Share Button

بقلم د. محمود محمد علي
في هذه الأيام تمر الذكري الثانية علي وفاة الدكتور محمد إبراهيم منصور – العميد السابق لكلية التجارة بجامعة اسيوط – ذلك المفكر المصري اللامع، وعالم السياسة رفيع القدر، والكاتب الصحفي المتميز، كنت أسمع عنه منذ عشرات السنين، وعندما تولى موقعه مديراً لمركز دراسات المستقبل فى جامعة اسيوط ، كنت أتردد عليه باستمرار لأتعلم منه الفكر السياسي والاستراتيجي، وقد وجدت فيه وفاء الصديق وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل، وكبرياء المفكر، وسمو العالم، والحرص الشديد على الكرامة، والاعتزاز بالنفس مع الشجاعة فى إبداء الرأى والخروج عن المألوف بأفكارٍ غير تقليدية، طلباً للتطور والإبداع، والمعرفة الموسوعية ، وغير ذلك من الخصال ، الأمر الذي كان وراء حيرتي وقلمي في اختيار أحد الجوانب لأتحدث عنه ، فراق لي أن أتحدث عن محمد إبراهيم منصور الإنسان والعالم .
فالدكتور محمد إبراهيم منصور هو ذلك المفكر الاقتصادي المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق علوم الاقتصاد ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل للنظرية الاقتصادية في مصر، ‏فلسفة‎ ‎وفكراً، من منظور يساري ورؤية عصرية، فجاء ‏مختلفاً عن سابقيه متميزاً عن غيره،‎ ‎والذين يطالعون ما ‏كتبه الدكتور « محمد إبراهيم منصور » سوف يكتشفون أن منهجه فى ‏البحث يختلف‎ ‎عن أسلافه ؛ حيث يتميز عنهم بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الاقتصادية الأكثر حساسية.
والدكتور محمد إبراهيم منصور واحد من أكثر الذين عرفتهم في حياتنا اهتماماً بقضايا الوطن وهمومه، فلقد حمل الرجل على كاهله عبر تاريخه شؤون مصر بمشكلاتها فى القلب والعقل معاً، وظل معنياً بالشأن العام فى كل مراحل تفكيره، جزءًا من رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل.
ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة ، والأمانة العلمية ، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع ،. ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد ، والشموخ الإنساني المتميز ، باحثا ومنقبا ، محققا ومدققا ، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية ، والبحوث الاكاديمية الرصينة ، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.
والدكتور محمد إبراهيم منصور من مواليد 4/9/1946 م من مركز أبو تيج ، محافظة اسيوط ، حيث حصل علي درجة الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد ، وبالأخص اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة فى الوطن العربى ، وشغل منصب عميد كلية التجارة – جامعة أسيوط من 2004-2006، ورئيس تحرير المجلة العلمية “دراسات مستقبلية” ، وعضو المجلس الاستشاري للمركز العربي للدراسات السياسية، وغير ذلك من المناصب التي تقلدها سيادته.
أثري مركز دراسات المستقبل بالندوات والمؤتمرات التي قام بتنظيمها والإعداد لها ، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- الندوة الدولية “القدس : التاريخ والمستقبل”، وندوة “التاريخ العسكرى لجنوب مصر عبر العصور”، وندوة أزمة المياه في القرن الحادي والعشرين، ومؤتمر “السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربي”، ومؤتمر “دور المجتمع المدنى فى صياغة رؤية مستقبلية لمصر، ومؤتمر تكنولوجيا المياه وهلم جرا.
كما كان الراحل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام والوطن وروزا ليوسف والأهرام الاقتصادي والسياسة الدولية والحياة اللندنية وأخبار العرب الإماراتية والثورة اليمنية.
ولقد أثار الدكتور محمد إبراهيم منصور اهتمامي منذ سنوات فتابعته بتقدير مستمر ‏إلى أن جمعت بيننا ظروف‎ ‎مختلفة جعلتنى أكثر قرباً منه ‏وفهماً له، ولن أنسى ذات يوم أنه كان وراء إنجازي لكتابي حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي ” ، وكتابي ” حروب الجيل الرابع وجدل الآنا والآخر ” ، حيث أعانني كثيرا بالكثير من النصائح والتوجيهات فيما. وكلما أتيح لى أن أستمع إليه أو أتحدث معه أشعر أننى أمام ‏نمط يستحق التقدير‎ ‎ونموذج يثير الإعجاب.
وكم سعدت كثيرا حين أقامت جامعة أسيوط في ذكراه الأولي حفل تأبين لروحه العطره، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور أحمد عبده جعيص رئيس جامعة أسيوط (آنذاك)، والدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية والمستشار هيثم منصور وعدد من أفراد أسرة المرحوم الراحل وزملائه وطلابه من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة إلى جانب أسرة العاملين بالمركز.
ولا أنسي الكلمة الرقيقة التي قالها في حقه الدكتور أحمد عبده جعيص ، حين أكد مصاب الجامعة الأليم فى فقدها لرجل فى قامة ومكانة المرحوم الدكتور محمد إبراهيم منصور والذي كان يمثل فخر للجامعة وعمود ارتكاز لكثير من أنشطتها، داعياً المولى عز وجل أن يتقبل ما قدمه من علم وعمل فى صالح أعماله وأن يظل علمه النافع صدقة جارية ترفع من درجاته فى جنات النعيم بإذن الله .
تحيةً لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *