Share Button

بقلم / محمــــد الدكـــــرورى

إن الزواج في روحه هو نظام اجتماعي يرقى بالإنسان من الدائرة الحيوانية، والشهوات المادية، إلى العلاقة الروحية، ويرتفع به من عزلة الوحدة والانفراد إلى أحضان السعادة، وأنس الاجتماع، وهو عقد ارتباط مقدس بين رجل وامرأة، يمضيه الشرع ويباركه الله سبحانه وتعالى، ولقد لقد أمر الله سبحانه وتعالى في النكاح بأن يميز عن السفاح والبغاء، ولما كان الزواج بهذه الخطورة، وتلك الأهمية، فقد أحاطه الله عز وجل، بقيود وشروط وضوابط، حتى تضفي عليه من المهابة والإجلال ما يجعله أهلاً لما يترتب عليه من آثار ونتائج، ولهذا فإننا نجد أن الشريعة الإسلامية اشترطت لهذا العقد أنواعاً من الشروط لم تشترطها في عقد غيره، ويقول ابن القيم رحمه الله ” وشَرط في النكاح شروطاً زائدة على مجرد العقد.

فقطع عنه شبه بعض أنواع السفاح بها، كاشتراط إعلانه، إما بالشهادة، أو بترك الكتمان، أو بهما معاً، واشترط الولي، ومنع المرأة أن تليه، وندب إلى إظهاره، حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة، وأوجب فيه المهر، ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وسر ذلك هو أن في ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وكما في الأثر، أن المرأة لا تزوج نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها، فإنه لا تشاء زانية أن تقول: زوجتك نفسي بكذا سراً من وليها، بغير شهود ولا إعلان، ولا وليمة، ولا دف، ولا صوت، ويعد الزواج من أكثر الأمور قداسة، فهو اتحاد شخصين بروحهما وجسديهما أمام الناس، وأمام الله سبحانه وتعالى.

وعلى سنة النبي الكريم محمد صلى الله عليه و سلم، فقد خلق الله عز وجل، البشر للتزاوج، وعمارة الأرض بعبادته، ولهذا أكد الإسلام على عظمة الزواج من خلال تبيين أحكامه وشرائعه التي لا يتم دون توافرها، وقد أكد الإسلام على أن للزواج الشرعي شروط وأركان محددة، ومنها، هو وجود الشهود أثناء كتابة عقد الزواج، وموافقة ولي أمر الزوجة، والإشهار، وتحديد المهر، بالإضافة إلى ضرورة تسجيل عقد الزواج في المحكمة والمؤسسات الحكوميّة، وذلك لضمان حقوق الزوجة في حال وقوع الطلاق، وتثبيت النسب في حال وجود أطفال في المستقبل، وهذا هو المعمول به في معظم بلدان العالم وفقاً للقوانين التي تضمن الحقوق لكلا الطرفين، وإن الإسلام بتشريعاته المتكاملة، تكفل بحياة يحفها الأمن، وترعاها القدرة الإلهية.

وترفرف في عليائها سعادة الإخلاد إلى التوحيد، وإن الزواج العرفى هو مشكلة اجتماعية خطيرة، يصطلي بنارها شرائح عديدة من المجتمع، ويمتد أذاها ليشمل غالب أفراد الأمة، حتى إذا استشرى ضررها، واستطال لهيبها، آذنت للمجتمع بهلاك، ونادت على الأمة بنذر شؤم وشقاء , وإن عقد الزواج لعله هو أخطر العقود التي تتم بين طرفين، ولذا فهو العقد الوحيد الذي سماه الله عز وجل، عقدا غليظا، ومفهوم الزواج هو لقاء بين رجل أجنبي، وامرأة غريبة عنه ربما لم تره يوما ما من الأيام، وهذا العقد يبيح لكل من الزوجين من الخصوصيات ما يختصان به عن سائر الناس، وبهذا العقد يقدر الله عز وجل، بين هذه الرجل، وتلك المرأة مخلوقا جديداً يجمع بين لحم هذا ودم هذه، ولا هو خالص من الرجل، ولا هو خالص من المرأة.

وبهذا العقد يرث كل من الطرفين الآخر هذا العقد يقوم بيت جديد، وتبدأ معالم مجتمع صغير في التشكل، وهذا العقد ينشئ الأسرة التي هي اللبنة الأساس في بنيان هذه الأمة، حيث تنكشف جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت، والزواج العرفي هو اسم يطلق على نوعٍ من أنواع الزواج، وهو يختلف عن بقية أنواع الزواج الشرعي المعتبر بأنه لا يُسجل في المحكمة أو لدى الجهة المتخصصة بذلك، أو يكون غير مكتمل الشروط أو الأركان التي ينبغي توافرها لإتمام عقد الزواج الشرعي بشكلٍ صحيح، حيث إن النكاح كان متعارفا عليه حتى قبل الإسلام، إلا أن تفاصيله وجزئياته كانت تختلف في كل عصر من العصور عن العصر الذي يليه.

فالزواج العرفي هو عقد الزواج الذي جرى على العرف والعادة دون إتمام متطلبات عقد الزواج الصحيح، والزواج العرفي أو السري، هو الذي يتم الاتفاق فيه بين رجل وامرأة على لقاء يسمونه زواجا، دون أن يكون للمرأة ولي مع إمكانية ذلك لها، ودون أن يكون هناك شهود عدول، أو إشهار لهذا الزواج، وإنما يتم في الخفاء بعيدا عن أعين الناس، وهذا هو السر الذي جعلنا نسميه زنا ولا نسميه زواجا، ففي هذا الزواج لا توجد ألفة بين أسرتين، ولا إذن لولي، ولا مهر ولا نفقة، ولا مسكن ولا متاع، ولا أسرة ولا أولاد، ولا حياة مشتركة ولا قوامة للرجل، ولا طاعة من المرأة، ولا علم بين الناس، ولا يجري التوارث بين الخليلين، مما يجعلنا نجزم بأن هذا لا يعد زواجـا عرفيا كما يدعون، ولا شرعيا كما يريد الله سبحانه وتعالى.

ويعتبر الزواج العرفي ظاهرة انتشرت في الآونة الأخيرة بين الشبّان و الشابات، حيث يتزوج الشاب والفتاة بعضهما دون وجود شهود، أو بوجود بعض من أصدقائهما المقربين، ودون وجود أولياء أمورهما أو علمهم بذلك، ويكتب عقد الزواج على ورق دون توثيقه لدى أي محكمة أو جهة مسؤولة، مما يعني أنه زواج سري دون وجود المأذون أو كاتب العدل، وبالتالي لا يعطي أي حقوق شرعية للزوجة، ولا يضمن لها نفقة، ولا تثبيتا للنسب، ويختلف حكم الزواج العرفي بحسب ما جرى عليه من خلل أو نقص، فإن فُقدت أحد أركان العقد الرئيسية كان العقد ناقصا واحتيج إلى إتمام ذلك النقص إن كان النقص لا يؤثّر في صحة إتمام العقد، وإن كان النقص في أركان العقد فذلك يؤدي إلى بطلان العقد وحرمته على الإطلاق.

مما يعني ضرورة الفسخ والتفريق بين الزوجين العاقدين، وقد كانت الأنكحة في الجاهلية تجري بعدة طرق، ومنها ما هو مشروع صحيح، ومنها ما هو مُحرّم باطل لفقدان ركن من أركان الزواج الشرعية أو أكثر، وقد أشار النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إلى الفرق بين أنواع الزواج السائدة قبل الإسلام وما يوافق الشريعة الإسلامية منها مما يخالفها، ويختلف معنى الزواج العرفي باختلاف صورته، والمراد منه، حيث إنه ينقسم في الحقيقة والتطبيق إلى قسمين أحدهما، وهو أن يكتب رجل بينه وبين امرأة ورقة ويثبت فيها أنها زوجته، ويشهد عليها رجلين عدلين، ويُسلم المعقود عليها نسخة منها، ويكون ذلك مقابل مهر معلوم يتم تثبيته في ورقة العقد التي يكتبها الزوج، إلا أن هذا النوع من الزواج يخلو من موافقة الولي ومن الإعلان للملأ.

أما النوع الثاني، فهو عقد زواجٍ شرعي كامل الشروط والأركان، إلا أنه خلا من التوثيق رسميّا لدى الجهات المختصة، وكلا النوعين يُسمى عقد زواجٍ عرفي، إلا أن بينهما اختلاف شاسع في الحكم، وأما عن حكم الزواج العرفي فإن حكم الزواج العرفي بناء على قسميه اللذين تمت الإشارة إليهما هو أن إذا كان عقد الزواج العرفي مكتمل الشروط والأركان فإن هذا النوع من الزواج إنما هو عقد زواجٍ شرعيٍ صحيح باتفاق الفقهاء، ويجوز أن يجري فيه التناسل، وتنطبق عليه جميع جزئيات عقد الزواج وتفاصيله، فيجري فيه التوارث وحرمة المصاهرة ويثبت فيه النسب والمهر، فهو عقد زواجٍ شرعي وهو يوافق الشريعة الإسلامية ولا يخالفها، وذلك لكونه محتو على جميع الأركان والشروط المطلوب توافرها في عقد الزواج الصحيح.

أما عدم تسجيله رسميا لدى الجهات المختصة والمحاكم الشرعية فذلك لا يؤثر في صحة العقد، ولا يؤدي إلى بطلانه أو ترتب الإثم على العاقدين إن لم يوثقا العقد، ولكن يعد التوثيق خاصة في هذه الأيام من ضروريات العقد وذلك من باب حفظ الحقوق، وخصوصا حفظ المهر للمرأة، ولإتمام المعاملات الرسمية المتعلقة بتسجيل المواليد ومراجعة المستشفيات، وغير ذلك، ويعتبر ذلك أمرا إجرائيا، فإن قصّر فيه الزوج يأثم لتقصيره بحق زوجته وأبنائه، لا لإجراء العقد دون توثيق، وكما أن الذمم في هذا العصر قد فسدت مما قد يترتب عليه ضياع الحقوق أو نسيان تفاصيل العقد من قبل الشهود، مما يجعل التوثيق ضروريا في الزواج، ولا يؤثر في صحة العقد كما أشير، وأما إن كان عقد الزواج العرفي ناقص الأركان أو الشروط .

فإذا خلا عقد النكاح من أحد شروط الزواج أو أركانه المعتبرة شرعا فإن ذلك يؤدي إلى بطلان عقد الزواج باتفاق جميع الفقهاء، وعدم اعتباره شرعا، مما يعني أن العلاقة التي تجري بين المتعاقدين في هذا النوع من الزواج إنما تكون زنا محرما، ولا يجب أصلا تسميتها زواجا وذلك لخلوها مما يجب توفره لصحة العقد، فمن شروط صحة العقد، هو حضور ولي الزوجة، ولكن فى هذا النوع من الزواج يكتفي العاقدان بحضورهما وحضور شاهدين، ثم يصدر الإيجاب والقبول عنهما فقط، وأيضا إشهار الزواج وإعلانه للناس، ولكن هنا لا يوجد إشها أو إعلان، فيكون العقد سريا لا يعلم عنه إلا من حضر عقد الزواج، وكذلك موضوع الشهود، ففي بعضِ الحالات يكتفي العاقدان بصيغة عقد الزواج التي هي الإيجاب والقبول.

ولكن إن خلا عقد الزواج من جميع أركانه وشروطه باستثناء الصيغة فإن ذلك يؤدي إلى إبطال العقد، ودليل ذلك ما روته السيده عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: ” لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ” وذلك هو حكم الزواج العرفي إذا خلا من الولي وشاهدي العقد والإعلان، وإما إذا جرى عقد الزواج العرفي دون ولي فقط، ثم استكملت باقي الشروط والأركان فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الزواج، فذهب جمهور العلماء إلى بطلان العقد وحرمته، وعدم شرعيته لخلوه من أحد أركان عقد الزواج الذي هو الولي، السيده عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: أن النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

قال: ” أيما أمرأه نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ” وكررها النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثا ” وبينما يرى أبو حنيفة أن عقد الزواج إن خلا من الولي فهو عقد صحيح بشرط أن تجريه المرأة البالغة العاقلة على الرجل المكافئ لها، فإن لم تكن المرأة بالغة، أو كان الزوج غير كفؤ لها فالعقد باطل عند الحنفية كذلك، وإن جرى عقد الزواج بحضور الولي والإعلان والصيغة والمهر، ثم خلا من الشهود فعند جمهور الفقهاء إن العقد باطل لاشتراط الشهود وحضورهم أثناء العقد، وقد خالف المالكية فأجازوا إتمام عقد الزواج من غير حضور الشهود واكتفوا بإعلان الزواج وإشهاره، وهكذا كان حكم الزواج العرفي، وهو أنه اختلف جمهور العلماء في بيان حكم الزواج العرفي، ففريق منهم شدد على بطلانه، وعدم جوازه.

وذلك لأنه يفتقر لشرط الإشهار، وموافقة ولي الأمر، وعدم ضمان أي حق من حقوق المرأة، واحتمالية إنكار النسب، وبين هذا الفريق أن من يقوم بهذا الأمر يعتبر زانيا أو فاجرا، أما الفريق الثاني فقد اعتبر أن من أركان الزواج الصحيح هي الإيجاب والقبول، أما شروط الزواج الصحيح هي: الولي، والشهود، والمهر، فإذا تم العقد بالإيجاب والقبول، وبتوفر الشروط، ولم يوثق في المحكمة، فهو مكروه، وليس باطلا، وفى النهايه فلينظر كل عاقل متأملا، ما الفرق بينه وبين الزنا المقنن، فيمكن للرجل أن يتفق مع امرأة على أن يزني بها، وحتى يحتال على الشرع، ويقول لها لنسميه زواج، ونحضر بعض الناس يشهدون هذه الجريمة، ونسميهم شهود، أو أن العاهر الذي جلبك له أو لها، أو الذي يشتغل بمهنة الدعارة أحد الشهود.

أو هو وليك، ثم يدخل الرجل بها، ويستمتع بها، ويتجنبان إنجاب الولد، ويكتمان هذا اللقاء المحرم، حتى إذا أشبع ذلك الذئب نهمته منها، وسلب كل ما لديها من معاني العفة والحياء، ركلها بقدمه، وداس على كرامتها بأوحال نجاسته، وتركها تتجرع غصص القهر، ومرارة الأسى، ليتلقفها شياطين الجن بخطوات أخرى لتصبح بغياً من البغايا، أما ذلك الوغد فإنه سيبحث عن أخرى لينقض عليها، ويفترس عفافها، ويلتهم أنوثتها، ويشبع نفسه الدنيئة، وهكذا تنتشر الرذيلة في المجتمع ويتناقل الأبناء هذا المرض من آبائهم.

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.