< مصر المنارة (من عبقرية المكان إلى عبقرية الإنسان) - جريدة اهرام مصر
Share Button

مصر المنارة

(من عبقرية المكان إلى عبقرية الإنسان)

 بقلم : د. مجدي إبراهيم 

كانت مصر على امتداد التاريخ ـ ولازالت ـ مركز استقبال لكل قاصد : عالم أو عابد أو طالب أو أديب. وكان الإنسان المصري ـ على امتداد التاريخ كذلك ـ رمزاً للبناء والتقدم لا التخلف والتدهور. ففي العصور التي لا يكون فيها التاريخ عنوان قبول ولا مزيّة رضى إنْ في القديم وإنْ في الحديث؛ كانت مصر قبلة العلماء الذين وجدوا فيها قلعة علميّة وثقافية مميزة. وكانت ولا تزال مجمعاً هائلاً لآل البيت ـ رضوان الله عليهم ـ تماماً كما هى مجمع الأولياء على اختلاف أذواقهم ومشاربهم، فلا يوجد في الغالب وليُّ ولا عارف بالله لم يمرُّ في سياحاته على مصر أو يزورها إنْ لم يكن يستوطنها، ولا توجد بالقطع محافظة ولا مدينة إلا وفيها وليُّ أو أكثر من أولياء الله، وجميعهم من النسب الطاهر الشريف، من سلالة آل البيت.

على امتداد التاريخ مصر بكثير من أبنائها المبدعين هى أكبر قلعة ثقافية، على اختلاف توجهات الثقافة فيها وتعدُّد ميادينها، يتوافر للعلماء فيها والمثقفين ما لم يكن يتوافر في أية بلدة أخرى من البلدان العربية، ولا تزال مصر بأبنائها الشرفاء قيمة تاريخية كبرى لا يستطيع أن يتجاهل حضارتها أحد أو أن يتنكر لمنارتها أحد أيَّاً كان.

والذين قصدوا معقلها الحصين يومذاك لم يكونوا من المصريين، ولكنهم كانوا من غير المصريين، جاءوا إليها ليمارسوا فيها أنشطتهم الأدبية والروحية والعلمية والثقافية على التعميم. كانت مصر إذ ذاك مَعْقلاً منيعاً لا يدخله إلا كبير العقل وكبير النفس وكبير الضمير. ومن هنا كثُر قُصَّادُها من الأولياء والعارفين؛ لينهلوا من علومها ومعارفها وليتبرَّكوا بشرف البقاء مع أهل بيت رسول الله. وليس أدَلُّ على ذلك من ظهور عالم في مثل قامة عبد الغني النابلسي الدمشقي الذي زَارَ مصر واستوطن فيها ووجدها منارة عظيمة للعلم والمعرفة والحياة الثقافية والدينية التي هى سمة بارزة من سمات العصر الذي عاش فيه.
وَهَنَاكَ ممَّن ولد بدمشق كالسيد مصطفى البكري سنة (1099هـ) وتوفى سنة (1162هـ) ودفن بالقرافة الكبرى خارج القاهرة ـ ومن قبلهما كان ابن خلدون الذي توفى بمصر سنة 808 هـ ـ ناهيك عن زعماء الإصلاح حديثاً وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني؛ هذا فضلاً عن رجال المدرسة الشاذلية : أبو الحسن الشاذلي، وأبو العباس المرسي، والسيد ماضي أبو العزايم أستاذ ابن الصَّبَّاغ، وغيرهم من تلاميذ وأصدقاء المدرسة الشاذلية وخلفائهم. وأولياء المغرب العربي الذين استقر بهم المقام في مصر على طول امتدادها الجغرافي من الشمال إلى الجنوب كالسيد أحمد البدوي وعبد الرحيم القنائي وغيرهما الكثير والكثير. 

لو لم تكن لمصر حتى في أضعف عصور الانحطاط (إبّان فترات العصر العثماني والعصر المملوكي حتى نهاياته) بنيةٌ حيةٌ من الثقافة والتفكير والإنتاج : العلمي، والأدبي، والمعرفي على وجه العموم، وانتشار المجامع العلمية بشتى ألوانها وفروعها، لما كان بمستطاع محمد علي أن يفعل منها شيئاً يذكر أو يضعها على القمة في عهده.

وظهور شخصيات في ذلك العصر أمثال الجبرتي المؤرخ الكبير، والشعراني الصوفي والفقيه، وحسن العطار العالم الأزهري الكبير يدل دلالة قاطعة على أن الشعب المصري في جميع أحواله وأطواره التاريخية كان معطاءً لم يَغْفَل عن العطاء المعرفي في شتى ضروبه، وكان عظيماً حتى فيما يظهر من جوانب التدهور والتخلف التي تنتاب العصور وتُضعِف بنيتها الفكرية والثقافية.

لم يكن محمد علي ولا نابليون بونابرت بِقَادِرَيْن على أن يجعلا مصر بلداً ريادياً عظيماً، لو لم يكن لديها سلفاً على امتداد التاريخ طوله وعرضه مؤهلات الريادة واستعداد العظمة. ولو لم يكن لدى أبناء مصر من مختلف طبقات الشعب هذا الاستعداد للبناء والتقدم وللتنمية الروحية والفكرية لما أستطاع أحد أن يغرسه في قلوبهم، وأن يُنْبته في سواعدهم، وأن يجعله عادة وديدناً وشأناً عظيماً من شئون الروح والضمير. إن أسطورة “الرجل الأبيض”؛ باعتباره هو الذي جَعَلَ من مصر منارةً عظيمةً؛ لهى أسطورة بالية وأكذوبة من أكاذيب الحانقين، أكذوبة لا تستحق الاهتمام ولا التقدير ولا حتى مُجَرَّد الالتفات إليها من قريب أو من بعيد؛ فمصر بشعبها، وبمكانتها التاريخية والجغرافية، ومصر بحضارتها وبقيمها الثقافية والمعرفية، ومصر بعبقرية الإنسان المصري فيها، كانت هى تلك المنارة : مصر الإنسان، الإرادة، التاريخ، الأثر الحسِّي الملموس هى هى هذه المنارة لا فيما سواها.
وليس في مستطاع أحد زعيماً كان أو قائداً أو ريادياً، أن يمسخ تاريخ أمة بالكامل؛ ليجعل من نفسه السبب الأوحد في التقدم ينسبه إلى ذاته؛ ليكون إليه وحده مرجوع الفضل في البناء الثقافي والحضاري والنَّهْضَوي غير المسبوق أو في التقدم الذي لم يأت به أحد. إنّ عصور الانحطاط في التاريخ قد تنسب في أحيان كثيرة لا إلى استعداد الشعوب لمثل هذا التخلف كما يتوهم أصحاب النظرة القاصرة ممَّن فقدوا ذاكرتهم قبل أن يفقدوا ذاكرة التاريخ، ولكن إلى تعفن القيادات السياسية، وشلل الحركة فيها والحيوية، وافتقار أدواتها القيادية إلى كثير من مطالب النهضة والتقدّم، وإلى العديد من ضرورات الإصلاح المستنير بنور الإيمان بقدرة الإنسان المصري وعبقريته الفذة في شتى المجالات وشتى الاختصاصات. هذا؛ فضلاً عن غيبة الإحساس بمثل ذلك كله في الغالب؛ لغلبة المصالح الشخصية على المصالح الوطنية، وتجنيد أكبر قدر من الإمكانات والموارد والطاقات البشرية لخدمتها، وانتشار الفساد والرشوة وغلبة الأشرار من الناس على الأخيار. إنّ أخطاء الأنظمة التي توالت على مصر وسلبيتها إزاء الشعب المصري، لتشهد وحدها على استعداد هذا الشعب واقتداره في جميع الحالات : حالات التفوق والتقدم والامتياز أو حالات التخلف والتدهور والانحلال، في أن يكون شعباً ذا إرادة بنَّاءة، وفي أن يَتَحَرَّرَ من ضَيْم السُّلطات، وفي أن يرتفع بذاته عن خضوع المذلة والمهانة والعبودية والاستعباد.

إن استعداد هذا الشعب هو سبب تقدُّمه وتحضره وصموده وريادته : تقدمه في جميع المجالات، وتحضره في الرأي والفكرة والتعبير والتقدير، وصموده أمام الخطوب، وتوليه الريادة عن جدارة واستحقاق، فلو لم يكن هناك استعدادٌ أصيل (والاستعداد وجود روحي ينفعل داخلياً ليفرز منظومة القيم) قادراً على البناء والنهضة والتقدم؛ لما استطاعت سلطة، كائنة ما كانت قوتها وجبروتها وصرامتها، أن ترتفع به إلى الكيان الذي يجعله موطن رفعة، وإلى المكانة التي تمضي به إلى التقدم على سائر الشعوب المجاورة وغير المجاورة؛ فكما كانت لمصر عبقريةُ المكان كانت لها كذلك عبقرية الإنسان : الإنسان المصري ذاته هو مكمن العبقرية، وموطن التفوق، وأصل الحضارة، وأساس الانجاز، وليس شيئاً آخر سواه.

الإنسان المصري نفسه، بشخصه ولحمه ودمه، هو الذي يصنع المعجزات فيما لو أتيحت له الفرصة سانحة قدرةً وثقةً وتبْعَةً من قبل السُّلطات الحاكمة. لكن الذي يُشْعر المصري بالفقر والعوز والعجز، وأحياناً كثيرة يشعره بالعدم ضيماً وقهراً أو تسلطاً واستعلاءً هو ذُلّ النظام لقدراته وامتهانه لكرامته، وبخاصة إذا تمثل هذا النظام ـ كما هو مُمَّثل بالفعل في واقعنا السياسي المعاصر كما شهدنا في الفترة التي حكم فيها الإخوان وما قبلها ـ في مجموعة من الطواغيت، تَشَكَّلتْ كالنباتات الطفيلية في غفلة من الزمن المنكود، فإذا بطغيان المال، وطغيان الثروات وطغيان المناصب، وطغيان الجاه، وطغيان النفوذ المادي بكل أشكاله وألوانه، واجتماع الطواغيت كلها في أيدي لئيمة مفسدة وفاسدة تشجع على الفساد المالي والإداري وتدعو إليه؛ لتمحو ما تبقى من عبقرية الإنسان المصري وعظمته؛ أو تكاد.

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك رد