Share Button
فى طريق النور ومع إنسانية الحضارة الإسلامية ” جزء 5″
بقلم / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الخامس مع إنسانية الحضارة الإسلامية، فالمساجد التي بُنيت منذ بداية التاريخ الإسلامي كانت شاهدا على ذلك التوحيد من خلال الآيات القرآنية التي تزخرف جدران المساجد، وعبارة الشهادتين التي تزينها بعيدا عن الصور التي لا معنى لها، ومن المظاهر التي تدل على التوحيد في الحضارة الإسلامية مدافن المسلمين وقبورهم، فلم تعرف الحضارة الإسلامية تقديس القبور وتشييد البنيان عليها كما فعلت الأمم من قبل، كما أنها نبذت الشواهد والتماثيل التي كان يصنعها ويتفاخر بها من قبلنا، فلا مضاهاة لله تعالى في خلقه وصنعته، وأنها حضارة أخلاقية، فمن عوامل قيام الحضارة الإسلامية أنها ركزت على الجانب الأخلاقي في جميع مظاهر الحياة، فالأسواق على سبيل المثال.
والتي تشكل محور العملية التجارية فيها يتم مراقبتها من قبل هيئة من مهامها مراقبة الأسواق ومحاسبة التجار على الغش، أو التدليس، أو تطفيف المكيال، وكما أنها اهتمت بالعلم والبحث العلمي، فقد كانت أول الآيات التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام تدعو للقراءة، وأنها قامت على عدم الفصل بين الدين والدولة، فالحضارة الإسلامية تؤمن بالدين الإسلامي كدينٍ شامل ومنهج أخلاقي كامل لم يغفل جانبا من جوانب الحياة إلا وتطرق إليه، ووضع له المنهج الصحيح الذي يضمن للناس السعادة في الدنيا والآخرة، ولقد اهتمت الدولة الإسلامية التي انشأها رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم واستمرت تحت مسمى الخلافة في الفترات الأموية والعباسية بالعلوم والمدنية.
كما اهتمت بالنواحي الدينية فكانت الحضارة الإسلامية حضارة تمزج بين العقل والروح فامتازت عن كثير من الحضارات السابقة، فالإسلام كدين عالمي يحض على طلب العلم ويعتبره فريضة على كل مسلم ومسلمة، لتنهض أممه وشعوبه، فأي علم مقبول باستثناء العلم الذي يخالف قواعد الإسلام ونواهيه، والإسلام يكرم العلماء ويجعلهم ورثة الأنبياء، وتتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لا تخرج عن نطاق القواعد الإسلامية لأن الحرية الفكرية كانت مقبولة تحت ظلال الإسلام وكانت الفلسفة يخضعها الفلاسفة المسلمون للقواعد الأصولية مما أظهر علم الكلام الذي يعتبر علما في الإلهيات، فترجمت أعمالها في أوروبا وكان له تأثيره في ظهور الفلسفة الحديثة.
وتحرير العلم من الكهنوت الكنسي فيما بعد، مما حقق لأوربا ظهور عصر النهضة بها، لهذا لما دخل الإسلام هذه الشعوب لم يضعها في بيات حضاري ولكنه أخذ بها ووضعها على المضمار الحضاري لتركض فيه بلا جامح بها أو كابح لها، وكانت مشاعل هذه الحضارة الفتية تبدد ظلمات الجهل وتنير للبشرية طريقها من خلال التمدن الإسلامي، فبينما كانت الحضارة الإسلامية تموج بديار الإسلام من الأندلس غربا لتخوم الصين شرقا في عهد الدولة الأموية كانت أوروبا وبقية أنحاء المعمورة تعيش في جهل وظلام حضاري، وامتدت هذه الحضارة القائمة بعدما أصبح لها مصارفها وروافدها لتشع على بلاد الغرب وطرقت أبوابه، فنهل منها معارفه وبهر بها لأصالتها المعرفية والعلمية.
مما جعله يشعر بالدونية الحضارية، فثار على الكهنوت الديني ووصاية الكنيسة وهيمنتها على الفكر الإسلامي حتى لا يشيع، لكن رغم هذا التعتيم زهت الحضارة الإسلامية وشاعت، وانبهر فلاسفة وعلماء أوروبا من هذا الغيث الحضاري الذي فاض عليهم، فثاروا على الكنيسة وتمردوا عليها وقبضوا على العلوم الإسلامية كمن يقبض على الجمر خشية هيمنة الكنيسة التي عقدت لهم محاكم التفتيش والإحراق ولكن الفكر الإسلامي تمكن منهم وأصبحت الكتب الإسلامية التراثية والتي خلفها عباقرة الحضارة الإسلامية فكرا شائعا ومبهرا، وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة وحلب والبصرة وبغداد ودمشق والقاهرة والرقة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية، والجزائر وغيرها.
قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏
١
تعليقان
Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك رد