Share Button

مدارات الغرباوي العقائدية (1)

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

فلسفة الحوار النقدى ظاهرة فى مدارات الأستاذ ماجد الغرباوي، المفكر العراقى ورئيس تحرير صحيفة المثقف، سدنى أستراليا، والباحث المتخصص فى الدراسات الإسلامية، تدور أغلبها حول تنقية العقائد ممّا لحقها من جوانب الأسطرة واللامعقول الديني.
يصدق على الغرباوى ما عساه يصدق على كل مفكر مجدد مصلح يؤمن بقيمة الإنسان من حيث هو إنسان. وقيمته هى الإيمان بالعقل كونه مرجعية تقوم عليها حياة التفكير. والتفكير فريضة إسلامية كما كان العقاد طيّب الله ثراه يقول. وتجربة المفكر عموماً على طريق الحياة هى تجربته على طريق الفكر كما يقول الفيلسوف الألمانى هيدجر.
فليس من فصلٍ بين الفكر والحياة. وليس المفكر بمعزول عن شئون الحياة : إصلاحها وترقيها ونقد كل ما من شأنه أن يسلبها عن الإنسان أو يسلب الإنسانيّة عنها بوجه من الوجوه.
يلزم عن فريضة التفكير نقد كل السلبيات التى تعوق الإنسان فى طريق تقدّمه الحضارى بما فيها عقائده الملوثة بالخرافة والتعطيل، أو المنحرفة عن جادة الاستقامة.
وليس بالإمكان أن تستقيم تجربة الفكر والحياة بغير النقد. والنقد مؤسس للتفكير العقلاني، بغيره لا يستقيم فكر ولا فلسفة ولا يتميز إنتاج معرفى عن إنتاج آخر، وهو الابن الشرعى للعقل المُفكر، ونتيجته المباشرة هى الإصلاح، معرفيّاً وحياتياً، ومقاومة التخلف الفكرى والتلوث المعرفى الذى يلحق العقائد كما يسلب الضمائر حيوتها واستقامتها.

وممّا قرأته من كتابات الغرباوى فى مجالات الدين والعقيدة والإصلاح والأخلاق والتفكير النقدى والتوجّه العقلاني، يجعلنى أشهد بتأسيس فكره على الإخلاص، حتى إذا تأسس التفكير على الإخلاص أسفر عن روابط حيوية تعكس العلاقة الوثيقة بين الفكر والحياة : باحثُ مختص بالدراسات الإسلامية، عميق النظرة الفاحصة المتأنية فى أغوارها الدفينة، معنيٌ بالتراث الدينى والعقدى والفقهي، يرصد تداعيات العقائد، نشأةً وتطوراً، وما تتركه من آثار سلبية على سلوك الإنسان ومشاعر الفرد والمجتمع، وهو مع ذلك يؤمن بأن الناس أحرار فيما يعتقدون، وهو يحترم عقائدهم، وحين يكون الإيمان بالعقل أمراً من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يقلد مخلوقاً مثله أو يسلِّم له تفكيره بغير تمحيص، كائناً من كان هذا المخلوق.

فليس من حق أحد أن يفرض عقيدته على أحد إذا كان من حق الباحث عن الحقيقة، الشاعر بالمسئولية تجاه دينه وشعبه ووطنه أن يكون ميزان الاعتدال عقلاُ مفكراً قائماً على الوعى والتفكير من جهة ثم على حجية النصوص الدينية من جهة ثانية، قطعية الثبوت قطعية الدلالة.

تلك كانت مرجعية الغرباوى الذى جعل مسئوليته كمثقف هى انتشال الوعى من الرثاثة والخمول والعودة به إلى أفق العقلانية والتعامل مع الأشياء بواقعية ومنطق سليم.
وبما أن طرح السؤال الفلسفى أبلغ من محاولة الإجابة عنه، وجدنا الغرباوي، كما يقول هو عن نفسه، كائناً مسكوناً بالأسئلة منذ أن وعى مسؤوليته ودوره فى الحياة.
يبلغ الحوار الفلسفى الذى اصطنعه أفلاطون فى محاوراته قمته بمنهج الجدل، إذ كانت فلسفة الحوار هى لب لباب علم الجدل، وهو نقل اللفظ من معنى المناقشة المُمَوَّهة كما جاءت على يد السوفسطائيين إلى معنى المناقشة المخلصة التى تولد العلم.
فالجدل على هذا علم. والحوار الفلسفى وسيلة لبلوغه. ولم تكن المناقشة التى أستنها الحوار الفلسفى الذى ابتدعه أفلاطون سوى مناقشة بين اثنين أو أكثر أو مناقشة النفس لنفسها. وقد عرّف الجدل (الحوار الفلسفي) بأنه المنهج الذى به يرتفع العقل من المحسوس إلى المعقول دون أن يستخدم شيئاً حسيّاً، بل بالانتقال من معانٍ إلى معانٍ بواسطة معان، وحدَّ الجدل بأنه العلم الكلى بالمبادئ والأمور الدائمة يصل إليه العقل بعد العلوم الجزئية ثم ينزل منه إلى هذه العلوم يربطها بمبادئها، وإلى المحسوسات يفسّرها، فالجدل منهج وعلم فى نفس الوقت، يجتاز جميع مراتب الوجود من أسفل إلى أعلى وبالعكس. ومن حيث هو علم فهو يقابل ما نسميه الآن نظرية المعرفة بمعنى أوسع يشمل المنطق والميتافيزيقا جميعاً.
وإنما ذكرنا الجدل لأنه منهج وعلم لدى أفلاطون. وهو على نوعين: جدل صاعد يصعد بالمعرفة من المحسوس إلى المعقول. وجدل نازل ينزل بالمعرفة من المعقول إلى المحسوس؛ وهما منهج أفلاطون فى نظرية المعرفة. غير أن هناك علاقة وطيدة بين الجدل الصاعد والأخلاق. فقد سلك أفلاطون طريق الجدل لإقامة الأخلاق ولمحاربة جهل السوفسطائيين؛ فإنّ للإرادة وهى قوام الأخلاق جدلها كما أن للعقل جدله. طريقان متوازيان يقطعان نفس المراحل؛ ويتقابلان عند نفس الغاية فى اللانهاية.
غاية تتلاشى دونها الغايات وتسقط الاعتراضات، وتستقر عندها النفس فى غبطة ليس بعدها غبطة.
وليس بعجيب أن يختار الغرباوى فى مداراته العقائديّة فلسفة الحوار النقدي، ويحذر بهذا المنهج من تزييف الوعي، ومكائد سلطة رجال الدين وتوظيف الدين لمكاسب سياسية وأخرى شخصية أو أيديولوجية؛ غير أنه يدعو إلى إعادة فهم الدين وفقاً لضرورات الزمان والمكان ومتطلبات العصر والمجتمع والإنسان.

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

Share Button

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *