهذا النوع الأول هو ما نراه كثيراً في حياتنا اليوميّة وعندنا جميعاً عشرات الأمثلة عليه.

ــ النوع الثاني  :إنّما هو شر تراه فتحسبه شراً، لكنه في الحقيقة خير .. مثل قتل الغلام، لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك، فتعيش عمرك وأنت تحسبه شراً. وهكذا يكون الحجاب بنفسك، وبوسائلك وأسبابك، عن علم الله. لكن خلف حجاب السبب وحجاب الوسيلة علم آخر هو علم الله.

هل عرَفتْ أم الغلام حقيقة ما حدث؟ هل أخبرها الخضر؟

الجواب : لا .. بالتأكيد قلبها انْفطر، وأمضت الليالي الطويلة حزناً على هذا الغلام الذي ربّته سنيناً في حجرها؛ ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي. ومن المؤكد أنها لم تستطع أبداً أن تعرف أنّ الطفل الثاني كان تعويضاً عن الأول. وأنّ الأول حيثما عاش سيكون سيئاً : ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ (الكهف: 80). وفي معاني القرآن للفرّاء (207هـ) ” فخشينا أي فعلمنا، وهى في قراءة أبيِّ (فخاف ربك أن يرهقهما) على معنى : علم ربك. وهو مثل قوله (إلا أن يخافا) أي : إلا أن يعلما ويظنا. والخوف والظن يُذهب بهما مذهبّ العلم.

فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم، ولم تستطع تفسيره أبداً. ولن تفهم أم الغلام أبداً حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة. نحن الذين نمرُ على المشهد مرور الكرام؛ لأننا نعرف فقط لماذا فعل الخضر ذلك؟ أما هي فلم ولن تعرف.

ــ النوع الثالث من القدر وهو الأهم، وكل علوم القدر مهمّة : هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري لطف الله الخفيّ. وهل كانت هينة يسيرة كلمة العارفين : يا خفيِّ الألطاف نجّنا ممّا نخاف؟ الخير الذي يسوقه الله لك ما دمت في وحدة القصد، ولم تره، ولن تراه، ولن تعلمه.

هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم؟ لا.. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه؟ لا.. هل شاهدوا لطف الله الخفيّ .. الجواب : قطعاً لا.. هل فهم موسى السّر من بناء الجدار؟ الجواب أيضاً .. لا !

فلنعد إلى كلمة الخضر (القدر المتكلم) الأولى : ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾. الصبر مفتاح بوابة وحدة القصد، والاستطاعة عليه توفيق من يقين الإيمان.

لن تستطيع أيها الإنسان أن تفهم أقدار الله ما دمت لم تترقى لتعرف ربّك. الصورة أكبر من عقلك، وستظل أكبر منه إذا كانت أعمالك وسائل ليست بمقاصد حاضرة مع الحق، يجري أسرار الأقدار على العباد الذي أعطاهم من عنده وعلَّمهم.

استعن بلطف الله الخفيّ لتصبر على أقداره التي لا تفهمها. ثق في ربّك؛ فإنّ قدَرك كله خير. وقُل لنفسك : أنا لا أفهم أقدار الله، لكنني مؤمن بها، متسق مع ذاتي ومتصالح مع حقيقة أنني لا أفهمها. لكنني موقن كما الراسخون في العلم أنه كل من عند ربنا. إذا وصلت لهذه المرحلة، ستصل باليقين لأعلى مراحل الإيمان: (الطمأنينة القلبية). وهذه هي الحالة التي لا يهتز فيها الإنسان لأي من أقدار الله، خيراً بدت له أم شراً، ويحمد الله في كل حال. حينها فقط، سينطبق عليك كلام الله ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. لاحظ هنا أنه لم يذكر للنفس المطمئنة لا حساباً ولا عذاباً؛ بل أدخلها الجنة راضية مرضيّة.

لنلحظ  مرة ثانية الفرق الفارق في قصة الخضر مع موسى الكليم بين توجّهات الأعمال : بين عمل وعمل، بين العمل إذا كان وسيلة، والعمل فيما لو كان مقصداً لا وسيلة. لم يكن عمل الخضر عليه السلام إلا مقصداً من علم الله وفي الله، منه وإليه، ومن أجله، أمّا عمل موسى عليه السلام، فهو عمل الوسائل القريبة والقرائن الحاضرة، يأخذ بالأسباب المتاحة التي يأخذ بها البشر جميعاً، ولكن فوق علوم البشر القاصرة يوجد علم الله وتقديره، هو علم القدر، أو سر القدر، يعطيه من يشاء حين يشاء كما أعطاه للخضر عليه السلام.

حقيقة؛ ما لم تكن أعمالنا مُوجّهة منذ البداية نحو المقاصد الإلهيّة، فلن نجد لها في حاضراتنا الواقعة تقديراً آدميّاً؛ إذ كانت “وسائل” لا “مقاصد”. فإنّ عالم التقديرات الآدمية عالم حقير، يُبخس فيه الجزاء عنوة، ولا ينسب الفضل فيه إلا لغير لأهله. أمّا عالم التقديرات الإلهية؛ فلن يبخس عملاً ولا يهضم حقاً. الأصل في هذا العالم أن يكون “العمل” في فروعه المنوّعة المثمرة موجَّهاً إلى الله تعالى لا لأحد سواه، أي تصبح “وحدة القصد” حاضرة لا غائبة؛ فكل ما لله محفوظ دائم باق، بمقتضاها. ومن هنا كان العزاء؛ إذ صار العمل – فيما لو كان على الدوام موصولاً برحاب المعيّة الإلهية – مقصداً يسمو فوق الوسيلة الفانية والأغراض النفعية الزائلة لأنه موجّه إلى الله، وكفى بالله رعاية وكلائة أن تتوجه إليه مقاصد الأعمال خالصة ممّا سواه وهى على ديدن الحضور وهجير العرفان.

ومن هنا كان الشعور بالرضى فيما لو صحت الغاية وصح مقصدها تجاه كل عمل تقصد به وجه الله؛ فهو خير في ذاته من حيث يريد له الناس الشر والبطلان، وهو موفور الجزاء من حيث يعز الجزاء من الناس، وبين الناس.

أمّا الأعمال إذا هى كانت وسائل لمثل هذا المجد الدنيوي الكاذب؛ فإنها تجر على صاحبها أذيال الخيبة والخسران؛ فحقك إذا كانت أعمالك وسائل مهضوم، ومباح تقديره للآدميين، يبدون فيه آراء الانخفاض والارتفاع على ما يشتهون ولا يكادون – فيما لو اجتمعوا – بحسب تقديراتهم الهوائية ومنافعهم الساقطة التي ليست بالمنصفة أن يتفقوا على رأي فيه سديد.

ليس هذا فقط؛ بل إنّك في ذاتك فيما لو تأملتَ؛ لوجدتك ظالماً لنفسك بجعلك العمل “وسيلة” من وسائل الزيف الخدّاع : زيف الوجود المزيف لا الحقيقي، زيف القشرة اللامعة بغير شئ تحتها سوى الأعراض السطحية، زيف الدنيا المبهرجة الكاذبة إنْ دامت لك ما وصلت لغيرك، ممّا لا طائل فيها غير الزيف تقف عليه، ولا تجد لعملك رضى ولا قبولاً ولا عزاءً تستقر عليه طمأنينة القلب الطهور بغير تنغيص، ناهيك عن العذاب النفسي الشديد لأصحاء الضمائر من جرّاء عملية التزوير والتزييف.

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

 

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك رد