Share Button

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، والذى كان يتتبع خطوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت السيده عائشة بنت أبي بكر رضى الله عنهما ” ما كان أحد يتبع آثار النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر” فكان الذي يرى حرصه على تتبع آثار النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يظن أن به شيئا من الجنون، وكان إذا قَدِم من سفر بدأ بزيارة قبر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وأبيه عمر قبل أن يتوجه إلى منزله، ويقول ” السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ” وكان كذلك من أحرص الناس على الابتعاد عن الشهوات، فقد قال عبد الله بن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا.

هو عبد الله بن عمر، وقال جابر بن عبد الله: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها إلا عبد الله بن عمر، وقالت السيده عائشة بنت أبي بكر “ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من ابن عمر” وكان ابن عمر يحضر مجالس عبيد بن عمير الليثي الواعظ القاص، فتهراقان عيناه بالدمع، وقد روى عبدالله بن عمر ألفين وست مائة وثلاثين حديثا بالمكرر، اتفقا له الشيخان البخارى ومسلم، على مائة وثمانية وستين حديثا، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثا، ومسلم بأحد وثلاثين حديثا، وقد قال الزهري، لا نعدل برأي ابن عمر فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر الصحابة، وقال مالك بن أنس: بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة.

وقد وافى في الإسلام ستين سنة تقدم عليه وفود الناس، وقال أيضا: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس، وكان ابن عمر شديد الحذر والحرص في الفتيا، فقد روى نافع أنه في موسم الحج كان ابن عمر وابن عباس يجلسان لإفتاء الناس، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي، وأما عن منهجه في الفتيا، فقد كان ابن عمر يستمد أحكامه من القرآن الكريم، فإن لم يجد رجع إلى السُنة النبويه، فإن لم يجد فاجتهادات كبار الصحابة إن اتفقوا، وإلا فإنه كان يتخير من بينها ما يراه حقا، ثم بعد ذلك كله يأخذ بقياس النظير، وكما كان ابن عمر في فقهه شديد التأثر بفقه أبيه، وهو ما يستدل عليه من رواية زيد بن أسلم.

عن أبيه حين قال: ما ناقة أضلت فصيلها في فلاة من الأرض بأطلب لأثره من ابن عمر لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، إلا أنه رغم هذا الاتباع لمنهج أبيه، كان له استقلاليته عن هذا المنهج متى رأى الصواب في مخالفته الرأي، وكان ابن عمر رضي الله عنهما من فقهاء الصحابة المعدودين وأعلم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمناسك الحج، وقد أفتى المسلمين قرابة ستين سنة، وقد كان بعد مقتل عثمان بن عفان، ورفض معاوية بن أبي سفيان مبايعة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، واستئثار معاوية بحكم الشام، ومطالبته بالقصاص لعثمان، قثد جاء علي بن أبى طالب، إلى ابن عمر يسأله الخروج إلى الشام أميرا، فاعتذر ابن عمر، وخرج إلى مكة، ولم يشهد مع عليّ شيئا من حروبه، حتى لا ينخرط في الفتنة، بل إن الفتنة لما استفحلت، أتوا ابن عمر، فقالوا: أنت سيد الناس وابن سيدهم، والناس بك راضون، اخرج نبايعك، فقال: لا والله لا يهراق فيّ محجمة من دم.

ولا في سببي ما كان في روح، وكما كادت أن تنعقد البيعة له يوم التحكيم رغم وجود علي بن أبى طالب، وسعد بن أبي وقاص، وقد عقب الذهبي في ترجمته لابن عمر في كتابه سير أعلام النبلاء، على ذلك بقوله: ولو بويع يومها، لما اختلف عليه اثنان، إلا أن ابن عمر يرى أن حقن دماء المسلمين له الأولوية، فقد رُوي أنه قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينما هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله تعالى، ذلك عنا، فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه، فأخذنا فيه، وإنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين.

وكما قال: لو اجتمعت عليّ الأمة إلا رجلين ما قاتلتهما، وقد استدام ابن عمر على سياسة الحياد تلك، فكان لا يأتي أمير على المدينة وقت الفتن إلا وصلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، سوى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي ترك ابن عمر الصلاة خلفه لما رآه يؤخر الصلاة، ولما استقر الأمر لمعاوية بن أبى سفيان، دسّ عمرو بن العاص ليعلم ما في نفس ابن عمر من أمر الخلافة، فقال عمرو: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تخرج فنبايعك، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس بهذا الأمر؟ فقال ابن عمر” لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج بهُجر، لم يكن لي فيها حاجة ” فعلم أن لا مطمع له في الخلافة، فقال عمرو ” هل لك أن تبايع لمن قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه.

ويُكتب لك من الأرضين ومن الأموال ما لا تحتاج أنت ولا ولدك إلى ما بعده؟ فغضب ابن عمر، وقال ” أفٍ لك، اخرج من عندي، ثم لا تدخل عليّ، ويحك، إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقية ” وقد ذكر الزُهري أن معاوية تعرّض لابن عمر يوما في خطبة، فقال: ” ومن كان أحق بهذا الأمر مني؟ فتهيّأ ابن عمر للرد بقوله ” أحق به من ضربك وأباك على الكفر ” إلا أنه تراجع خشية أن يُظن به حرصه على الخلافة، وكما ذكر نافع مولى ابن عمر أن معاوية قدم إلى المدينة المنورة يوما، وحلف على منبر المسجد النبوي الشريف ليقتلنّ ابن عمر، فتجمع له الناس، فتراجع، ولما بويع يزيد بن معاوية وبلغه الخبر، قال: ” إن كان خيرا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا ”

وبعد وفاة يزيد وتصدّر عبد الله بن الزبير للخلافة، لم يوافقه ابن عمر على دعواه، وكان يرى أنه بغى على بني أمية، ونكث عهدهم، وقد حاول مروان بن الحكم أن يدفعه للمطالبة بالخلافة، فقال له: ” هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها ” فقال ابن عمر: ” فكيف أصنع بأهل المشرق؟ قال مروان: ” نضربهم حتى يبايعوا” فقال ابن عمر: ” والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد ” فقال مروان ” إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا ولما اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، كتب ابن عمر إليه يبايعه، بكتاب جاء فيه: ” أما بعد، فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سُنة الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيما استطعت.

وإن بنيّ قد أقروا بذلك ” وحين تولى الحجاج بن يوسف الثقفى الحجاز لعبد الملك، أنكر عليه ابن عمر تأخيره للصلاة، فقد روى شهر بن حوشب أن الحجاج خطب الناس وابن عمر في المسجد حتى أمسى، فناداه ابن عمر: ” أيها الرجل الصلاة ” قالها ثلاثا، ثم أنهض الناس، فنزل الحجاج فصلى، ثم دعا به، فقال: “ما حملك على ما صنعت؟ فقال ابن عمر: ” إنما نجيء للصلاة، فإذا حضرت الصلاة فصل بالصلاة لوقتها، ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة ” كما ردّ ابن عمر الحجاج بن يوسف، وهو يخطب على المنبر حين قال بأن ابن الزبير حرّف كتاب الله، فقال: ” كذبت كذبت كذبت ” ما يستطيع ذلك ولا أنت معه ” فقال له الحجاج: ” اسكت، فإنك شيخ قد خرفت، وذهب عقلك، ويوشك شيخ أن يؤخذ فتضرب عنقه.

فيجر قد انتفخت خصيتاه يطوف به صبيان أهل البقيع ” ويقول سعيد بن عمرو بن سعيد الأشدق الأموي أن الحجاج وجد في نفسه، وأمر بعض خاصته، فأخذ حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن عمر في موسم الحج، فمرض منها مرض موته، فأتاه الحجاج يعوده، فقال: لو أعلم الذي أصابك، لضربت عُنقه، فقال عبد الله: ” أنت الذي أصبتني ” قال: كيف؟ قال ابن عمر: ” يوم أدخلت حرم الله السلاح ” فلما خرج الحجاج بن يوسف، قال ابن عمر: ” ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومُكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا ” وقال سعيد بن المسيب: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي، وقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء بن عمر أمانا لأهل الأرض

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.