Share Button

متابعه ابراهيم عطالله 
تمثل هذه القصة استذكاراً للزمن الماضي زمن الحرب العراقية الإيرانية ،حيث زُج البطل (الشخصية الرئيسية) في الحرب، تحت مسمّى وطني (الدفاع عن الوطن). الذي اصبح فرضاً دائماً وغير منقطع منذ ذلك الوقت، نخرج من حرب ندخل باخرى وهكذا. وفيها يطرح الكاتب بعض معاناته مع النظام وتعرضه لقسوته وسجنه وفي النهاية أقحامه في الحرب كطريقة للتخلص منه. لا شك ان الكاتب وهو يستعيد تلك الأحداث التي فات عليها زمن طويل ، كان مغمورا تحت تأثير قانون الجذب بسبب المآسي التي مرت وتمر الان على مجتمعه واهله وبيئته ..
العنوان:
عنوان القصة يعكس الانطباع القلق لدى الشخصية في لحظة المواجهة المفترضة مع العدو.. وعلى امتداد الحبكة المؤلفة من مشهد واحد أو حدث يبدو واقعيًا من خلال البوح الصريح للشخصية التي تحكي تجربة إلانا، واستخدامه الأفعال الدالة: تكورتُ، أمسكتُ، استطلعتُ…. الخ
اللغة:
لغة القص بسيطة وغير مركبة وتمتاز بإيقاع متوازن في تشكيل مفرداتها صعوداً لبناء الجمل المؤلفة للفقرات، مع وجود ترابط وتعالق بين فقراتها ،وكان القاص دقيقاً في الارتكاز على قانون السبب والنتيجة في جميع مراحله السردية من اجل الوصول الى درجة تماسك عالية في السياق النصي..
ما يميز هذه اللغة هو سلامتها وسهولة فهمها من قبل المتلقي وبالتالي تعطى تداعياتها التواصل المطلوب مع ذهن القارئ، فيستشعر لذة النص والتراكيب اللفظية المتضمنة فيه.
وهذا ليس جديداً على قاص قدير ومتمكن من استحضار وخلق ما يريد من صور ومواقف مثيرة وجعل المواقف البسيطة قابلة لان تكون اكثر تطوراً وتعقيداً .فهي ميزة ملازمة لجميع قصصه ،ولم يلجأ إطلاقاً الى اللغة المركبة التي تحمل عدة تراكيب وأحالات وصور ودلالات كثيرة..قد يصعب فهمها من قبل بعض القرّاء ،وتحتاج مفرداتها الى البحث عنها في القواميس .
الموقف السردي:
استخدم في هذا النص السرد المعروف بسرد الشخص الاول ،السارد فيه ظاهر للقارئ ويتكلم عن تجربته الشخصية .. منفرداً بسرد الحدث من خلال رؤيته وهذا يدعونا الى ان نستنتج بان هذه الشخصية المشاركة في الحدث والمكلفة بالحكي، قد انفردت في عرض الحدث وهي بذلك امتازت عن غيرها كشخصية تبئيرية ولديها وجهة نظرها ورؤيتها الخاصة .
الحبكة:
تتألف الحبكة من حدث واحد كانت وسائل العرض المستخدمة لا تتعدى الاستذكار والاسترجاع اضافة الى مونولوج ذاتي مقتضب عّبر عنه القاص بتساؤلاته مع نفسه. اضافة الى اُسلوب المقارنة كما هو مندرج بين مقارنة قدرات مجموعته القتالية وقوة العدو .
الحدث وقع ربما قبل انتهاء الحرب بسنتين ،ومكان الحدث او القصة على ضفة شط العرب، الجانب العراقي حيث العدو عند الجانب الاخر. اما مصدر التهديد فهو إرسال العدو ضفادع بشرية عبر شط العرب لتتسلل الى القوات المرابطة وتشتبك معهم. ومن هنا يبدأ الصراع…الواجب إفشال خطة العدو ..
لم يحصل الصراع بشكل فعلي وعلى الارض ، وإنما هو صراع داخلي مع النفس ضم عدة مسميات ،خوف ،تحسب، استعداد للمواجهة..
الوصف:
لقدرة الكاتب على التركيز في الحفاظ على البناء النصي وسلامته من التوقفات لم يلجأ الى الوصف بل استخدم شذرات وصفية قصيرة هنا وهناك ..لان الوصف كما هو معروف يوقف حركة النص ، وبالتالي يشتت ذهنية المتلقي ،ويوقف الصراع في الحبكة..

النهاية:
من وجهة نظر المتلقي الذي يمتلك خبرة عسكرية تكون سرعة تلقف المفاجأة اكبر من. المتلقي الاخر فعند الاول تتكشف أستار وأغطية كثر منذ الإشارة الاولى والتوصيف من قبل الكاتب ولكنها بلا ريب ستكون نهاية جميلة ومفاجئة للمتلقي لأنها حسمت الصراع المتصاعد مع النفس حال وصوله ذروته وأكسبت النص بظهور ما هو غير متوقع كخاتمة لحبكة متواصلة تشد القارئ.

هادي المياح
٢١\٢\٢٠١٦

القصة:
—–

لحظة الخيار الصعب

كناّ سبعة مقاتلين، نتكدّس في حفرة، كأكياس الرمل التي نستتر خلفها .لاخبرة لنا بفنون القتال، ولا ايمان بالقضية التي نموت من اجلها ،ومع ذلك نطلق الرصاص على العدوالمتحصن على ضفة النهر الاخرى فيردّ بعنف . يمطرنا بزخات مطر من الرصاص والقذائف، دون هوادة .عدوّ يعرف لماذا يقاتل ولماذا يموت، وكنا، لا ندري لماذا نقاتل ولا من اجل منْ نموت .نكره النظام والنظام يبادلنا كرها بكره .ولكي يتخلّص مناّ القى بنا في اتون نارالحرب المشتعلة منذ خمس سنين ،ليضرب عصفورين بحجر واحد ،معارضيه، نزلاء سجونه المخضرمين ، وعدوه
اللدود على الضفة الاخرى. حفرتنا التي تكدّسنا، فيها تتخذ شكل حرف التاء اللاتيني .رأسه يمتد بموازاة الشط ، حفر كي يشرف على تحركات العدو ويراقبها . .على بعد عشرين مترا عن الجرف كانت .عند القاعدة تكدسنا نحن السبعة مقاتلين.عند الرأس، على مدار الساعة ، يرابط مقاتل يرصد تحركات العدوالذي يرصدنا بدوره حتى ظننا انه يحصي أنفاسنا ..كان آمر مجموعتنا الحزبي مَنْ يوزع واجبات مراقبة النهر.
اكثر ما نخافه عبور الضفادع البشرية المستميتة المخادعة التي نسمع الكثير عنها .في الشقّ الذي يمثل رأس حفرتنا والممتد بموازاة النهر، كان على الخفير ان يراقب بحذر تسلل رجال ضفادع العدو، فأرواحنا معلقة بيده كخرز مسبحة في خيط .الغفلةغلطة مميتة لعشرات المقاتلين،كثغرة في جدار قلعة حصينة..كنت منهكاً تلك الليلة افكر في قضية مقتلي او استشهادي، انا الذي كنت قد انتميت لحزب كفره رجل دين بفتوى.أخرج أتباعه من رحمة الله وحلل قتلهم ، فلا جنّة ولا حور عين ولا خمر ولا عسل ولا ولدان مخلدون ، بل عذاب مقيم وسرابيل من قطران .قتلي يسعد النظام الذي اقاتل من اجل بقائه .لم يشفع لي تركي الحزب منذ عقود .لم تقتنع السلطة فوضعتني تحت مجهر الرقابة. كنت واحدا من الذين نجوا من بيان إبادة اتباع هذا الحزب .نجوت من الموت بأعجوبة. الحزب الذي كنت منتمياً اليه ، قد يذكرني بخوف وخجل في تأبين مقتضب ولافتة نعي خجلى . فكرت بعائلتي، بسنين العمرالمضاعة دفاعا عن نظام وطن يسومني العذاب .يغتال معارضيه . يذل الناس كقطعان الماشية. يشرّد من لم يبايع…!!انا خلية من سرطان واجب الاستئصال .هذا النظام لن يلفني بالعلم ان قتلت ويلعنني الدفان ان ذكرت سيرتي امامه، وبالتأكيد لن يصلي علي رجل دين .أنا في الحصيلة { دشماني } مندائي اعتنق ديناً لم يقبله فخسر الدينين معاً.تناهبتني هذه الافكاروعلى كيس رمل غفوت .
ـــ انهض ،لقد عبر النهر ضفدع بشري ، ما العمل ؟ قال الخفير الذي يراقب الشط برعب وهو يهزني . كان يرتجف .كدت اصعق.رعب فضيع اجتاحني .مالعمل فعلا ؟ عليّ اتخاذ قرارصائب سريع مع اني لست الآمرلكن الخفير وضعني في موضع صعب . اطلاق النار يعني اشتعال جبهة القتال على امتداد كيلومترات على ضفة شط كجهنم .السكوت خيانة كبرى في جبهة القتال .ايقظت كاظم الحمامي النائم قريبا مني. طلبت ان يوقظ الباقين دون اضطراب .تعال معي قلت للخفير الذي ترك موضعه .دون تفكير امسكت بندقيتي بيد وباليد الاخرى يد المقاتل الذي رفض ان يرافقني .كان منتصف الليل.مع ان المسافة بين الحفرة والموضع الامامي لا تتعدى ستين مترا الا انها وقت الحرب ليست كذلك .تلك المسافة الرعب لا ادري كيف اجتزتها بلحظات .عند رأس الشق تمددت .ببطء وحذر زحفت .اصغيت السمع مقطّع الانفاس .بحذر زحفت نحو الموت المتربص على بعد مترين عند الجرف .ترى كيف سنلتقي ؟ من يبادر أولا وكيف سيقتلني او اقتله ؟.اطلاق الرصاص كفر. أطعنه بالحربة، لا حل آخر. انا أو هو كان شعاري.انا ازحف .اقترب .اخرج راسي قليلا من الشق. اقطع النفس. اقف قليلا .تبدو صفحة النهر رقراقة .كل شيء يغط في سكون مخيف .السماء صافية . ربما آخر ضوء قمر سأراه او يراه ذلك الضفدع المتربص على بعد متر عند الجرف المرتفع قليلا .كان وجود نخلة على حافة حرجة من الشط طوق نجاة .كانت تشرف تماما على النهر .عند اسفلها جلست القرفصاء بحذر .تكورت. بندقيتي معلقة برقبتي بيدي اليمنى أمسكت بقوة بالحربة الروسية .بيدي اليسرى استندت على النخلة . وقفت بامتدادها.استطلعت الشط بنظرة. الشاطي هاديء لا ارتطام موج بالشاطيء.بالقرب مني .عند اسفل جذع النخلة في الماء قرص يلمع.انه هو .خوذته .لن ابادره ساتركه يخرج لانقض عليه .التصقت بالنخلة اكثر .شهرت الحربة حارصا على اخفاء بريقها .راقبت القرص اللامع بحذر ويقظة حابسا انفاسي.موج هاديء خفيف، بلطف يضرب صفحة القرص .القرص ثابت لا يتحرك ..فقط لوخرج .كاظم الحمامي يشدّ على رجلي يسحبها بالحاح. يستفهم بهمس ويده على الزناد كاظم شجاع اعرفه وزّع .بقية الرفاق على امتداد رأس الشق بموازاة الشط .حابسين انفاسهم متخذين وضع التهيؤ لاطلا ق النار بانتظار لحظة اتخاذ القرار الصعب .الاشارة مني.بيدي أشرت أن صبرا. الوقت يمضي بطيئا ثقًيلاً.القرص لا يتحرك .الموج الخفيف يضربه بلطف .يغطيه قليلا ثم ينحسر ليعاود الكرة . القرص الخوذة ساكن ما من حركة او صوت .نصف ساعة يمرّ كدهر.هل اقفز عليه . تحركت متخذا وضع انقضاص .من تحت قدمي ،رغم الحرص ،بسرعة ،انزلق حجر وفوق الخوذة المفترضة مباشرة سقط .ولدهشتي لم يتحرك القرص .زاد انفعال وقلق الرفاق ,الحمامي يلح ، يستفهم . زاد من شدّ اسفل البنطلون وسحبه .البنطلون يتكوم عند قدمي .بحركة سريعة انزعه .كاظم الذي يقف عند قدمي يحاول ان يقف خلفي بامتداد انتصاب النخلة.يهمس بصوت خفيض ماذا ترى ؟لا استطيع التحديد أهمس بصوت لا يكاد يسمع وعيني لاتحيد عن ذلك الشيء الذي يلمع عند اسفل جذع النخلة الممتدة جذوره حدّ الجرف .لا ادري كم من الوقت مضى .لابد ان الضفدع يراهن على طول صبري .يتحين فرصة للانقضاض علي ويغرس حربته في بطني .اشرت الى كاظم ان يأخذ مكاني . يراقب اليسار واليمين ويتنصت خشية وجود اكثر من ضفدع فقد اتخذت قرار المبادرة لأنقض على الضفدع البشري ، ضفدع العدو .شهرت حربتي وبكل قوة قفزت تماما فوق خوذة العدو .وكانت المفاجئة …لم يكن ضفدعا بشريا ، بل جذع نخلة قديم … ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *