Share Button

منهج الدّرس الفلسفي في الإسلام

(رؤية نقدية)

(8)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

ــ القراءة والمعرفة :

تجدر الإشارة إلى أهمية فعل القراءة وهى تجري تحت مظلة القيم العليا؛ فالقراءة في حدّ ذاتها قيمة معرفيّة، وستظل قيمةً معرفيّة كائنةً ما كانت تلك المعرفة، سواء تمثلت في ثقافة العقيدة والدين أو ثقافة العقل والفلسفة. ولم يكن الأمر الإلهي بكلمة (اقرأ) بالأمر الهين البسيط الذي يُستغنى عنه مع الغفلة والتردي وسقوط القيم، ولكنه كان أمراً، ولا يزال، ذا دلالة تندرج في ذاتها في وعي معرفي تام؛ لتشكل نظام القيم، ثم لتصبح هذه القيم فاعلة فينا أولاً، ثم تكون أفعل في حياتنا تباعاً، ذات أثر بيّن ظاهر في السلوك وفي الحركة وفي الحياة، لا لتنعزل بالتجاهل أو بالإهمال عن حاضراتنا الواقعيّة.

لم يكن الأمر الإلهي “اقرأ” مُجرد كلمة عابرة وكفى، ولكنه نظام معرفي موثوق بمعطيات القيم العليا، متصل شديد الاتصال بنظمها العلوية الباقية.

قد لا نتجاوز الصواب إذا نحن قلنا إنّ مردّ جرثومة التخلف في بلادنا إلى إهمال الأمر الإلهي “اقرأ”، فكأنما الأمر يقول : اقرأ كيما تعرف؛ لأنه لو أطيع الأمر الإلهي بالقراءة، لكانت المعرفة على اختلاف مطالبها وفروعها مُحققة لدى القارئ، وتحقيقها هو العرفان (أن تعرف)، ولا مناصّ منه مع فعل القراءة على اختلاف توجهاتها وميادين النظر فيها، وتسخيرها للعقل، وتسخير العقل لها، ولكل ما يعلوها، ويعلو بالإنسان مع المعرفة، ومع القراءة، ومع العلم في كل حال.

إمّا أن نقرأ فنعرف، وإمّا أن لا نقرأ، فتنطمس أبصارنا وبصائرنا؛ فنتخلف ويقودنا التخلف إلى أدنى درجات التّسفل والانحطاط، وليس من وسط بين طرفين.

هذه واحدة. أمّا الثانية؛ فإنّ القراءة تأتي بمعنى التحليل النقدي أو النقد التحليلي، وكلاهما قراءة على قراءة، لكن الفارق فيما يبدو أن الأول يشمل تحليل النّص المكتوب ونقد متونه وفحص إشاراته ورموزه.

والثاني : تصحيحُ لمسارات العقل في أعماله من جهة كاتب النّص نفسه، ولذلك يتقدّم النقد في هذه الحالة على التحليل، والمُرادُ به نقد الأدوات المعرفيّة، وأهمها وأولاها : تلافي القصور في عملية القراءة نفسها وتصحيح مسار الذهن عن انحرافه بإزائها، ووضع الأطر التي تقوّمه في طريقه بغير اعوجاج أو انحراف؛ الأمر الذي يترتب على هذا كله، أهمية التفسير من جهة وقدرة العقل على التأويل ثم التنوع فيهما بمقدار الكفاءة العقلية وتذوق المقروء والمكتوب.

وعليه؛ تصبح القراءة هى القاعدة التي يقوم عليها أساس البناء المعرفي بكل ما يصدر عنه من تفسيرات وتأويلات وتخريجات، تنصب في النهاية في خدمة ضروب المعرفة، وخدمة النصوص المُراد تصريفها وفق قدرات العقل في التفسير والتأويل والتخريج. وليس بالإمكان أن يقوم النقد في مجال من المجالات بغير قراءة واعية. فكما لا تقوم المعرفة العقلية الحصيفة بغير قراءة دائمة ينشط فيها العقل؛ فكذلك النقد الفاعل المؤثر لا يقوم إلا على شعلة القراءة ووهج العناء فيها وفتح طاقات العقل نحو استقبال موحياتها. والناقد الجيد قارئ جيد بامتياز. والقراءة الناقدة بديهة حاضرة لا تخفى على أحد : هى ألزم سمات المنهج بإطلاق.

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم     

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.