فى طريق النور ومع المفسدين فى الأرض ” الجزء الثالث “

فى طريق النور ومع المفسدين فى الأرض ” الجزء الثالث “
Share Button

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع المفسدين فى الأرض، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ” أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء ” فإن من صور الإفساد في الأرض ليس قتل نفس المؤمن المسلم، بل أيضا يشمل ذلك المعاهد، والمستأمن، فإن الله عز وجل قد حفظ له حقه، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليؤخذ من مسيرة أربعين عاما ” ولقد بيَّن الله عز وجل لنا أن من اعتدى على أموال الناس، وأعراضهم، ودينهم، أنه مفسد في الأرض، فما جزاء هذا الذي يفسد ويعتدي؟ فقد بََّين الله جل وعلا الجزاء في كتابه فقال تعالى ” إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يفتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، وهذا جزاء من أفسد في الأرض التي أمر الله تعالى بإعمارها بطاعته عز وجل، والانشغال بذكره سبحانه وتعالى وقد صرح جمع من أهل العلم أنه بمجرد قطع الطريق، أو إخافة السبيل فهنا ترتكب الكبيرة، فكيف إذا أخذ المال، أو جرح، أو قَتَل، أو فعل كبيرة؟ فكل هذا لا يجوز، وإن من مظاهر الفساد هو زعزعة الأمن، فإن الأمن في الأوطان مطلب كل يريده وكل يطلبه، فإنه أول مطلب طلبه نبى الله إبراهيم عليه السلام من ربه فقال عز وجل.

فقال تعالى في كتابه الكريم فى سورة إبراهيم ” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام ” ثمقال تعالى في الآية الثانية فى سورة ألبقرة ” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد امنا وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر” فأول طلب طلبه نبى الله إبراهيم عليه السلام لتحقيق العبادة أن يكون هناك أمن، ثم كرر الطلب في الآية الثانية، فقريش قد أنعم الله عليها بنعمة الأمن، فأطعمها من جوع وآمنهما من خوف، هذه الآيات تبين وجوب الاهتمام بهذا الأمر، وأن من يسعى لزعزعة الأمن إنما يريد الإفساد في الأرض، وأن تعم الفوضى والشر بين عباد الله، فمن زعزعة الأمن حمل السلاح على الناس، ونشر الأقوال الفاسدة، ونشر الطعن في ولاة الأمر، أو العلماء، أو الطعن في أصل من أصول الدين، وهذه القنوات الفضائية التي تبث ليلا ونهارا، وتغزو الناس في دورهم وفي أماكن أعمالهم ليس خطرها فقط في الأخلاق وإنما خطرها الأكبر زعزعة الأمن، فيجب التنبه والحذر من هذا كله، وكذلك من مظاهر الفساد هو عدم السمع والطاعة لولاة الأمر، الذين أمرنا الله عز وجل، بالسمع والطاعة لهم في المنشط والمكره، وأمر بذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فإن في السمع والطاعة تعاون الجميع واجتماعا للكلمة، وهذا أصل من أصول الدين، بعض الناس يعتقد أن الحديث في موضوع السمع والطاعة لولي الأمر من المسائل السهلة.

فإن جميع أهل العلم جعلوه في باب العقائد، لأن هذا أصل من أصول الدين يجب أن يعرفه كل واحد، وأن يهتم به، ويقول الإمام البربهاري رحمه الله ” من ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم، فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة، ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا” وإن من مظاهر الفساد أيضا هو ارتكاب المعاصي والآثام، ولقد أوجب الله تعالى علينا طاعته، وألزمنا بذلك، وبيَّن لنا أن الاستقامة على طاعة الله تعالى سبب للتمكين في الأرض، وإذا حققنا التوحيد فإن التمكين والنصر من الله عز وجل، آت لا شك، والدليل على ذلك قوله تعالى فى سورة الأنعام ” الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ” وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على كثرة العبادة، وعلى الابتعاد عن الفتن، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” العبادة فى الهرج كهجرة إليّ ” فإذا رأيت الناس يكثرون في أمور لا فائدة منها فاعتزلهم، ويقول الإمام النووي رحمه الله، أن المراد بالهرج هنا هو الفتنه، واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العباده فيه هو أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد، فالانشغال بالعبادة وقت الفتن خير لك وأفضل، وإن من مظاهر الفساد أيضا هو السعي إلى الفرقة والسعي إلى تحزب الناس، وقد نهى الله تعالى عن الفرقة والتحزب.

وأمر بالاجتماع، ونهى عن الاختلاف فقال الله تعالى فى سورة الأنفال ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ” ويقول سبحانه وتعالى فى سورة آل عمران ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” فالله عز وجل، أمر بالاجتماع ونهى عن الاختلاف، فنشر الفرقة بين الناس بسبب الحسب والنسب، أو توالي وتعقد الولاء من أجل الرجال، فإن هذا سبب من أسباب الفرقة، ومن يسعى إلى نشر الفرقة بين المجتمع ويسعى إلى الإفساد فيهم فيجب نصحه، وإلا حذرنا منه لأنه يسعى للإفساد في الأرض، فعلى المسلم أن يسعى لجمع الكلمة وإلى توحيدها، فإن الله عز وجل، أمر به، وأمر به نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن من مظاهر الفساد هو الدعوة إلى إفساد المرأة ، ودعوتها إلى أن تعصي ربها عز وجل، وأن تفعل فعل نساء الكفر، فهذا أيضا من الإفساد في الأرض، وليحذر الإنسان من ذلك أشد الحذر، وليسع في كل أمر فيه خير وصلاح، فإن الفساد في الأرض ليس خاصا بالرجال، فالمرأة عليها أن تسعى للإصلاح في الأرض لا أن تسعى للإفساد في الأرض، وذلك بتربية أبنائها على طاعة الله عز وجل، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والمحافظة على بيتها، وعلى زوجها، وأن تؤدي ما أوجب الله عليها من أقوال وأفعال، والمفسدون في الأرض هم فئة من المجتمع لديهم أفكار مسمومة فاسدة ولم يكتفوا بفسادهم فقط ولكن يرغبون بإفساد من حولهم.

ولا يريدون أحدا أن يوقفهم عند حدهم بحجة الحرية الشخصية وتعد هذه الفئة من أخطر الفئات على المجتمع لما قد تسببه من دمار للقيم والدين والأعراف، ويستهدف هؤلاء المفسدون فئة الشباب والمراهقين لسهولة التأثير عليهم، بالإضافة لاستخدامهم الكلام المعسول المسموم والكلمات الرقيقة اللطيفة للترويج عن أفكارهم، ويفسر هؤلاء المفسدون آيات القرآن الكريم بالطريقة التي يريدونها دون علم أو مرجع بالإضافة إلى الأخذ من السنة النبوية وتفسيرها بما يناسب هواهم دون الرجوع لأهل العلم، ومن صفات هؤلاء أيضا كثرة الحديث باللغة الإنجليزية حتى يستطيعوا تضليل من لا يستطيع أن يجاريهم باللغة ويخلطون اللغة الإنجليزية بالعربية ظنا منهم أن هذا هو التطور والتقدم، ومن الأمور التي تقوم بها هذه الفئة الضالة هي أنهم يدخلون النقاشات بجماعات معا حتى يصعبوا الأمر على من يناقشهم ويقوم كل منهم بالتعزيز لمن هو معه من المفسدين، ويقول هؤلاء المفسدون إن تعاليم الدين من الأمور التي تعطل التقدم والتطور، ويريدون أن يغيروا التعاليم حسب أهوائهم، ودائما ما يبحث هؤلاء المفسدون عن زلات العلماء وينشرونها ودائما ما يطعنون في كلامهم ونواياهم، وإن صفات المفسدين في الأرض كثيرة وللأسف هم ينتشرون مثل الفيروسات في المجتمع ووجب تبيين بعض صفاتهم، ويجب صدهم ومحاربتهم.

وعدم تركهم ينشرون فسادهم في مجتمعنا، ولا يجب تركهم بحجة الحرية الشخصية حيث إن نشر مثل هذه الأفكار لا يعد من الحريات الشخصية لمجتمع مسلم محافظ، وإن الإفساد هو فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجعل، أي جعل الأشياء فاسدة، والفساد أصله تحول منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملا على مضرة وإن لم يكن فيه نفع من قبل، ويقال فسد الشيء بعد أن كان صالحا، ويقال فاسد إذا وجد فاسدا من أول وهلة، وكذلك يقال أفسد إذا عمد إلى شيء صالح فأزال صلاحه، ويقال أفسد إذا أوجد فسادا من أول الأمر، والقرآن الكريم يتحدث كثيرا عن الإفساد في الأرض وينعى على المفسدين فيها، أو يبغون فيها الفساد أو يعينون عليه، ذلك أن الله تعالى خلق الأرض صالحة وأودع فيها البركة الكافية من فوقها فقال عز وجل فى سورة فصلت ” قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا، ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين” ولهذا خشيت الملائكة من إفساد الأرض عندما أخبرها الله سبحانه وتعالى، بأنه جاعل في الأرض مخلوقات من البشر يخلف بعضهم بعضا فيها وذلك كما جاء فى سورة البقرة ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال إني أعلم مالا تعلمون” وإن المتأمل في حديث القرآن الكريم عن الفساد والفاسدين.

أو الإفساد والمفسدين، سيجد أن إيقاع الفساد من قبل البشر يأتي على مراتب، وأولها هو إفسادهم أنفسهم بالإصرار على المعاصي وما يترتب عليها من مفاسد أخر، فكل معصية إفساد كما قال تعالى عن فرعون كما جاء فى سورة يونس ” آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين” وكل تول, عن الحق إفساد، فقد قال الله تعالى فى سورة آل عمران ” فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين” وكل إعراض عن الإيمان إفساد، فقال الله تعالى فى سورة يونس ” ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين” وإن المرتبة الثانية من الإفساد هو ما يلحق بالذرية والأبناء والأتباع في اقتدائهم بالكبار المتبوعين في مساويهم، ولهذا قال نبى الله نوح عليه السلام كما جاء فى سورة نوح ” إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا” وإن المرتبة الثالثة هى إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها، ولهذا قال نبى الله صالح عليه السلام، ناهيا قومه عن التأثر بالمفسدين كما جاء فى سورة الشعراء ” ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون” وإن المرتبة الرابعة هى إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعما بأنهم يقفون ضد مصالح الناس.

ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: