فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء العاشر “

فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء العاشر “
Share Button

فى طريق النور ومع الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء العاشر ”
إعداد / محمــــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع الحلال بيّن والحرام بيّن، وقد توقفنا مع شهادة الزور، التي نسمع في كل لحظة أخبارها تتطاير هنا وهناك، والزور في اللغة هو الميل عن الحق، يقول الأصفهانى “وقيل للكذب زور، لكونه مائلا عن جهته، وزوّر الشهادة بمعنى أبطلها، وزوّر الكلام بمعنى زخرفه، والتزوير هو تزيين الكذب، وهو في الاصطلاح تغيير الحقيقة، إما قولا، أو فعلا، أو كتابة، بهدف خداع الغير، ولقد اكتسح التزوير ميادين كثيرة، وتعددت صوره، مثل الشهادة الكاذبة، التي صارت سلعة يروج لها أشخاص يقفون عند أبواب المحاكم، ويعرضون خدمتهم لمن يطلبها، ولو لم تربطهم به معرفة سابقة، ولكل شهادة ثمن، بحسب حجم الملف وموضوع الشهادة، ويا عجبا كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم أن يكذبوا في الشهادة من جهة، ويحلفوا باليمين على صدق شهادتهم وهم كاذبون، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم ” سنكتب شهادتهم ويسألون” ولقد جاء أعرابى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال “يا رسول الله، ما الكبائر؟” قال “الإشراك بالله” قال “ثم ماذا؟”

قال “ثم عقوق الوالدين” قال “ثم ماذا؟” قال “اليمين الغموس” قال “وما اليمين الغموس؟” قال “الذى يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب” رواه البخارى، ومثل الغش في البضائع، وتزوير تواريخها لتمديد صلاحيتها، ولقد أصيبت معلمات متدربات هذه الأيام بتسمم جماعي إثر طعام غير صالح، وبيعت أدوات تجميل فاسدة، يسبب فسادها نوعا من السرطان، والحوادث في هذا الشأن أكبر من أن تحصى، ومثل تزوير أختام الدولة، والدمغات، والطوابع، والعلامات، والتوقيعات، لتشغيل من لا يستحق الشغل، والتصديق على البيوعات المزيفة، وصلاحية البنايات غير الخاضعة لقوانين السلامة، فلا ضير أن نسمع بين الفينة والأخرى سقوط بناية هنا، وعمارة هناك، وكل ذلك نتيجة الغش والتزوير، ومثل تزوير الشهادات الطبية، لقضاء مصالح شخصية، على حساب مصالح الناس، ومثل التزوير في بيان حال الخطيب، وأنه على دين وخلق، ووظيفة محترمة، وهو ربما لا يصلي ولا عمل له، وتزيين حال المخطوبة، وأنها على مستوى عال من الصلاح.

ومهارة تدبير البيت، وواقعها على عكس ذلك، وهو ما يفسر نسبة الطلاق التي تزيد كل يوم عن ما قبله، ومثل تزوير درجات الطلاب من أجل تمكينهم من النجاح في امتحانات قد تكون مصيرية بالنسبة للمواطنين، كامتحانات الطب، الذى يحتاج حنكة كبيرة، وخبرة واسعة، لما له من علاقة بأرواح المرضى، ومصائر حياة العباد، ومثل تزوير المظاهر الخارجية، بألبسة مستعارة، ومساحيق تخفي الحقيقة، سمعة ورياء، ولقد قالت امرأة للنبى الكريم صلى الله عليه وسلم “إن لى ضرة، فهل عليّ جناح أن أتشبع من مال زوجى بما لم يعطني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم”المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور” متفق عليه، وعن سعيد بن المسيب قال، قدم معاوية بن أبى سفيان المدينة، فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال”ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه، فسماه الزور”متفق عليه، وفي الصحيحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لعن الله الواصلة والمستوصلة” والواصلة هي التي تصل الشعر بغيره.

والمستوصلة هي التي تطلب فعل ذلك، فالزور وصف للشيء على خلاف ما هو عليه فعلا، عن طريق تسويته وتحسينه، ليحسب أنه صدق، ولقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن شهادة الزوركبيرة من الكبائر، فقال الإمام القرطبى “شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررا منها، ولا أكثر فسادا بعد الشرك بالله” وشاهد الزور قد ارتكب عظائم كثيرة، منها الكذب والافتراء، فقال الله تعالى فى كتابه العزيز ” إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب” وإن من علا مات المنافق أنه إذا حدث كذب، وأنه بشهادة الزور قد ظلم المشهود ضده، حيث اعتدى بشهادته على ماله، أو عرضه، وربما على روحه، وأيضا ظلم المشهود له، حيث ساق ليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، فوجبت له النار، وقد قال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم “من قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها” رواه البخارى، وأيضا أباح ما حرم الله تعالى.

من عصمة المال والدم والعرض، ولذلك كانت عقوبة شاهد الزور في الإسلام شديدة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور” فما زال يكررها، حتى قلنا ليته سكت” رواه البخارى، ولقد شدد الإسلام في تحريم شهادة الزور أيما تشديد، حتى قرنت في القرآن الكريم بالشرك بالله، فقال تعالى فى كتابه الكريم ” فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به” وقال القرطبى”هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغى للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره، وينادى عليه ليعرف، لئلا يغتر بشهادته احد، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه “عدلت شهادة الزور الشرك بالله، وقرأ “واجتنبوا قول الزور” فالشهادة إذا تحولت عن وظيفتها، صارت سندا للباطل، ومضللة للقضاة، فيستعان بها على الظلم، ويقع الحكم بغير حق، ومن ثم رفضت شهادة من عرف بسوء خلق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

“لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غِمر أى حقد، على أخيه” رواه أبى داود، بل بلغ التشديد حد المنع من مجرد حضور الجمع الذي يشهد فيه بالزور، ومخالطة من يعرفون به، فقال أبو حيان في قول الله تعالى “لا يشهدون الزور ” وقيل أن المعنى هو لا يحضرون الزور، ويعضده ما ذهب إليه ابن كثير في قول الله تعالى ” وإذا مروا باللغو مروا كراما” فقال “أى لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به، مروا ولم يتدنسوا منه بشيء” فكيف بهذا الزمان الذى يشهد فيه الناس دون أن تطلب شهادتهم، استسهالا لها، وتهوينا من شأنها، فيقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم “خيركم قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن” متفق عليه، وفي لفظ “ثم يجيء أقوام، تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته” متفق عليه، وهو كناية عن التسرع فى الشهادة والحلف، والحرص عليهما ولو لم يطلب منه ذلك، ولكن عند الله يجتمع الخصوم.

ويقضى بين الخلائق بالحق فقال تعالى “ونضع الموازين القسط ليوم القيامه فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردك أتينا بها وكفى بنا حاسبين” فليتق الله شهداء الزور، وليتوبوا إليه قبل أن يباغتهم الموت، فيصيروا إلى يوم يأخذ المظلومون فيه بتلابيبهم، فلا يدعوهم حتى يأخذوا حقهم حسنات، أو يطرحوا عليهم من سيآتهم ثم يُطرحوا في النار، فإن هذه الآفات الخطيرة، التى تعتبر من أعظم الأدواء التي تنخر في جسم الأمة الإسلامية، وأيضا فإن هناك آفة خطيرة لا يقتصر أثرهاعلى آكل الحرام وحسب، وإنما ينسحب على المجتمع بالهلاك، والدمار، وخراب البيوت، إنها معضلة الخمور، التي غزت كثيرا من أسواقنا، ومجتمعنا إنها أم الخبائث، التي أغلظ فيها النبي صلى الله عليه وسلم الخطورة فقال”الخمر أم الخبائث، ومن شربها لم يَقبل الله منه صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه، مات ميتة جاهلية” بل وإنه يرتقي الأمر إلى حرمان شارب الخمر من الجنة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة، مدمن الخمر، و العاق، والديوث الذى يقر في أهله الخبث” رواه أحمد.

ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: