في طريق النور ومع كالب بن يوفنا (الجزء الأول)

في طريق النور ومع كالب بن يوفنا (الجزء الأول)
Share Button

           إعداد / محمـــد الدكـــروى

 

ومازال الحديث موصولا عن أنبياء بنى إسرائيل وقد تحدثنا عن الأسباط عليهم السلام، وكان هدفهم مما صنعوا بنبى الله يوسف عليه السلام أن يبعدوا يوسف عن وجه أبيهم، ولم يقصدوا بيعه ولااسترقاقه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وما صنعوه بيوسف يمكن أن يدخل في دائرة الخطأ في تقدير الأمور والعواقب، وهو من الأمور الجائزة في حق الأنبياء، وما أصاب نبى الله يوسف وأبيه من صنيعهم من باب الابتلاء الذي خص الله به الأنبياء والرسل فقال النبى صلى الله عليه وسلم “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل” وذلك لرفع درجتهم وإعلاء منزلتهم عند الله، وأن هذه المسألة من المسائل الخلافية، وعلى المرء أن يعتقد فيها إلى ما أداه إليه اجتهاده، ولا يثرب على الآخرين، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة يوسف ” واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى”قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط” وهذا فيه احتمال، لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر الله تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، وقال ابن عطية المفسر رحمه الله في تفسير قوله تعالى”يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك”

فإن الآية تقتضي أن نبى الله يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم، خوفا أن يشعل بذلك غل صدروهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف الذي يأتي ذكره يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الأنبياء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر على قتله، وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله، وقد سئل عن إخوة يوسف هل كانوا أنبياء؟ الذي يدل عليه القرآن الكريم واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء، وليس في القرآن، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا عن أصحابه خبر بأن الله تعالى نبأهم، وإنما احتج من قال أنهم نبئوا بقوله في آيتي البقرة والنساء “والأسباط” وفسر الأسباط بأنهم أولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته، كما يقال فيهم أيضا “بنو إسرائيل” وكان في ذريته الأنبياء، فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل، وقلنا بإن إسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام، وإنما يناديهم الله تعالى بأبيهم كأنه يقول لهم يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول يا بن الكريم، افعل كذا، يا بن الشُّجاع، بارز الأبطال، يا بن العالم، اطلب العلم ونحو ذلك، ومن ذلك أيضا قوله تعالى كما جاء فى سورة الإسراء ” ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا” فإسرائيل هو نبى الله يعقوب، والدليل على ذلك ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما قال حضرت عصابة من اليهود.

إلى نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم “هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ قالوا اللهم نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” اللهم اشهد ” وقال ابن عباس رضى الله عنهما إن إسرائيل كقولك “عبدالله” ويقول صاحب الظلال بأن قصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم، والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة الإسلامية وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى، والقرآن الكريم لا يعرض قصة بني إسرائيل، إنما يشير إلى صور منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب، وقد وردت القصة في السور المكية بغرض تثبيت القلة المؤمنة في مكة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكة، وأما ذكرها في القرآن المدني بغرض كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير الجماعة المسلمة منها، وتحذيرهم كذلك من الوقوع في مثل ما وقعت فيه قبلها يهود، وبسبب إختلاف الهدف بين القرآن المكي والمدني اختلفت طريقة العرض، وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل ومعصيتهم واحدة، ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك، يتبين أنها متفقة مع السياق التي عرضت فيه، متممة لأهدافه وتوجيهاته وهناك رأيان لهما وجاهتهما في فهم العلو اليهودي الحالى إن كان هو العلو الأول أو الثاني، فيرى كثيرون أن العلو الحالي هو العلو الثاني، لكن يختلفون في العلو الأول.

فيرى بعضهم أنه كان في أثناء دولة بني إسرائيل في فلسطين، التي قضى عليها الآشوريون والبابليون، وأنه قد قضي على مملكة إسرائيل سنة سبعمائة واثنين وعشرين قبل الميلاد على يد الملك الآشوري سرجون الثاني، وقضي على مملكة يهودا سنة خمسمائة وستة وثمانون قبل الميلاد على يد الملك البابلي بختنصر، ويرى البعض الآخر أن العلو اليهودي الأول كان في عصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عندما قضى عليهم في المدينة وخيبر، وهناك من يرى أن العلو اليهودي الحالي هو العلو الأول مدللين أن علو بني إسرائيل أيام نبى الله داود وسليمان عليهما السلام لم يكن فسادا ولا إفسادا، وبعد ذلك كان شأن اليهود ضعيفا غير مؤثر بين الحضارات والأمم، سواء عندما استمرت مملكتهم أو حكمهم الذاتي في فلسطين، أو حتى في العهد النبوي، إذ كان شأنهم ضئيلا مقارنة بفارس والروم، وإن تحقق فيه فساد إلا أنه لم يشمل الأرض، أما الآن فيرون أن فسادهم وإفسادهم يشمل الأرض كلها، وأما عن كالب بن يوفنا فهو أحد أصحاب نبي الله موسى عليه السلام وقيل أنه هو زوج أخته مريم بنت عمران وهو أحد الرجلين اللذين يخافون الله من بني إسرائيل وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا, وهو ثاني قائم بأمور بني إسرائيل بعد موت نبي الله موسى عليه السلام, ويقال أن كالب بنيوفنا كان نظير نبى الله يوسف عليه السلام في الحسن والجمال فكان النساء يفتتن به فدعا ربه أن يغير خلقه قال وهب ضربه الله بالجدري وبثرت عيناه ومعطت لحيته وخرم أنفه وانثنى أسفل وجهه الذقن.

والفم حتى صار له خرطوم كخرطوم السبع فقذره الناس ولم يقدر أحد النظر إليه وقام بالعدل في بني إسرائيل أربعين سنة وتوفى، وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أنه لا خلاف بين أهل العلم من أمتنا وغيرهم على أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع بن نون هو كالب بن يوفنا أحد أصحاب موسى وأحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله وهما يوشع وكالب, ثم من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن بوذي، وهو شخصيه مذكوره فى الكتاب المقدس وهو كالب بن يوفنا بن بارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام وقد ورد مع نبى الله موسى علبه السلام أرض كنعان من البلقاء من نواحي دمشق، وهو الذي قام بأمر بني إسرائيل بعد يوشع بن نون، ويقال بل القائم بعد يوشع فنحاس بن العازر، فعن ابن إسحاق قال لما نشأت النواشيء من ذراريهم يعني الذين أبو أى رفضوا قتال الجبارين مع نبى الله موسى عليه السلام وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تتيهوا فيها سار بهم موسى عليه السلام ومعه يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنا فلما انتهوا إلى أرض كنعان، وبها بلعم بن باعور المعروف، وكان قد آتاه الله علما، وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم فيما يذكرون الذي إذا دعي الله أجاب، وإذا سئل به أعطى، فعن وهب بن منبه قال إن يوشع بن نون لما حضرته الوفاة استخلف على بني إسرائيل كالب بن يوفنا، ولم تكن لكالب نبوة، ولكنه كان رجلا صالحا، وكانت بنو إسرائيل منقادة له، فوليهم زمانا يقيم فيهم من طاعة الله ما كان يقيم يوشع بن نون.

والناس لا يختلفون عليه يعترفون له بالفضل، وذلك مما كان الله عز وجل أكرمه حتى قبضه الله على منهاج يوشع بن نون، ولقد قال الله تعالى فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة المائدة ” ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ” وقد ذكر ابن عباس وابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه نبى الله موسى عليه السلام لقتال الجبابرة فأمر بأن يقيم النقباء من كل سبط نقيب وقال محمد بن إسحاق فكان من سبط روبيل شامون بن زكور, ومن سبط شمعون شافاط بن حري, ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا, ومن سبط أبين فيخائيل بن يوسف, ومن سبط يوسف وهو سبط أفرايم يوشع بن نون, ومن سبط بنيامين فلطمى بن رفون, ومن سبط زبلون جدي بن سودى, ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف جدي بن سوسى, ومن سبط دان حملائيل بن جمل, ومن سبط أسير ساطور بن ملكيل, ومن سبط نفتالي نحى بن وفسى, ومن سبط جاد جولايل بن ميكي، وقد ورد في سفر العدد من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق وفيها فعلى بني روبيل الصوني بن سادون, وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي, وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبياذاب, وعلى بني يساخر شال بن صاعون, وعلى بني زبلون الياب بن حالوب, وعلى بني يوسف إفرايم منشا بن عمنهود.

وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون, وعلى بني بنيامين أبيدن بن جدعون, وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي, وعلى بني أسير نحايل بن عجران وعلى بني حاز السيف بن دعواييل, وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان، وأما عن شخصية كالب بن يوفنا، فإن كالب معنى اسمه كلب، وكان بني اسرائيل يطلقوا اسماء أولادهم على اسماء حيوانات مثل إسم يونان بمعنى حمامة، وقيل أن كالب هو أحد الجواسيس الإثنى عشر الذى ارسلهم نبى الله موسى لتجسس أرض الموعد، وكان كالب هو رأس سبط يهوذا ومعاه يشوع بن نون، أو يوشع بن نون، وإنهم وجدوا الأرض خصبة وصالحة وقد أخذوا عنقودا من عنب ومن فواكه أخرى وذلك ليكون دلالة على إن الأرض خصبة وصالحه، ولكن عشرة من الذين ذهبوا قد أخافوا وأرهبوا الشعب ان المدينة محصنة وسكانها أقوياء لدرجة انهم رأوا نفسهم كمثل الحشرات أمامهم، لكن كالب قال كما ذكر ذلك فى سفر العدد ” لكن كالب أنصت الشعب إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها ” وقد كافأ الله عز وجل يشوع بن نون وكالب بن يفنة انهم الاثنين الوحيدين الذين دخلا أرض الموعد، وقيل عن كالب ابن يوفنا القنزي وأخو عثنيئيل الأكبر كان رأسا لبيت أحد آباء سبط يهوذا وهو أحد الجواسيس الاثني عشر الذين أرسلهم موسى ليتجسسوا على أرض كنعان، وواحد من الاثنين الذين بقيا أمينين ليهوه منهم في حملة الاستيلاء على أرض كنعان، وقد كان أيضا هو أحد أفراد الجماعة التي أقامها موسى، قبل الدخول إلى أرض كنعان، لتقسيم الأرض.

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: