فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء الثالث “

فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء الثالث “
Share Button

فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء الثالث ”
إعداد / محمــــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع الحلال بيّن والحرام بيّن، وقد توقفنا عند أحوال السابقين الأولين عندما رسخت هذه العقيدة في نفوس المسلمين في مكة، واطمأنت لها قلوبهم، يسر الله تعالى لهم مزاولتها الواقعية في المدينة بنزول أحكام العبادات والمعاملات، فهم داخل المسجد وخارج المسجد يمتثلون كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فيما بينهم وبين ربهم، وفيما بينهم وبين الناس، وقدموا أوامر الله على كل ما سواه فرضى الله عنهم ورضوا عنه، وفازوا بدار كرامته، فقال الله تعالى فى سورة التوبة” والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم” وإن كل تصرف في الحياة بما لم يأذن به الله هو شرك، وفاعله مشرك أشرك مع الله غيره في طاعته، كما أشرك عابد الوثن مع الله غيره في عبادته، هذا شرك في الطاعة، وهذا شرك في العبادة، والشرك كله ألوانه وأشكاله وأهله في النار كما قال سبحانه فى سورة المائدة ” إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار” وقد بيّن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- لأمته الحلال والحرام من الأقوال والأعمال والأشياء، فأحل لهم الطيبات وكل ما فيه منفعة، وحرم عليهم الخبائث وكل ما فيه مضرة، فقال الله سبحانه وتعالى في وصف النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء فى سورة الأعراف ” الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراه والأنجيل”

“يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون” والمحرمات لها أربع مراتب، فأدناها الفواحش، وأشد منها تحريما الإثم والظلم، وأشد منهما تحريما الشرك بالله سبحانه، وأشد تحريما من كل ما سبق القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه كما قال الله سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة الأعراف ” قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون” فالقول على الله بلا علم أشد هذه المحرمات تحريما، وأعظمها إثما عند الله، فهو يتضمن الكذب على الله تعالى، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وإحقاق ما أبطله، وإبطال ما أحقه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصف الله عز وجل بما لا يليق به في ذاته وأسمائه وصفاته، وأقواله وأفعاله، فليس في جنس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثما، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله عز وجل بلا علم، فلا يجوز لأحد أن يقول على الله تعالى بلا علم، ويكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة النحل ” ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم”

وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ” من كذب على متعمدا فليتبؤا مقعده من النار ” رواه البخارى ومسلم، وإن الله عز وجل يغار على حدوده، ومن غيرة الله تعالى أن يأتي العبد ما حرم الله عليه، ولأجل غيرته سبحانه حرّم أشياء، وأباح أشياء لأن الخلق عبيده وإماؤه، فهو يغار على إمائه كما يغار السيد على جواريه، ولله المثل الأعلى، ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره، بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور، وفعل الفاحشة، ويغار على خلقه جميعا أن يتركوا ما ينفعهم، ويأكلوا ما يضرهم، أو يفعلوا السيئ والقبيح من الفواحش والآثام، ويتركوا الحسن والجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق، أو يقعوا في ظلم العباد، فالربا كله ظلم، والغش ظلم، والغصب ظلم، والاحتكار ظلم، وقد لعن الله عز وجل كل ظالم، وتوعده بالعذاب الأليم فقال سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة النساء ” إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا” وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” آكل الربا ومؤكلة وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء ” رواه مسلم، وعلى العبد أن يسأل عن الحلال والحرام فيما أشكل عليه ويسأل العلماء الربانين، ومما ينبغي الانتباه إليه أنه إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم، فإما أن يكون عالما بالحق فيها، أو غالبا على ظنه أو لا يعلم، فإن لم يكن عالما بالحق فيها، ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله تعالى، وإن كان عالما بالحق فيها أو غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بغيره.

فقال الله تعالى فى سورة هود ” ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين” والسؤال هل هناك علاقة بين حديث الحلال بين والحرام بين وبين تحويل القبلة وليلة النصف من شعبان ؟ وبادئ ذي بدء أن هذا يوافق الكلام فتحويل القبلة من بيت المقدس بفلسطين إلي مكة المكرمة كان بمثابة تحويل في كل شيء حتي تحويل القلوب ناحية الرضي وأولهم قلب رسول الله صلي الله عليه وسلم دون أن يطلب ذلك صراحة من الله حتي نزل قوله تعالي فى سورة البقرة ” قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره” وأما عن الحلال بين والحرام بين وعلاقة ذلك بليلة النصف من شعبان وتحويل القبلة، فتحويل القبلة تحويل للقلوب ناحية الصواب وفي هذه الليلة لا يغفر الله تعالى إلا لمن طهر قلبه ونقاه وغسله من الذنوب والدنائس، ولقد ختم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي هو بمثابة ثلث الدين عندما قال ” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله” وإذا صلح صلح كل شيء، وإذا فسد فسد كل شيء، فلا تنفع موعظة، ولا تجدي نصيحة، ولا تؤثر خطبة إذا لم يكن صالحا، ولربه خاشعا، وهو القلب، فإذا صلح فهو الآمر والناهي، والرادع عن كل خلل، والمانع من كل زلل، لذلك هناك علاقة وطيدة بين صلاح القلب في كل وقت وليلة النصف من شعبان التي ترفع فيها الأعمال إلي الله ولا يقبل فيها إلا سليم الصدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.

” إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه ” رواه الطبراني، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن ” رواه ابن ماجه، وابن حبان، وإن من فضائل سلامة الصدر هو جمعية القلب على الخير والبر والطاعة والصلاح، فليس أروح للمرء ولا أطرد للهم ولا أقر للعين من سلامة الصدر على عباد الله المسلمين، ومن فضائل سلامة الصدر أنها تقطع سلاسل العيوب وأسباب الذنوب، فإن من سلِم صدره وطهر قلبه عن الإرادات الفاسدة والظنونِ السيئة عفّ لسانه عن الغيبة والنميمة وتحرى الحلال وابتعد عن الحرام، فينبغي على العبد أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الرحمن، وأن يبتعد عن المعاصى والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة، فالحلال بين والحرام بين، وصاحب القلب السليم ينجو ولن ينفعه غير ذلك، فيقول تعالى ” يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم” وإن الحرام أنواع ومنها أكل مال الغير بالباطل أي دون مقابل كالرشوة والربا والغش والضرر، وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل أموال بعضهم بالباطل، وقد أخبر الله تعالى أيضا أن الخمر والميسر يؤديان إلى البغضاء والعداوة ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة وأنهما رجس من عمل الشيطان، فكيف يرضى عبد لنفسه وهو يدعى الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم يتعاطى ما يجمع هذه الصفات الذميمة التي تكفي الواحدة منها في بعد العاقل عنها.

ما دامت رجسا نجسا من عمل الشيطان وتسبب العداوة والبغضاء اللتين هما أضر شيء على المجتمعات وينتج عنهما التهاجر والتقاطع اللذان يسببان عدم رفع الأعمال إلى الله تعالى، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “تعرض الأعمال على الله كل اثنين وخميس إلا رجلان بينهما شحناء فيقال دعوا هذين حتى يصطلحا” وإن القمار من أفعال الجاهلية، فقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، الميسر هو القمار كانوا يتسامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهاهم الله تعالى عن هذه الأخلاق القبيحة، ويتحقق القمار في كل لعب يجعل فيه رهان، ويقول الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه الشطرنج من الميسر، وقال غيره كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب والبيض التي تلعب بها الصبيان وقال ابن مسعود “اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة فإنها الميسر” وروى مسلم في صحيحه عن بريدة بن الحصيب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من لعب بالنردشير فكأنما وضع يده في لحم خنزير ودمه” وفي موطأ مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله” وروى الإمام أحمد بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال” مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلى مثل الذى يتوضأ بالقيح ولحم الخترير ثم يقوم فيصلي” وما ورد من الأسماء المباينة لهذه الألعاب فكلها تعود إلى أصل واحد وهو أن كل لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة ويؤخذ عل أثره أموال فهو من الميسر الذي حرمه الله عز وجل سواء وافق مسماه اسم الألعاب المذكورة.

في الأحاديث والآثار التى مر ذكرها أو خالفها، فينبغي للمؤمن أن يكون يقظا في أمر دينه ولا يخدعه الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء والهوى، وليتقى الله عند كل قول وعمل ولا يفرط بنفسه ويعرضها لعذاب الله وسخطه، فإن الله قد كفل له رزقه فلا يتناوله إلا من طريق الحلال ولا يغتر بالآمال الكاذبة فينهمك في الضلال فإنه لا يدرى متى يفاجئه الأجل وينقطع العمل، فإن من أعظم المصائب التي عمت وطمت في هذا الزمان الجشع والطمع والحرص على جمع المال من كل الطريق وبكل وسيلة ممكنة بغض النظر عن كون هذه الوسيلة تجوز أو لا تجوز حلالا كانت أو حراما، فهذا تاجر يغش الناس بسلعته وذاك موظف لا ينهض بمسئولية وظيفته والآخر يمنع أصحاب الحقوق حقوقهم مع غناه وقدرته وهذا يرتشي وذاك يسرق والآخر يلف ويدور ويكذب والرابع يغش ويحتال وينصب وذاك يتعامل بالربا وهذا يتاجر بما يفسد عقول الناس ويدمر حياتهم، فإننا في زمان لم يعد بعض الناس يبالى فيه بما أكل أمن حرام أو من حلال ولا يهمه أن يغذى أهله وأولاده من الحرام أو الحلال، فإن هذا الزمان أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال ” يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟) رواه البخارى، فأنظر إلى أسواقنا لتسمع الأيمان الكاذبة وترى الغش الواضح وتطفيف المكيال والميزان واختلاس الأموال وبيع ما لا يجوز بيعه واللف والخداع والقمار ويقول الله تعالى فى كتابه الكريم ” كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى”

ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: