مشاكِسَة

مشاكِسَة
Share Button
بقلم: غريد الشيخ
كما هي عادتي في أشهر الصيف وهربًا من حرّ مساءات بيروت، أخرج ليلًا متوجّهة إلى الروشة، الملاذ الأرحب صدرًا لي ولأبناء بيروت عامة.
وفي ذلك المساء حملت كتبي وأوراقي وركبت سيارتي، رفيقتي الدّائمة، واتّجهت نحو مقهاي المفضّل المقابل لصخرة الروشة المنحوتة بيد الخالق، حيث لا تملّ العين من رؤية الصخرة والبحر.
وصلت إلى أحد الطرق المؤدي إلى كورنيش البحر، ومن بعيد لاحظت وجود حاجز لقوى الأمن تفتش وتراقب أوراق السيارات، فسارعت لأغيّر طريقي، فتنحنحت سيارتي قليلًا وقالت هازئة:
– هه… لقد قَوِيَ نظرُك كثيرًا هذه الأيام!! فالحاجز مازال بعيدًا جدًّا وقد رأيتِه؟؟؟!!
أجبتها:
– وهل تريدينني أن أصلَ إليهم وأتلقى عشرات الأسئلة: (لماذا لم تدفعي الميكانيك؟ و و…) وقد تضطرين وقتها للنوم عدة أيام في الحجز ريثما يتمّ الإفراج عنك.
قالت مستاءة من جوابي:
– بالطبع لا… فأنا لا أتصوّرُ أنني سأقضي بضعة أيام في الحجز مع سيارات لا أعرف ما هي، ومن هم أصحابها.
سكتت قليلًا ثم قالت:
– لو كانوا غير مشاكسين لما خالفوا القوانين و…
قاطعتها:
– حسنًا… أراك قد بدأت بانتقادي أنا أيضًا. أنت تعرفين الظروف التي مررتُ بها ومنعتني من دفع ما يتوجب عليّ للميكانيك.
قالت محشرجة مستهزئة:
– ظروف!! بالله عليك عن أية ظروف تتحدثين؟! لقد سافرتِ عدّة مرات خلال السنتين الماضيتين، ماالذي منعك من الدفع بدل السفر والتبذير؟؟؟
قلت:
– تعلمين أنني قد سافرت في المرة الأولى بهدف إحضار بعض الكتب لضرورة الماجستير، أما سفري الأخير فكان بحثًا عن فرصة عمل في بلد آخر… ذهبت حاملة معي أحلامي بتأمين مستقبل أفضل.
قالت:
– وعدتِ بخُفَّي حُنَين.
أجبتها:
– نعم، رجعت لكن ليس بخفّي حنين كما تقولين، فقد أحسستُ منذ اللحظة الأولى التي غادرت فيها أنني أبحث عن بيروت في كل مدينة أزورها… أبحث عن البحر والجبل… أبحث عن الإنسان… لهذا عدت حاملة معي القرار بأن أبقى هنا وأنطلق من هنا رغم الظروف الصعبة.
قالت:
– والآن وقد رجعتِ يجب أن تنظّمي أعمالك ولا سيما أمور الدّخل والمصاريف.
قاطعتها:
– حسنًا، يكفيكِ تدخّلًا… سأدفع الميكانيك عندما أقبض لأخلِّصكِ من أزمتك هذه التي جعلتك كثيرة الكلام والتدخّل بما لا يعنيكِ.
قالت ممازحة:
– ليست أزمتي فقط… اعترفي أنك ومنذ بدأتِ تخالفين القوانين صرتِ تخافين ثم تحقدين على قوات الأمن هؤلاء، فتهربين منهم وتظنّين أن كل واحد منهم ينظر إليك شزرًا ويكاد يقبض عليك.
في هذه الأثناء انطلق صوت مذيعة الأخبار تعلن عن عفوٍ لمن عليه دفوعات قديمة للميكانيك وذلك لمدة شهرين.
أعربت سيارتي عن فرحها وكذلك أنا، ووعدتها أنني عندما أسلّم كتابي الأخير لدار النشر سوف أسارع لدفع المبلغ لنتخلص من مشكلتنا المشتركة.
ضاعفت ساعات العمل لأنهي الكتاب بسرعة، وكنت أثناء فترات الاستراحة أذهب للسؤال عن المبلغ المتوجب عليّ دفعه فكان يوازي الثلاثمائة دولار.
أنهيتُ الكتاب وذهبت بصحبة سيارتي العزيزة التي كادت تطير فرحًا إلى دار النشر.
انتظرتني خارجًا وعندما عدت قالت بسعادة”
– قبضتِ… هه؟؟
قلت:
– نعم… أربعمائة دولار.
قالت:
– صديقك “أبو الفرج الأصبهاني” كريم جدًّا، فقد زارك لمدة أسبوعين فقط ثم أعطاكِ مبلغ أربعمائة دولار.
أجبتها مستنكرة:
– هو كريم جدًّا … نعم ولكن أنا ايضًا قد تعبت كثيرًا، فصرت أعمل أربع عشرة ساعة بدل العشر ساعات في اليوم.
قالت:
– ولكنه عمل جميل، لقد زارك حاملًا كتاب أغانيه وروى لك الكثير من الأخبار والأشعار المسلّية، وكثيرًا ما كنت أراكِ تضحكين عندما كان يخبرك قصصه الطريفة، فأين هو تعبك!!!؟؟؟
قلت:
– تعبي… أنت تعلمين أنني أعمل دراسة عن هؤلاء الشعراء الذين يذكرهم، وأشرح ما يصعب من معاني الكلمات التي تختلف إلى حدٍّ كبير عما هي عليه اليوم.. إنه عمل صعب ومرهق يا عزيزتي.
أجابت:
– ولكني أراك تعملين باستمتاع كلّيّ، حتى إنك تأخذين عملك وتجلسين بالمقهى البحري وتتنفسين الهواء النظيف… أنت تعملين بترف.
قاطعتها:
– أعمل بجهد… وتعلمين أن سبب ذهابي الكثير وأخذ عملي إلى المقهى هو انقطاع التيار الكهربائي، وذلك بعد أن تفضّلت علينا إسرائيل وضربت محطة الكهرباء وأرجعتنا عشرات الخطوات إلى الخلف. فكيف أعمل بالبيت الساعات الإضافية لألبّي حاجات حضرتك؟
قالت مستنكرة ومدافعة عن نفسها:
– حاجاتي أم حاجاتك؟؟؟ أنا لا مصاريف لديّ ولا ترف عندي، مجرّد أن أشرب شرابي ثم لا أكلّفك أي شيء!!
قلت:
– لا تكلفينني؟! أنت بحاجة لمصروف شهري، وحتى لو أصابك أي ضرر فأنا أركض بك من الميكانيكي إلى الكهربائي، بينما أتحمل أوجاعي وأتناول الدواء دون مراجعة الطبيب.
قالت:
– لأن كلفة الطبابة في هذه البلاد باهظة جدًّا، أنا أسمع أنه في البلاد المتقدمة للمريض أولويات والحكمة بلا مقابل، فالاهتمام أولًا وأخيرًا بالإنسان.
صمتت قليلًا ثم تابعت:
– على كل حال، أنت تدّعين أنك تقومين بالكثير من أجلي، ولكن أنا أتأسّف على نفسي وعلى أبناء جنسي، فوسائل النقل القديمة كانت أكثر ترفًا، وكانوا يهتمون بها.. انظري كم من القصائد التي تُسهب في وصف الناقة والفرس، كانوا يتغزلون بها ويصفون جمالها، حتى إنهم إذا أرادوا وصف جميلة نعتوها بصفات تحملها الناقة أو البقرة الوحشية أو الظبية.
ضحكتُ طويلًا ثم سألتها مداعبةً:
– وهل تريدينني أن أنظمَ قصائد الغزل بك وبرشاقتك؟ لا… لا سأكلّفُ أصدقائي الشعراء هدى ميقاتي أو المير طارق ناصر الدين أو الفيتوري إن أحببتِ ليتباروا في وصف محاسنك، فهذا أكثر قدرًا لمقامك الرفيع.
قالت:
– ولم لا؟ ألا أستحقُّ هذا؟
قلت:
– بالطبع لا… فلو رآك أحد الشعراء الذين ذكرتُهم وأنتِ تصعدين تلّة صغيرة فتشخرين وتمخرين ويبدأ الدخان يتصاعد من مؤخّرتكِ، وكأنك عجوز جاوزت المائة والسيجارة لا تفارق فمها، لكتب قصائدَ في الهجاء لك ولصاحبتك، وليس بالغزل.
صمتت قليلًا ثم عادت إلى الاتهام:
– تعرفين السبب… إنه أنت وتقصيرك في حقّي.
أردت إنهاء الحديث فوعدتها بأنني عندما أدفع الميكانيك سوف أهتمّ بها أكثر، فألبسها ثوبًا جديدًا وأدخلها عند الميكانيكي ليعمل لها فحوصات كاملة لتستحقّ قصائد الغزل والنسيب.
بعد يومين وبمناسبة عيد ميلادي دعوت صديقتي رجاء واتّجهنا نحو مقهاي الجميل…
في الطريق قالت رجاء: لقد قرأت اليوم خبرًا مهمًّا… هناك رحلة إلى تركيا وكلفتها ثلاثمائة دولار فقط… تصوّري، ما رأيك؟؟
وقبل أن تتابع أجبتها بسعادة:
– موافقة طبعًا… وهل هذا الموضوع بحاجة لاستشارة.
هنا شخرت سيارتي ونفرت ووقفت في منتصف الطريق حارنة تأبى التحرّك، وقالت صارخة:
– رحلة إلى تركيا؟؟؟ وأزمتك، والميكانيك والحجز…. لا لا… أفضّل أن أبقى عند الميكانيكي معطَّلة من أن أؤخَذَ بالقوة بسبب إهمالك وتقصيرك.
صمتت قليلًا ثم قالت:
– وصديقتك هذه، أليس من الأفضل لها أن تهتم بأمور سيارتها وتدفع تكاليفها بدل السفر واللهو !!!
حمدتُ الله أن صديقتي لا تسمع كلام سيارتي واعتراضها على تصرفها وتصرفي.
استرضيتها قائلة: حسنًا حسنًا هيا بنا، لن أسافر… أكملي طريقك وسوف تكونين راضية.
عادت بنا إلى البيت، نزلت رجاء وقبل أن تغادرني همست في أذنها:
– دعي لي رقم شركة السفريات، فربّما غيّرتِ رأيك ولم تسافري أنتِ، لأنني يا عزيزتي لن افوّت الفرصة حتى ولو ضاعفت عملي.

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: