فى طريق النور ومع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات ” الجزء السادس “

فى طريق النور ومع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات ” الجزء السادس “
Share Button

إعداد / محمـــد الدكـــروى

ونكمل الجزء السادس مع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات، أما عن ارتباط الأخلاق بالشريعة، فإن الشريعة منها عبادات، ومنها معاملات، والعبادات تثمر الأخلاق الحسنة ولا بد، إذا ما أقامها المسلم على الوجه الأكمل، لذا قال تعالى فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة العنكبوت ” وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” وأما صلة الأخلاق بالمعاملات، فإن المعاملات كلها قائمة على الأخلاق الحسنة في أقوال المسلم وأفعاله، والمتأمل لتعاليم الإسلام يرى هذا واضحا جليا، وإن مما ذكره الله سبحانه وتعالى من صفات أهل الإيمان وأخلاقهم يعلم أن الأمة لا تستقيم إلا بهذه الأخلاق ولا تقوم دولتهم إلا بهذه الأخلاق، فلابد من التواصي بهذه الأخلاق من الدولة والأمة حتى ينصرهم الله ويعينهم على عدوهم وحتى يحفظ عليهم دينهم ودنياهم وأخلاقهم وصحتهم وملكهم وقهرهم لأعدائهم، فالأخلاق التي شرعها الله تعالى ودعا إليها وبعث بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إذا استقامت عليها الأمة حاكما ومحكوما كتب الله تعالى لهم النصر وأيدهم بروح منه ونصرهم على أعدائهم كما جرى لسلفنا الصالح في عهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبعده فقد نصرهم الله على عدوهم مع قلة عددهم وعدتهم وفتح عليهم الفتوحات العظيمة وأيدهم بنصر من عنده كما وعدهم سبحانه بذلك في قوله عز وجل ” ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز، الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”

وفي قوله سبحانه وتعالى ” يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم” وهكذا حصل لهم النصر لما استقاموا على الأخلاق العظيمة التي مدحها الله وأمر بها، ولما استقاموا وتواصوا بها نصرهم الله وملكوا غالب الدنيا وقهروا العالم وأدت لهم الجزية اليهود والنصارى والمجوس، وأدى الخراج لهم آخرون من الكفار حتى ملك الصين، إذ بلغت الدولة إلى هناك إلى أقصى المشرق وإلى أقصى المغرب، فمنهم من أدى الخراج، ومنهم من أدى الجزية ومنهم من دخل في دين الله بسبب قوة المؤمنين وأخلاقهم العظيمة التي مدحها الله وأوصاهم بها، فلما قام بها ولاتهم وأمراؤهم وعامتهم وعلماؤهم استقام لهم الأمر وخافهم عدوهم ونصرهم الله عليه، وفتحوا البلاد ودانت لهم العباد وأقاموا شرع الله في بلاد الله حتى بلغ ملك هذه الأمة أقصى المغرب وأقصى المشرق كما أشار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث ثوبان رضي الله عنه المخرج في صحيح مسلم، فلما غير الناس غير الله عليهم وأخذ العدو بعض ما في أيديهم، ومتى رجعوا إلى ربهم وأنابوا إليه واعتصموا بدينه رجعوا إلى دينهم واستقاموا عليه، رد الله لهم ما كان شاردا وأصلح لهم ما كان فاسدا ونصرهم على عدوهم ورد عليهم ملكهم السليب ومجدهم الغابر، فالواجب على الحكام والأمراء والعلماء والأغنياء والفقراء الإنابة إلى الله والرجوع إليه والتمسك بالأخلاق التي أوصى الله بها عباده، والحذر الحذر من الأخلاق التي نهى الله عنها، فمتى استقام الجميع وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بهذه الأخلاق في جميع الأحوال.

في الشدة والرخاء في السفر والإقامة أيدهم الله ونصرهم على أعدائهم وأعطاهم الملك العظيم ورد إليهم ما سلب منهم وأصلح لهم ما فسد وهابهم أعداؤهم وخضعوا لهم وأدوا لهم الجزية والخراج خوفا من قهرهم لهم أو دخلوا في الإسلام كما جرى لسلفنا الصالح، فإن الوصية الغاليه لكل مسلم هو أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه وتعالى أينما كان، وأن يتمسك بالأخلاق التي أمر الله تعالى بها وأثنى على أهلها في القرآن العظيم أو أقرها أو أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة، فيشرع للمسلم أن يلزمها وأن يستقيم عليها وأن يوصي بها إخوانه وأن ينصحهم بها أينما كانوا، وأن يحذر الأخلاق التي ذمها الله وعابها، أو ذمها رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ليحذرها ولينهى عنها وليوصي إخوانه بتركها ، وهذا هو معنى قوله عز وجل ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاه ويطيعون الله ورسوله ” وهذه الآية جامعة لجميع الأخلاق الفاضلة، ثم قال سبحانه وتعالى في ختامها” أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم” ومن رحمة الله لهم أن ينصرهم ويؤيدهم على عدوهم، ومن رحمته أن يكفيهم شر الأعداء، ومن رحمته أن يعينهم على هذه الأخلاق ويوفقهم لها، ومن رحمته أن يدر لهم الأرزاق وينزل الأمطار وينبت لهم النبات ويعطيهم كل ما يطلبون، ومن رحمته سبحانه إدخالهم الجنة وإنجائهم من النار، وهذا هو جزاؤهم في الآخرة، وفي الدنيا رحمة ونصر وتوفيق وتأييد.

وفي الآخرة رحمة لهم بإدخالهم الجنة ونجاتهم من النار، وإن هناك العديد من الأفكار السهلة والسياسات العمومية الممكنة التي وإن طبقتها الدول والأمصار ستصل لا محالة إلى بر الأمان، وإن للأخلاق أهمية كبرى في الإسلام، فالخلق من الدين كالروح من الجسد، والإسلام بلا خلق جسد بلا روح، فالخلق هو كل شيء، فقوام الأمم والحضارات بالأخلاق وضياعها بفقدانها لأخلاقها، وإن العامل الأكبر في بناء الحضارات وانتشار الإسلام في عصر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والسلف الصالح إنما هو مكارم الأخلاق الكريمة التي لمسها المدعون في هذا الجيل الفذ من المسلمين، سواء كانت هذه الأخلاق في مجال التجارة من البيع والشراء، مثل الصدق والأمانة أو في مجال الحروب والمعارك، وفي عرض الإسلام عليهم وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، أو في حسن معاملة الأسرى، أو عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، هذه الأخلاق دفعت هؤلاء الناس يفكرون في هذا الدين الجديد الذى يحمله هؤلاء، وغالبا كان ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في هذا الدين وحب تعاليمه، ومؤاخاة المسلمين الفاتحين في الدين والعقيدة، وإن هذه الأخلاق الكريمة قد أثارت إعجاب الباحث الفرنسي كليمان هوارت حيث يقول “لم يكن محمد نبيا عاديا، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء، لأنه قابل كل الصعاب التي قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بني قومه، فهو نبي ليس عاديا من يقسم أنه لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها.

ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة في مكارم الأخلاق لأصبح العالم مسلما، فعلينا أن نتحلى بحسن الخلق وبسط الوجه وحب الآخرين وما أجمل قول ابن حبان “الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وترك سوء الخلق، لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها” وهكذا فإن العامل الأساسي في قيام الحضارات والفتوحات وبناء الدولة الإسلامية في العصور والقرون الأولى هو الأخلاق يوم أن كان الفرد يحب لأخيه ما يحبه لنفسه يوم أن كان الفرد يؤثر غيره على نفسه يوم أن كان العدل سائدا في ربوع المعمورة يوم أن كانت المساواة في كل شئون الحياة تشمل جميع الطبقات يوم أن قدمت الكفاءات والقدرات والمواهب وهكذا كانت الأخلاق الرفيعة، فإننا في حاجة إلى أن نقف وقفة مع أنفسنا وأولادنا وأهلينا في غرس مكارم الأخلاق والتحلي بها، فإننا نحتاج إلى نولد من جديد بالأخلاق الفاضلة، نحتاج إلى نغير ما في أنفسنا من غل وحقد وكره وبخل وشح وظلم وقهر ودفن للقدرات والمواهب إلى حب وتعاون وإيثار وعدل ومساواة ورفع الكفاءات إذا كنا نريد حضارة ومجتمع وبناء دولة، فهل لذلك أذن واعية ؟ وقد يقول قائل وكيف أكتسب تلك الأخلاق الحسنة وأطبقها؟ فنقول بأن هناك وسائل لتحصيل حسن الخلق تتمثل الدعاء بحسن الخلق، كما كان صلى الله عليه وسلم يدعو بذلك.

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من سوء، ولذلك اهتم الصحابة بحسن الخلق وطلبه من الله، وأيضا سلامة العقيدة، فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، فإذا صحت العقيدة حسنت الأخلاق تبعا لذلك فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق، وكذلك المداومة على العبادة والطاعة لأن الإسلام لم يشرع العبادات بكافة صورها طقوسا ولا شعائر مجردة من المعنى والمضمون، بل إن كل عبادة تحمل في جوهرها قيمة أخلاقية مطلوب أن تنعكس على سلوك المسلم المؤدي لهذه العبادة، وأن تتضح جليا في شخصيته وتعاملاته مع الغير، ولو طوفنا حول جميع العبادات لوجدنا الهدف منها هو تهذيب الأخلاق وتزكيتها فالعبادة علاقة بينك وبين ربك، أما السلوك فهو علاقة بينك وبين الناس، ولابد أن تنعكس العلاقة بينك وبين ربك على العلاقة بينك وبين الناس، فتحسنها وتهذبها، وأيضا علو الهمة في التحلي بالأخلاق فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد، فقال ابن القيم رحمه الله” فمن علت همته، وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل”

وقال رحمه الله، فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك، فينبغي على المرء ان يوطن نفسه على معالي الأمور والأخلاق ويتنزه عن سفسافها، وأن يتخذ الناس مرآة لنفسه فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله، ولذلك يقول لقمان الحكيم” تعلمت الحكمة من الجهلاء, فكلما رأيت فيهم عيبا تجنبته، ولهذا كان الصحابة يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم، عن الخير، وحذيفة رضي الله عنه، يسأله عن الشر مخافة أن يدركه، وكذلك مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة، فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر، ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبا من ماله لإنقاذ صديقه من شدة، فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة، فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات، حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر، فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخص فسأل عن أصحابه.

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: