< فلسفة العمل في الإسلام (3) - جريدة اهرام مصر
Share Button

فلسفة العمل في الإسلام

(3)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

ماذا تبتغي من وراء العمل؟ حتى إذا ما فتشت مُخلصاً عما في دخائل نفسك، برقابة الضمير عليها، فلن تجد أعمالك كلها إلا “وسائل”، إذْ ذَاَكَ يجيء “البطر”؛ تصحبه قلة الرضى عن الأحوال الذاتية الخاصّة، من جرّاء اتخاذ العمل “وسيلة” لم تتحقق فيها بوحدة قصد. فإنّ التفتيش في بواعث الأعمال ليطلعنا على غياب عنصر الإخلاص منها في نقطة الانطلاق، في البواعث المحركة للعمل. أمّا النتيجة فمتوقعة على الفور، أقلّها : استبداد حالات البطر والقنوط بالأنفس التي اتخذت من الأعمال “وسائل” ولم تتخذها “مقاصد”؛ لتحضر فيها مع الله.

وسبب هذا؛ أن فقدان مبدأ الطمأنينة القلبية يقود بالضرورة إلى فقدان ملكة التعلق وهي ملكة راسخة في “ذات العارف” يستشعرها مع دوام الحضور، بمصدر الوجود نفسه ومنشئ القيم التي يتولاها هذا الوجود الإنساني المُكرّم سلفاً من عند الله. وبفقدان مبدأ الطمأنينة القلبية تفقد الذات الإنسانية وجودها الحقيقي المرهون بحضور العمل في الله ومع الله ومن أجل الله، وتستبدله بوجود آخر مزيف سرعان ما يحكم عليها بالتشيؤ والتشظي والنظر إليها كما لو كانت كمّاً مهملاً لا يستقر له قرار أمام طغيان المجموع الذي ينتسب إليه؛ بسبب أن العمل كان “وسيلة” لإرضاء هذا المجموع أو إرضاء النفس المعزولة عن حركة الكون السرمديّة، ولم يكن بالمقصد الذي يحضر فيه العامل دوماً على اليقظة مع الله حضور حركة ورقابة باطنة لا وسيلة غفلة وجهالة عمياء.

الذي يحقق وجود “الذات العارفة” هو العمل من أجلها، وفي رحابها؛ بمقتضي الحضور. أقلُّ الأعمال إذا هى كانت “وسائل”، ولم تكن مقاصد حاضرة مع الله، أورثت بطراً وجلبت كزازة نفسانية، تتقدّم فيها المسخطة على الرضى، والضجر على الفرح والسرور. وإذا استولت على “الكينونة” على “الذات العارفة” عوامل الهدم مثل : قلة الرضى والإنهاك والتعب والإعراض عن الذكر والمعيشة الضنك، كان تأخرها من جرّاء اتخاذها الأعمال وسائل عارضة ومقاصد ساقطة، يلزم عنها فقدان الذات وتلاشيها في مقابل طغيان النفس أو طغيان المجموع.

إنمّا التفرقة بين وسائل الأعمال ومقاصدها أحكام سلوك، مصدرها توجُّهات، ترتد إلى ذوات عارفة؛ فالعمل راجع إلى ذات المرء التي قامت بإنجازه، فإذا كان “وسيلة” انعكس بالسلب عليها، وإذا كان مقصداً شريفاً لازمه الحضور مع الله، ارتد من فوره على صاحبه طمأنينة قلبية ورضى وفرح وحبور.

قِسْ على هذا القسطاس كل أعمالك ماذا عساها تكون : مقاصد هي أم وسائل؟ وسَاَئل نفسك قبل أن تقدْم على العمل، وعالج نيّتك قبل أن تمضي فيه، وتأمل جيداً في العمل قبل أن تواقعه، وفارق البطر ونكرات النعمة، وقدّم “المقصد” على “الوسيلة”؛ فإنّه قسطاس نافع بكل تأكيد. ليس أنقض حالاً ولا أدعى للشك ممّن يفقد “مقاصد الأعمال” فيعيش أكذوبة كبرى اسمها الحياة : أكذوبة في الوجود، وأكذوبة في التصورات، وأكذوبة في الآراء والمعتقدات، وأكذوبة في النتائج والثمرات، ولا يستطيع أن يتصور ما من شأنه أن يناقض الأكاذيب في هذا العالم  التافه الحيران. وليس من شك أن هذه الأكاذيب لا تبشر بطريق ناهض على الإطلاق، اللهم طريق التعسف والنكوص والاعتقاد بالقيم التراجعية البغيضة التي تملأ آفاق الحياة والواقع والوجود سلباً وترديّاً كما تملأ الأخلاق وسائر الحيوات التي لا معنى لها ولا قيمة من قيم البقاء من ورائها.

صحيح أن الوقائع والأحداث تجري في هذا الواقع، فيبدو أنه يتحرك بالتراجع للخلف بما لا يقاس بواقعية غيرنا، إذا نحن وصفنا الواقعية هذه بالمنطقية التي تشبع نهم العقلاء. هنالك يبدو الواقع كما لو كان لا يستطيع أن يسير بنهضة تُقدِّمه غير تلك الكبوة التي تلازمه وتحقق له النهوض من خلال الكبوات وتوالي العثرات. وها هنا يتحطم الواقع على من فيه وبمن فيه، وأول الذين يتحطم على رؤوسهم فيقضّ مضجعهم هم أولئك الذين اتخذوا أعمالهم وسائل، إذْ فكروا وقدّروا وأقاموا البناء على جرف هارٍ فانهار بهم. أخذهم التشاؤم بعيداً عن المقاصد الجليلة النافعة، فجعلوا الحياة والواقع والوجود مجرّد “أكاذيب”، لمّا استولى عليهم البطر طافحاً بمعالم الجحود وتقاذفتهم بشاعة من نكران الصنيع الإلهي الجميل وكفروا بالنعمة الإلهية.

على الوجه الآخر، في المقابل، ترى الفعل الإلهي ضامن في ذاته للفعل الإنساني إذا كان الأخير مقصداً سامياً وليس هو بالوسيلة العاجلة القريبة، إذ الأعمال حين تكون مقاصد يصبح الحضور مع الله تباعاً موفور الجزء من جميع الوجوه.

وأعلى هذا الجزاء مكنة النفس في أن تتلقى فيوضات القربة مع الجوار الإلهي في غير انقطاع. ولهذه الدلالة بلا شك ميدانٌ كبيرٌ هو ميدان التقديرات الإلهيّة، ينمو فيه العمل ويذكو ويزداد ويظل محفوظاً بأطيب الثمرات في عالم المثوبة والرضوان، تماماً كما تنمو في نفس العامل مقررات البطولة الروحيّة والفكريّة على التحقيق.

أمّا ميدان التقديرات الآدمية؛ فكل عمل يدور في فلكه، مَرَدَّهُ إلى “وسائل” يتخذها العامل قهراً أو نَصَبَاً ولا تفضي به في نهاية المطاف إلا إلى خذلان.

أذكر لأبي حيان التوحيدي (414هـ – 1023 م)، طيّب الله ثراه، من أعلام القرن الرابع الهجري، لمّا أصابه اليأس والفقر وضاق  صدره بالحياة والناس، وبلغت حياته كلها ضرباً حرجاً من الكآبة والنفور، واستولى على جوانبها البطر، قام آخر حياته بإحراق كتبه وتبديد بحوثه ومقالاته، ولما أستبد به اليأس عاش غريباً في وطنه وَهَوَ مَنْ هَوَ في سعةِ علمه وغزارة حكمته وقوة بيانه وجميل إشاراته.

ولشدَّ ما وصلت به الأحوال ضيقاً وألماً ونَصَبَاً وكآبة، وبطراً لا نكران فيه؛ أنه كان اتّخذ من أعماله “وسائل” فلم تسعفه في رغد العيش، ولم توفر له الطعام ولا الشراب ولا الحياة الكريمة، ولم تنقذه من مدقع الفقر الدائم والفاقة المتوالية. على أنه كان شريف الوسيلة يترآى له المجد بارزاً من بريق الخلود، ويتربع على سلطان البيان الأدبي والفكري بما لا يقاربه نظير؛ ومع ذلك سقطت في عينيه الحياة كل الحياة، لأن أعماله كانت “وسائل”؛ لتحقيق المجد وزيادة الشهرة واتساع الصيت وذيوعه بين العالمين.

ولم تكن “مقاصد” يحتسبها فضلاً حين يعز تحقيقه بين يدي المخلوق، ويجد العزاء وحده في رحاب الخالق، وإليك عبارته فيما قال :

“إنّي جمعتُ أكثرها للناس (أي أعماله الأدبيّة والفكريّة) ولطلب المُثالة منهم، ولعقد الرياسة فيهم، ولمدّ الجاه بينهم، فحرمت ذلك كله. ولقد اضطررتُ إلى التكفف الفاضح عند الخاصّة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يُحسن بالحرِّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه بالألم”(أ. هـ).

هذه هى ثمرات “الأعمال” حين تكون “وسائل”، وتلك هى نهايتها المؤسفة الحزينة من عوامل الضعف والبطر والحرمان والاضطراب؛ بل والغربة عن هذا العالم في كافة الأحوال. لكن الذي يكتب هذا الكلام في زمنه كما كتب التوحيدي؛ ليخرق به أحجبة الزمن والتاريخ ولا يبالي بمن يقرأ له على النقد شماتة أو نكاية مزرية؛ لهو عارفٌ بصيرٌ وله من البصيرة والعرفان ما يعز وجوده لغيره، يواجه نفسه بالنقد والتطهير قبل أن ينتظر من الآخرين مواجهته.

ولم يكن قول الله تعالي في سورة العنكبوت:” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلُنَا” إلا إشارة ضمنيّة تتوج العمل كله؛ ليكون مقصداً يحضر فيه المرء مع الله، فالجهاد في الله من شأنه أن يجعل العمل كله موكولاً على الله، وعلى الله وحده فيما تتوجّه إليه قلوب العارفين قصدُ السّبيل.

بقلم : د. مجدي إبراهيم                

                          

    

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك رد