Share Button

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

الناسُ قد تعوَّدوا ممَّن يسمونهم بكبار المفكرين أن يقولوا فنصغي باكتراث شديد إلى ما قالوه، والناس قد تعودوا ممَّن يقدّرون المفكرين أن يرفعوا من أقدارهم فوق شوائب النقص والنقد والاعتراض. وكاتب هذه السطور واحدٌ من هؤلاء الذين يقدّرون الفكر وأهله؛ لأنه يصغي باهتمام شديد إلى ما يقوله المفكر إذا هو فكر وأجاد التفكير، لكنه لا يرفع الفكر فوق مراتب النقد والاعتراض، لا لشيء إلا لأن “الفكر” هو في المقام الأول فكر، يجوز لك أن تقبله، ويجوز لك أن ترفض منه ما لا ترى فيه جدارة القبول.

ومن هنا ينشأ التنابذ والصراع والتخاصم بين المفكرين وأشباه المفكرين. ربما اختلفت وجهات المفكرين باختلاف المنازع الفكريّة والبواعث العقليّة التي تحركهم إلى الإصلاح وتدفعهم إلى مسيرة التغيير دفعاً ما إنْ تذهب تفتش عن جذوره الخبيئة إلا وجدته كامناً في طوية الإنسان كمون النار في الحجر أو كمونها في هشيم تراكم ينتظر التّوهج والاشتعال، وما على المفكر – من بعدُ – إلا أن يقدح عوداً واحداً وكفى؛ لتلتهب النار وتشتعل. هذا العود المقدوح هو “الفكرة”؛ وبمقدار ما يكون التركيز قوياً في قدح العود يكون تباعاً اشتعال النار فيما تلاه، وعلى قدر ما يجيء التركيز ضعيفاً خافتاً يجيء معه الاشتعال علامة على غياب التركيز، ومن ثمَّ خمود النار المشتعلة تنطفئ فلا يقوى لتوهجها اشتعال. وإني لأعني باختلاف الوجهة عند هذا المفكر أو ذاك هو اختلاف “الفكرة” من أين استقاها صاحبنا فدّلت على وجهته في التفكير وقبلته في الاتجاه يتجه إليه، ويريد أن يوجه الناس إليه كلما أستطاع؟

إمّا أن يكون استقاها من واقع عاشه أو من تأمل استوحاه، أو رأي نقحه واعترض به على غيره من جمله مفكرين سبقوه أو عاصروه، أو مصدر من مصادر التشريع استهدى حقائقه وتفهم مراميه، أو عقيدة إيمانية تمكّنت من قلبه فتحوّل بمقتضاها سلوكه، أو كل هذا أو بعضه ممّا تتعدد معك وجهات المفكرين، لكنها في جملتها ترمي إلى هدف واحد هو : إسعاد الإنسان بمجموعة القيم التي يعتنقها بعدما يتنبَّه إلى ما هو كامن فيه من باطن طواياه.

وعلينا، من بعدُ، أن نصغي إلى وجهات المفكرين؛ لندرك إلى أي مدى يستطيع المفكر أن ينفذ إلى أغوار الإنسان فيسعده، وإلى أي مدى يخفق في وجهته فلا يكشف عمّا عَسَاه يكون مدفوناً في باطنه من أعمق الأعماق؟ قد يكون فكر المفكر يجري على تراث السابقين، يستهدى من الأوائل فكرته، ويستوقد ناره المبدعة فيخرج علينا بمجموعة من القيم نسلّم نحن من ورائه بصحتها وبضرورتها كذلك، وبحاجتنا الماسّة إلى تطبيقها في حياتنا اليومية، لكن هذا التسليم لدينا هو من قبيل التسليم بالقيم التي تعودنا ممارستها أو التي لم نتعود بعد. وما هى القيم التي تعودناها؟

هى القيم التي يعرفها كل مسلم وعى كتابه الكريم .. ماذا قال في هذا؟ وماذا جاء في ذاك؟ والأصل في الفكر أنه ذو مصادر، ولا يوجد فكر بشري بدون مصادر، ومجموعة “القيم” التي عُرفت في تاريخ البشرية هى في الغالب ذات أصل ديني، يحكمها النزوع الباطني العميق في التوجُّه نحو الغيب، وترتاض عليها سريرة الإنسان منذ عَرَفَ له سريرة على وجه هذه البسيطة. ولم نزل نبحث في أسرارها فلم نجد سراً أبدع ولا أروع من معرفة الإنسان لضميره منذ فجر نشأته الأولى.

وعلى هذه القيم يدور الفكر كله في حلقة متسلسلة ومتواصلة، ممتدة الإيقاع في بطن التاريخ، يأخذ اللاحق فيها عن السابق، ويضيف، ويعدّل، ويزيد، أو يبدع في إطارها، ولكن يبقى الأصل في مثل هذا التوجُّه واحداً، والجوهرُ لا خلاف عليه.

* * *

ومن هذه التقدُّمة وددت أن أقول : إنّ في القرآن الكريم أصولاً أصيلة من القيم الكبرى، ربما كانت وما زالت هى هى التي يحدثنا عنها المفكرون الأقدمون والمحدثون بضروب مختلفة من الأحاديث والأطروحات، ثم يتنابذون ويتعاركون من بعدما يتعصبون لاتجاهاتهم! وآفة الفكر التعصب والانغلاق، فكما تكون “آفة الرأي الهوى” كما يقول القدماء، فكذلك تجيء آفة الفكر التعصب والتحجر والجمود على القديم.

ولو أننا أزحنا التعصب جانباً لفهمنا مغزى الإشارة من العبارة المأثورة “فيه خبرُ ما قبلكم”؛ فإن الخبر لا يقتصر على الحكاوي وسرد الوقائع ورواية الأحداث بل يحيط العقل الواعي بنماذج أخَّاذَة من القيم الكبرى، على ضوئها يؤمن العقل بضرورتها الواجبة. وأهم هذه القيم عندنا هى قيمة “الوجود الرُّوحي” الذي نرتفع به متى ارتفعنا بأنفسنا، ونندك وننحط متى تخلينا عنه.

ولنتذكّر في هذا الصدد عبارة مُلهَمة قالها الأديب الكبير “توفيق الحكيم” في إطار المقارنة بين روحانية الشرق وهو متخلّف، ومادية الغرب وهو متقدَّم :” إنّ روحانية الشرق قد هَبَط بها كسل النفس إلى المادية، وإنّ مادية الغرب قد أرتفع بها تيقظ النفس إلى الروحانية”. وهى عبارة قد ردّد معناها الإمام “محمد عبده” من قبله باختلاف الصياغة مع اتفاق المضمون عندما قال :” ذهبتُ إلى الغرب فوجدت مسلمين بلا إسلام “.

ولعلّ هذا يُفسر السبب المباشر في عِلّة التقدّم والتخلف بين الأمم، وهو عندي سببٌ لا يرجع إلى المادية أو إلى الروحانية بمقدار ما يرجع إلى الأشخاص الذين يفهمون من هذه الروحانية خمود الروح وكسل النفس ولا يفهمون منها اليقظة والثورة على النفس وحيوية الانطلاقة الرحبة نحو القيم الكبرى؛ إذْ العيب لا يكمن في الروحانية أو المادية قدر كمونه في التوجه والفهم والإدراك وتحويل الفكرة إلى سلوك؛ لأن الفكر في الغالب عرضة للرفض وللقبول، وهو هنا من هذه الجهة بالتحديد يختلف عن “العقيدة” المنزلة بوحي السماء.

والفرقُ بين الفكرة والعقيدة هو أن الفكرة تُقبل أو تُرفض، بمعنى أنه إذا كان من حقك أن تقبلها، فمن حقي أنا أن أرفضها. بإمكاني أن أرفض العلمانية مثلاً أو الشيوعية أو الاشتراكية أو الليبرالية أو ما شئت أن تضيف، أرفضها وأنا مطمئن إلى رفضي إيّاها، ولن يحاسبني الله على رفضها أو قبولها؛ لأنها أفكار بشرية نابعة من عقول فكرت ودبّرت، ورأت أن يكون سبيلها في هذا المذهب أو ذاك. والإسلام “عقيدة” ليس كذلك.

أي نعم ! ليس من حقي أن أختلف مع العقيدة ما دُمت قد اخترتها بادئ ذي بدء طواعية لا إكراه فيها؛ “ولا إكراه في الدين”. وليس بالإمكان ولا هو بالمستطيع أن يرفض المرء ديناً منزلاً مُوحى به من عند الله كان قد ارتضاه منذ البداية ثم يختلف معه ويقول : وجهة نظري في هذه الجزيئية كذا وفي تلك كيت! إذا أنت فعلت ذلك، تساوي عن جهل أو عن غفلة بين ما هو بشري وما هو إلهي، أو بين ما هو قابل للنقد والاختلاف، وما هو مقدَّس لا يقبل النقد، ولا يقبل الاختلاف معه بحال.

مثل هذا الخلط الشنيع بين “الفكرة” و”العقيدة”، هو الذي يقدح من الوهلة الأولى في تفعيل “التوحيد”، وهو الذي يخلق التنابذ والصراع على المستوى الأيديولوجي، وعلى مستوى الممارسة الفعليّة كذلك، ثم هو نفسه الذي لا يغرس فاعلية القيم في نفوس قابليها ولا يُسيغها في عقول متلقيها بل يغيّبها، ويجعل من الظلام موطنها؛ فلا تقوم في الناس لها قائمة، ثم يشيع بعد ذلك “لغة التمزق” من جراء تفاقم النزاع والانقسام والتنافس الغبي على تحقيق المصالح، وكلها – كما ترى – عوامل هدم لا عوامل بناء.

السؤال الذي يفرضه المنطق المقبول : كيف يتمُّ إزالة هذا كله مع وجود عوائق من الأولى أن نزيلها قبل التوسع في الإصلاح والترقية بالصالح ومحاربة الفساد من كافة الهيئات والمؤسسات؟ ثم هل هناك أملٌ في كل هذا أو مثله، والواقع المعيش يطحن بعضه بعضاً إلى الدرجة التي أصبحت معها مقولة “الحوار” في بلادنا بغير ذات معنى، وأن الجالسين للحوار مقيدون بمقولاتهم الذهنية، فيجيء كل منهم وهمُّه كسب النقاش لا طرح الحلول، ليؤول الحوار بينهم آخر الأمر إلى “حوار الطرشان”؛ فتضييع القيم مع هذا النزاع بغير أن يكون هنالك أملٌ في استرجاعها ؟!

عندي أنه لا يمكن أن تكون هنالك نهضة وطنية حقيقية ذات فاعلية وتأثير والنزاع بينا على أشدّه. الوطنية الحقيقية أقوى وأرسخ من أسباب الاختلاف. وبناء البلاد توحيد لا اختلاف فيه. ولا تقوم الوحدة الوطنية إلا بقيام روحها فينا. تقرِّب ولا تفرّق بين الناس لتوَحِّد غايتهم .. وإلاّ (فَمَتَى يَبْلُغ البُيْنَان تَمَامَهُ .. إذا كُنْتَ مَا تَبْنيه غَيْرَكَ يَهْدِمُ)

يقول لك بعض المحللين إنه : لا يزيل الخلافات سوى الجلوس على مائدة الحوار، وبخاصة إذا تعلق الأمر بالداخل. الأفضل بدء العلاج ببرامج “التنمية” التي تقضي على الجهل والتخلف والتعصب، فهل كلام المحللين هذا صحيح؟

ليته يُجدي نفعاً ويحقق غرضاً ويصلح شأناً، وينهض بتحقيق قيمة على أرض الواقع الفعلي؛ يحضرني في هذا السياق عبارات مهمّة لها مغزاها لأحد الكتّاب المعاصرين يرى فيها – ومعه الحق كل الحق فيما يرى – أن كل أنواع برامج التنمية تكاد تكون مقبولة إلا التنمية البشريّة فهى سبوبة للارتزاق : “… يقوم بها الفاشلون الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا يجيدون سوى عبارات التشجيع والدَّعم النفسي من نوعية (أحبّ ما تعمل حتى تعمل ما تحب!) وهى عبارات من أردأ ما جاءت به قرائح شياطين التنمية البشرية لعنها ولعنهم الله. الوسيلة الوحيدة كي يحبّ المرء ما يعمل هى أن يكون بالفعل ممَّن يعملون ما يحبون في ظروف عمل يحبونها، تؤهلهم للعمل وتحقق لهم مآربهم فيما يعملون. لا فائدة من صناعة “التنمية البشرية” كلها إذا لم تكن دعايتها الإيجابية تقابل فلسفة إيجابية يعتنقها المتلقي نفسه ويفعلها أولاً في ذاته .. لماذا؟ لأننا لا نقبل على الدعاية الإيجابية إلا إذا كنا إيجابيين أصلاً، ومتفائلين فعلاً! الحقيقة أن صناعة التنمية البشرية كلها تقوم على أساس بيعك ما تملكه أساساً. هذه بضاعتك رُدَّت إليك.

وأنا أخشى أن تكون البرامج الأخرى لها من هذا الجانب الهدَّام حظ ونصيب.

ومادام الإنسان لا يتحرّك إلا لاعتبارات مصالحة الشخصية، فمن الأجدى بنا أن نعود إلى الإنسان في كل مرة نصلحه ونزكيه من طريق التربية أولاً قبل التنمية : يعنى غرس مجموعة سامية من القيم العاملة النافعة، تكون القيم القرآنية الكبرى في مقدمتها، يهتدي بها إلى تنمية ذاته، وتقوده إلى تجاوز مصلحته الشخصية إلى حيث العمل خالصاً لله ثمّ مصلحة المجموع والوطن على التعميم.. ثم ماذا؟

لننظر من بعدُ في قوله تعالى من سورة البقرة آية (137) كيف يزفُّ إلينا “القيمة” خالصة، طيبة، نقيّة، في قوله تعالى: “فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم اللهُ وهو السَّميعُ العليم”.

فماذا تلاحظ؟ انظر إلى كلمة شقاق هذه، كيف جاءت في موضع حقيق بالنظر وجدير بنسبة الشقاق والنازع إلى مَن لم يهتدْ بنور الهداية الذي هو نور الإيمان، فلا شيء يمنع الهداية ويحجب نورها غير التناحر والفُرْقة وعلائم الإعراض عن الحق. فلئن تولوا فإنما هم في شقاق ثم ماذا؟ ماذا بعد الشقاق والتباغض في غير جدوى. ماذا سيكون غير كفاية الله لعبادة يستغنون به عن العالمين؟ :

قلوب تتناحر، وعقول تدبّر ألوان المكائد، وأوهام تتنابذ، ونفوس مشحونة بالتحاسد والتباغض وسائر الآفات الأخلاقية وغير الأخلاقية التي تهبط بها إلى أخلاق الخنازير – إنْ صحّ أن يكون للخنازير أخلاق – لأجل ماذا؟ لأجل أنها في معرض الفُرْقة والنزاع تنأى عن “الهداية”؛ لأنها تنأى عن الإيمان. وفي البعد عن الإيمان والإعراض عن الهداية يكون الشقاق ويحل التخاصم المذموم. وها هنا تتنزل كفاية الله على الذين يستغنون به عن العالمين ويعملون من أجله وكفى؛ لأنهم فقراء إليه، فسيكفيكهم الله، وكفى بالله أنه سبحانه سميع، وأنه سبحانه عليم.

لكأنما الذين يكتفون بالله في مثل هذا الخضم العنيف من المكائد والدسائس والتشاحن والبغضاء وضياع المزايا الفاضلة والخصال الحميدة، إنما هُم الذي يرتفعون بذواتهم بكفاية الله لهم أن بصرهم بشرِّ الشقاق بعد التولي والإعراض، وأن هداهم بإيمانهم إلى ودائع المعرفة به وخلوص السريرة إليه في قصد التوحيد.

وقس على هذا التخريج كل القيم التي نراها أو لا نراها ببصر محسوس.

وقد صدق أبو حيان التوحيدي حين قال في إشاراته الإلهية :” سبحان مَنْ إذا شاء لأرانا في الذي أرنا غير ما أرانا”. نعم .. (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *