< فى طريق النور ومع المواساة فى القرآن الكريم " جزء 1 " - جريدة اهرام مصر
Share Button
بقلم / محمـــد الدكـــرورى
إن من أعظم آداب الإسلام، ومن أقوى مظاهر الإيمان هو مواساة المؤمن لأخيه المؤمن، فيقف معه في كربته، ويواسيه في محنته، ويخفف مصابه، ويسد حاجته، وكان خلق المواساة متقدما على كثير من الشرائع في الإسلام، وأكبر مظهر للمواساة ما عمله النبي عليه الصلاة والسلام فور هجرته إلى المدينة من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فعزم بعض الأنصار على الانخلاع من نصف أموالهم لإخوانهم، ودونت في سيرهم أعاجيب من آثار هذه المؤاخاة، في بعضها إيثار وفي أكثرها مواساة، وما خاف المهاجرون أن يذهب إخوانهم الأنصار بالأجر دونهم إلا لما رأوا من إيثارهم ومواساتهم حتى أرادوا مناصفتهم في نخيلهم، والنخل أغلى ملكهم، ومنه قوتهم ومعيشتهم.
فلم يكتفوا بإعطائهم من الثمرة، وإنما أرادوا قسمة الأملاك بينهم وبين إخوانهم، ولم يكتف النبي عليه الصلاة والسلام بالمؤاخاة لترسيخ المواساة بين المؤمنين، بل كان يتحين الفرصة تلو الأخرى ليذكرهم بالمواساة، ويحثهم عليها، ويدعوهم إليها، ففي شأن المنائح التي تحلب، يدعو صلى الله عليه وسلم إلى المواساة فيها لأن غذاء الناس عليها، فيقول صلى الله عليه وسلم ” ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة، تغدو بعس، وتروح بعس، إن أجرها لعظيم” رواه مسلم، والعس هو القدح الكبير يحلب فيه اللبن، ويرسخ المواساة في الأراضي فيقول صلى الله عليه وسلم ” من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤجرها إياه” رواه مسلم.
وإذا فطن صلى الله عليه وسلم لمحتاج لم يسأل حاجته دعا دعوة عامة إلى المواساة ليسد حاجة المحتاجين، فقد فطن النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة الرجل لما رآه يلتفت يمينا وشمالا فدعا إلى المواساة دعوة عامة لئلا يؤذي الرجل، فيأتيه رزق من المواساة، ولا يجرحه علم الناس بفاقته، فذكر المواساة في الزاد المأكول، والظهر المركوب، وهما أهم ما يحتاج إليه الإنسان، وذكر أصنافا أخرى حتى رسخ في مفهوم الصحابة رضي الله عنهم أن ما زاد عن حاجتهم واسوا به غيرهم، ولم يدخروه لأنفسهم، وذات مرة رأى في الناس حاجة وكان وقت الأضاحي فنهاهم عن ادخار اللحم لأكثر من ثلاثة أيام، وما ذاك إلا ليواسوا غيرهم بما زاد عن حاجتهم ثلاثة أيام.
ثم في العام القابل استغنى الناس فرخص لهم في ادخار اللحم كيف شاءوا، وفي هذا فائدة مهمة وهي أن الناس إذا ضربتهم حاجة كانت المواساة متأكدة، وكان الادخار مكروها أو محرما بحسب الحال، والأثرة تجعل الناس يعكسون القضية؛ فإذا أحسوا بالحاجة ادخروا ما عندهم لأنفسهم ولو كان كثيرا، وتركوا المعدمين بلا مواساة، فيُعاقبون بشح الموارد، واشتداد الحاجة، وذهاب بركة ما ادخروا، وكثير من المجاعات التي ضربت الناس عبر التاريخ كان الأغنياء فيها يدخرون عظائم المال، وخزائنهم مملوءة بالأقوات والخيرات، بينما الناس يتساقطون جياعا في الطرقات، فيعدم الأمن بسبب سطو الجوعى على بيوت الأغنياء ومخازنهم، فيخسر الجميع أقواتهم وحياتهم.
ولو أن خلق المواساة وجد فيهم لشبع الجميع وأمنوا، فقد قال الله تعالى ” وابتغى فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغى الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين” فإنه أمرعظيم من أمور الإسلام، أمر حث عليه الله سبحانه في كتابه العزيز وأرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الكثير من أقواله وأفعاله، إنه مبدأ التكافل الاجتماعي، مبدأ تكاتف المسلمين بعضهم مع بعض، مبدأ تفقد المسلمين بعضهم لبعض، مبدأ إعانة المسلمين بعضهم بعضا، فهذا المبدأ الذي كان من المفترض أن يتعامل به المسلم مع أخيه المسلم مهما ابتعدت بينهما الأجناس والأرحام أصبح وللأسف غائبا حتى بين من تربطهم الرحم والقرابة.
Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك رد