Share Button

بقلم /سليم النجار 
تمثل قصص ” أما بعد ” للقاص الفلسطيني كفاح طافش ذاكرة البيدق ؛ اذ نرى أن هذه القصص لا تتقدم بالحدث الفلسطيني كمضمون فحسب ؛ وإنما تقدمه كشكل أيضاً ؛ أي أن كيان النص ؛ بإجماله وتفصيله ؛ يعبر – بشكل مدهش – عن الحدث ؛ ونتيجته ؛ وتداعياته بتلقائية ملفتة ؛ ونضج سردي جامع ؛ بلغة الوعي واللاوعي ؛ بين المظهر والجوهر .
سوف نلتقط انعكاسات سحرية للواقع الفلسطيني على مستوى ظاهر النص وباطنه ؛ لو نظرنا إلى فلسطين السجن ؛ بوصفه البيئة المنشأ للنص ؛ والخلفية الطبيعيةَ والثقافية للفعل السردي ؛ حيث سنرى كيف تنعكس ملحمة تعرُّضه للطامة الكبرى التي أسفرت عن تدمير الجهاز العصبي للإنسان الفلسطيني من خلال سجن الأحتلال ؛ ومقاومة هذا التدمير من خلال القص ؛ القص هنا مقاومة فعل وإدراك .
ونحن نتتبع أشباح النص ” أما بعد ” ؛ أو الكائنات التي تعمل خلف كواليسه من خلال شبكة دلالية ورمزية تختلف عن بنيته الظاهرية ؛ نلاحظ بأن حركة الشخوص القصصية ؛ كأصبعين يتباعدان عن بعضهما وينتج عن ذلك عدم تمكن الشخصية القصصية في جميع القصص عن عدم رؤية العالم خارج قضبان السجن فكأن ” السبابة ” شاهدة على ما بتعلق بدور السجان ؛ وإذا اقترنت السبابة هنا بحالة ” جذب / التئام ” ؛ فمن الملحوظ أن الإبهام – إلى جانب رؤى القاص – يتحول إلى وجود لا موضوع ؛ كما قص القاص في قصته ” وطن المنسي ” ؛( إلى مضيع ولد بيجي يوم وبلقاه … وإلى مضيع وطن عمره ما راح ينساه ص٤٢) .
وإذا كان الألوان صمت ؛ فهذا يعني أن لها صوتاً في المقابل ؛ لأنه لامعنى للصمت إلا حيث يكون ثمة إمكانية لوجود الصوت . وحين يتحدث عن امرأة بغموض – نفهم من سياق النص بأنها فقدت مسجون أو هكذا تخيل القاص ؛ أي العلاقة من طرف واحد ؛ انها دلالة رمزية قاسية ؛ وكأن حال العاشق المسجون يقول انه يمارس حب وطنه من طرف واحد ؛ واصبح منسي ولاعزاء له إلا البحث عن إمرأة متخلية ؛ يرسمها بكلماته وهذا ما نلحظه في قصته ” أمّا بعد ” ؛ ( فممنوع عليك ترك الذات لفتاة أخرى ؛ وممنوع عليها هي التي لاتعلم حبك لها ص٧) .
يمكن اعتبار التطور السردي – الذي انطلق من قاموس أسماء الأصدقاء ( علاقة اجتماعية ) إلى حكاية أسماء ( علاقة عاطفية ) – موغلا في التجريد لكن ؛ مع ذلك ؛ له حضور منطقي قوي في ثنايا النص . ولم نهتد إليه بشكل مباسر ومعزول عن فهمنا العام والعميق لطريقة القاص في انتاج أو سرد الأحداث ؛ فنحن ندرك جيدا بأن النص ينتشر بشكل عنقودي ؛ أي أنه يقوم على الانتقال من حكاية فرعية ؛ أو مقتبسة ؛ إلى أخرى نتيجة لعامل دلالي أو لفظي .
إن كلمة ” نسج ” ليست ذات وظيفة عابرة كما تبدو على سطح النص ؛ بل إنها – لو جاز لنا قولها بلغة رمزية – سوف تمكّن الأصابع ( اللاعبة ) من أحداث سردية قد تسفر عن إزاحة بيدق واستبداله بآخر . لو سألت شخصاً : ما علاقة النسيج بالحب ؟ سيكون من الصعب عليه أن يعثر على الاجابة الصحيحة . ولكن ؛ حين نقرأ النص بتأن وتفحص ؛ تتضح لنا طبيعة اللعبة ؛ حيث نلاحظ بأن فعل نْسج ” ينتقل ” – في خطاب السارد – إلى فعل غزل أولاً ؛ وهذا تمهيد لا وعي لانتقال الأصبع ” إلى ” عضو أخر ذي دلالة إحائية ! كيف يتم ذلك ؟ . لنتأمل ما ورد في قصة ” العائد ” ؛ ( حفرت الحياة عروق التعب على ثنايا جسدها ؛ كم كانت تحمل في عينيها هزائم فاضت بها على شكل تجاعيد عتقت حزنها ص٢٤) .
قصص ” أما بعد ” للكاتب كفاح طافش تستمع إلى صوت السجن الذي لا يحكي سوى تراب العشق الدفين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *