نقائض التصوف : (الفقهاء والصوفيّة) (4)

نقائض التصوف : (الفقهاء والصوفيّة) (4)
Share Button

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

جاءت الخلاصة التي ينتهي إليها “عبد الله شريط”، كاتب هذا الهطل الفكري من هذا الاستعراض لبعض أوجه الفكر الصوفي، أبيضه وأسوده كما يدّعي، يمكن أن نوجزها في نقطتين أساسيتين :

النقطة الأولى : من تحليلاته الهوائية – غير العلمية ولا المنصفة – والتي لا تستند على أسس موضوعية في النقد بل هى مجرد ” نقض هادم “؛ أنه يحمّل نصوص ابن خلدون ما لا تحتمل ويستنطقها بما لم يقل ابن خلدون به، ولا يقيّدها بالنظرة الواقعية التي كشفتها عبقريته في الاجتماع والسياسة والعمران والتاريخ والتصوف؛ ولسوف نقوم بإعطاء القارئ نماذج من كلامه في هذه التحليلات كمثل قوله:” إن الفكر الصوفي الذي كان الجذر الأول الذي نبتت منه شجرة الفكر الخرافي في الاسلام؛ كان كما أوضح ابن خلدون ذلك؛ فكراً دينياً محضاً وسلوكاً عادياً في مجتمع كان كله كما يقول ” جيب ” مجتمعاً أخلاقياً؛ بحيث لم يكن في وسع أحد أن يميز بين الصوفي والفقيه؛ لأن كلاً من الرجلين كان قريباً من الثاني أو كان هو نفسه إيّاه، ثم لما أخذ الفقه، ” يتجمّد ” في قواعد أخذ التصوف كرد فعل يتحلل في انطلاق من القواعد.

وبقدر ما أمعن الأول في الجمود أمعن الثاني في التحلّل، حتى انتهيا إلى طرفي نقيض، إلى نوع من التطرف والتقاطع والعداء واتساع الهوة التي كان اتساعها على حساب روح التوسط والاعتدال التي تعدُّ أبرز ما يميز الفكر الإسلامي على حقيقته، فأصبح الفقه عبادة ميتة صيغت في قوانين معقدة أهملت الناحية الروحية إهمالاً شنيعاً؛ وأصبح التصوف ضرباً من الترف الديني لم يلبث شأنه شأن كل ترف أن تحول إلى تفسخ وانحلال وفساد صريح ودعارة منحطة. وهنا لا يسعنا ألا أن نعبر عن استغرابنا لهذه الظاهر العجيبة، وهى أن الفكر الديني في بدايته في المجتمع العربي كان فكراً أقيم على التوسط والاعتدال ظهر في الآيات القرآنية الكثيرة مما يعبر عنه بالآيات المتشابهات، والتي توحي في ظاهرها بأنها متناقضة وهى في الواقع آيات كانت تنظر إلى الأشياء نظرة مزدوجة لا تهمل الجوانب الإيجابية والسلبية لتلك الأشياء حرصاً على تجنب التطرّف والانسياق الأعمى إلى التأييد المطلق أو المعارضة؛ لأن لكل شيء جانبه من الخير مع جانب من الشر في كثير من الأحيان، وفي كثير من الأشياء يمتزجان حتى يكاد يصبح من المتعذر الفصل بينهما فصلاً حاسماً.

ولكن عندما نضج هذا الفكر الديني وتثقف مجتمعه وأصبح أقرب إلى قبول مبدأ الاعتدال الذي يقتضيه النضج؛ هنا أصبح فكراً متطرفاً صبيانياً يتقبل الأشياء بعاطفة العداء المطلق أو العشق الأعمى فكانت عبادة الفقه اللفظي من ناحية متطرفة إلى أقصى حدود لفظيتها السخيفة، وكانت إلى جانبه عبادة التصوف متطرفة إلى أقصى حدود التحلل من أي قيد عملي أو تنظيمي يحقق انسجاماً في سلوك الناس وفي تصرفهم ونظرتهم إلى الأشياء والحياة. وكان المجتمع في النهاية بسبب هذا التطرف المتبادل مجتمعاً ممزقاً في حياته الدينية سطحياً في عباداته، يعبد الشكليات أكثر من الحقائق أو يموت من أجل الخرافة أكثر مما يحيا في سبيل الحق”(راجع : الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون : ص 526).

لا ريب عندي أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة بل هو مجرد سمٌ زعاف ينفثه الرجل كما الثعبان البالع يتلوى يُمنة ويسرة بغير أن يعرف له طريقاً يسير عليه.

فهو (أولاً) يتقول على ابن خلدون ويستنطقه بما  لم ينطق به، ويخبط في هذا الاتجاه خبط عشواء. والمضحك حقاً أنه يرى ابن خلدون الذي كتب في مقدمته (ناهيك عن شفاء السائل إنْ صحّت نسبته إليه) أبدع الصفحات وأكثرها عدالة وإنصافاً، يراه صاحبنا ممّن ينسبون إلى الفكر الصوفي شجرة الخرافة. ولا يستدل من كلام ابن خلدون هذا الاستدلال إلا جاهل خرف يحتاج إلى علاج نفسي قبل حاجته إلى العلاج العلمي بدوام القراءة والمتابعة.

وواضح جداً أن المؤلف لم يكلف نفسه الاطلاع على مصادر فكر ابن خلدون التأسيسية، وبخاصة في التصوف، وأهمها هنا القشيري والغزالي وهما من رجال الفقه أولاً ثم التصوف ثانياً، ولنذكر أن فقهاء الصوفية كانوا قد تشبّعوا بالفقه وأحاطوا بالشريعة؛ لأنهم رأوا من اللازم اللازب أن يتفقّه المريد قبل أن يتصوَّف؛ فليس يلزم خوض التجربة الصوفية من غير عناية بالشرع منذ البداية، فلم يهملوا الفقه الظاهر ليدخلوا رحاب التصوف طفرة واحدة ولكنهم ألموا بالشريعة التي هى ظاهر الدين حتى تعمَّقوا من بعدها في الحقيقة التي هى باطن الشرع.

و(ثانياً) لم يكن الفقه عدواً للتصوف بهذه المبالغة الفجة لا في القديم ولا في الحديث؛ لأن أكثر الصوفية كانوا في الأصل فقهاء، أسسوا تصوفهم على الفقه، ولكنهم لم يتوقفوا عنده بل جاهدوا لا ليكون حرفاً وشكلاً وعنواناً؛ بل ليمثل حقيقة في القلوب. ولئن وجد من الفقهاء من كانت له عداوة مع الصوفية فلأجل إصلاح المسيرة في الطريق والالتزام بصحيح الشريعة من جهة؛ ثم لغيبة فهم الحقيقة وتمثل منهجها وأذواقها وتغليب جانبها واتساع مطالبها ممّا لم يستطع الفقهاء تشرّبه ولا مذاقه الروحي بمثل ما كان لدى الصوفية.

بداية من زمن الحسن البصري وانتهاء بالشيخ رزوق صاحب “قواعد التصوف” والفقه أساس التصوف في الثقافة الإسلامية، حتى إذا ما كان الشرع هو القاعدة؛ فلا ريب في تأسيس التصوف على الفقه. وهل خلى الفقه من سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي، وفضيل بن عياض، وإبراهيم الخواص، وابن المسيَّب، والشعبي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وشريح، وشريك ابن عبد الله، وغيرهم وغيرهم ممّا يتعدى الحصر .. ألم يكن لهؤلاء في التصوف باع وذراع؟

ثم (ثالثاً) سأضرب لك بمثال على ما قلته وسأختار فترة زمنية حرجة  كثر حولها لغط شديد، هى القرن العاشر زمن الشعراني؛ تعالى نرى ماذا يقول : إنّ جميع الخلق تابعون، ليس لهم شئ إلا من باطن متبوعهم؛ صلى الله عليه وسلم. وهذا القول إنما هو عندى تعليل يتجمع أمام النظر من الوهلة الأولي ليعطي لفتة منهجية تؤكد أن ملكة النقد الباطني كانت على أشدها عند الشعراني، لكأنما الإخلاص في فقه الظاهر قاده حتماً إلى الإخلاص في فقه الباطن، فلا يكون الفقيه فقيهاً على الحقيقة ما لم يجمع بين ظاهر الشريعة وباطنها، ومن هنا جاء مقصوده من تأليف كتابه الشهير “الطبقات الكبرى” المسمى بـ “لواقح الأنوار في طبقات الأخيار” ينبني على “فقه طريق القوم في التصوف من آداب المقامات والأحوال لا غير (الطبقات الكبرى : جـ1 ص 3).

ومن يتنبّه إلى كلمة فقه الطريق هذه، يدرك أن الشعراني بالإضافة إلى تمكنه من علوم الشريعة ومعرفته بأحكامها الظاهرة، يستهدف كذلك تأسيس الطريق على الفقه الباطن الخفي المستتر، لأن طريق القوم في مقاماتهم وأحوالهم يقوم على المغالبة والمجاهدة والتفتيش في الدخائل الباطنة والتحرّي الجواني، بمقدار ما يقوم على مواجهة النفس من باطنها، فهو طريق باطن لا ظاهر، خَفيّ في الواقع لا جلي، متستر مبطون في وعى الذائقين.

لكأنه كان يرمى بالجمع بين ظاهر الشرع وباطنه إلى كمال الشريعة، وهى لا تكون كاملة إلا بهذين الأساسين، ومن ثم صار الفقه الباطن لديه مدعاة لنقد السلوك، وهو في نفس الوقت دُعامة أساسية لمعرفة خفايا النفوس لدى الشيوخ فضلاً عن المريدين، ثم نقدها وتشريحها وتبيانها وتحليلها. ومن النقد والتشريح والتبيان والتحليل، ندرك مثل هذه اللفتة المنهجية التي ضغط عليها الشعراني في طريق القوم فقهاً باطناً حين قال في الطبقات الكبرى: (الوليُّ لا يأتي قط بشرع جديد، وإنما يأتي بالفهم الجديد، في الكتاب والسنة، الذي لم يكن يعرف لأحد قبله، ولذلك يستغربه كل الاستغراب من لا إيمان له بأهل الطريق، ويقول على وجه الذم هذا لم يقله أحد. وكان الأولى أخذه منه واستفادته من قائلة، على وجه الاعتقاد (راجع : الطبقات الكبرى: جـ1؛ص6).

ومن الواضح هنا؛ أنه كان قدّم الاعتقاد على الإنكار في الوعي والمعرفة بأصول الطريق وبأسسها الباطنة، وهى عادته، دأب عليها على الدوام لا شك في ذلك؛ ويريد أن يحمل قارءه على مراعاتها في قانون الطريق : القانون الذي يعتقد فيه الحفظ والنزاهة عن عمل الاعتداء، بمقدار ما يعتقد فيه التجرّد للدعوة الروحية الخالصة من غواشي التخطيط الأعوج المقلوب!

ورابعاً : إنا لنرى صاحب كتاب الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون يسخر من “البركة”. والسخرية من البركة سخرية من القران، لفظه ومفهومه .. انظر إلى قوله تعالى:” وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهُمْ بَرَكَات منَ السَّمَاء وَالأَرْض”؛ لترى أن فتح البركة من السماء والأرض مَرَدَّهُ إلى التقوى، مشروط بها عمل العامل على شرطها. إنما العمل ضد الكلام، والذين يكون عملهم هو الكلام، هم في الغالب أقل الناس حظوة يوم الدنيوية إلا أن تتحول الكلمات لديهم إلى أفعال … حقاً .. ما أكثر الذين يتكلمون، يفصحون عما هم فيه من البداهة لكن ينقصهم صوابها من أول وهلة، وما أقل وأندر الذين يعملون ولا يقولون! ولئن قالوا قالوا عن حق فنطقوا عن حق.

النقطة الثانية : وهى اعتبار التصوف خطراً اجتماعياً، يقول الباحث:” إنّ التصوف، حتى عندما ننظر إليه بنظرتنا الحديثة باعتباره فناً روحياً خالصاً نجده من أرفع التجارب المعنوية التي حققّت للإنسان عمقاً لا تدانيه أية تجربة أخرى، في الحياة النفسية، كما حققت له إشراقاً في قلبه وفى قواه الروحية كثيراً ممّا أهمل في صخب الحياة المادية. وهو من الوجهة الأخلاقية يعتبر أنبل حياة نفسية يمكن أن يحصل عليها الإنسان، بالقياس إلى ما تتخبط فيه الأغلبية الساحقة من أبناء الحياة من عبودية للمال والشهوات والمتع الجسدية المنهكة، والتقاتل من أجلها ودهس كل القيم في سبيلها. ولكنه عندما تنظر إليه بنظرة اجتماعية أو بعبارة أكثر دقة بنظرة “عمرانية خلدونية” خالصة، وعلى المستوى الاجتماعي والحضاري نجده عبارة عن سرطان حقيقي يتأكل خلايا الحياة والحركة في المجتمع ويصيبها بشلل فكري وعملي لا يبقى معه أمام المجتمع في حياته الحضارية وحتى حياته الطبيعية غير سبيل واحد هو سبيل الموت : أي أن التصوف إذا كان فناً روحيّاً له كل خصائص الفن الرفيع بالنسبة للأفراد؛ فإنه بالنسبة للمجتمعات يعود بها إلى أقدم عصور الإنسان البدائي عندما كان يعتمد في كل شيء على القوة الخفية؛ أو قوة الطواطم أو أرواح الأجداد، أو أية قوة خرافية غيبية، ولكنه لا يعتمد على نفسه. ومن هنا كان ضربة قاضية للأخلاق الاجتماعية الإيجابية ” (راجع : الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون؛ ص 530).

وللقارئ أن يتأمل نقائض التصوف كما يقدمها هذا الكاتب مجتمعه، زاعماً أن التصوف يشدّ المجتمعات للخلف بأكثر مما يُصلح أفرادها فيتقدَّم بهم إلى الإمام، ثم يحكم على مثل هذه الترَّهات التي لا سند لها من دليل ولا قوة فيها من برهان إلا ما ينشئه الكاتب من عبارات ضبابية غارقة في الكزازة النفسية، ليس فيها فكرة توحي باقتداره على الموازنة أو المقارنة بين الفقه والتصوف من جهة، أو الفكر الصوفي الذي لا يعتمد في رأيه على نفسه بل على قوة خفية أو قوة الطواطم أو أرواح الأجداد، أو ما يشبه ذلك كله أو بعضه، أو أية قوة خرافية غيبية!

في معروف العقل لا يتمّ تعميم الحكم وتوسيع دائرة الخلاف إلا إذا كان هناك أصل وسّع دائرة الخلاف بعد أن عمم الحكم. وفي معروف العقل أيضاً : لكل قاعدة شواذ لا تخرجها عن التقعيد بمقدار ما تبعدها عن التعميم. وفي معروف العقل مرة ثالثة : الرأي الذي لا ينمّ عن اجتهاد ولا يستند إلى دليل ساقط عن جملة الآراء المقبولة.

ليس من العقل في شئ أن نستقبل أهواء البشر بالقبول وإلا كنا كمن يريد أن يقيس الشئ وهو يجهل كيف يقاس. إذا ركبت العواطف فوق حكم العقل قدّمت الهوى رغبات وأطماع على القانون، واستقبلت الحياة الطبيعية فساداً قلّ أن يعالج.

وبناءً على ما تقدّم؛ أقول؛ لو كلف كاتب هذه السخافات نفسه بالإطلاع على شفاء السائل  – مع افتراض صحة النسبة إليه – لرأى لابن خلدون كثيراً من تدعيم هذه الوجهة الدالة على الجمع بين الشريعة والحقيقة أو بين الظاهر والباطن، غير أنه أعتمد فقط على المقدمة وحدها ولم يُحسن دراسة الفصول الخاصّة بالتصوف فيها، ولم يقارن بينها وبين كتاب شفاء السائل، الأمر الذي أدى به إلى الخلط الشنيع بين الفقه الذي اعتبره جموداً وانحرافاً وبين التصوف الذي رآه انحلالاً لم يتحقق من أهميته ولا من فاعليته الذوقية والشعورية وراح يستنكر دوره الفاعل في الحياة الدينية، ليس في الإسلام فقط بل في سائر الديانات، فيصفه بأوصاف نابية بل مخلوطة بخليط عجيب من البذاءة التي يرفضها الخُلق الطهور، ثم التعميم الذي يأباه شرط البحث العلمي؛ إذْ كان لديه بمثابة الجذر الأول الذي نبتت منه شجرة الفكر الخرافي في الإسلام؛ فأصبح ضرباً من الترف الديني ثم لم يلبث شأنه شأن كل ترف أن تحول إلى تفسُّخ وانحلال ثم فساد صريح ودعارة منحطة !

وبالطبع ! هذا كلام لا يصدر عن باحث مسئول يعي ما يقول ..  أي ترف هذا الذي يحدّثنا عنه الكاتب الطُلْعَة؟!

أي ترف! والحياة الروحيّة في ثقافة الإسلام وفي غير الثقافة الإسلامية أيضاً تقشف وحرمان؟!

ثم أين هو التصوف الذي تحوّل في المجتمع ليكون انحلالاً صريحاً وفساداً ذا دعارة منحطة؟
أين الدليل التاريخي أو الوثائق الواقعية التي تؤيد هذه العبارات المنحطة؟! 
وهَبْ أنها موجودة بالفعل، فلمَ لمْ يوثق الكاتب ما رآه في التصوف من انحطاط داعر أفسد المجتمع وانحلت به الأخلاق؛ والتصوف في الأصل مصدر الأخلاق، وهو نفسه قد اعترف بذلك، ولكنه عاد فتناقض مع نفسه ولم يعرف ماذا عساه يقول؟!

لو كان كاتب هذه الألفاظ النابية، ذكر لنا مصدراً واحداً استقى منه أدلته لتمَّت من جانبنا مناقشته على هدى من توحُّد وفحص وتحليل المصادر، ولكنه لم يذكر سوى آراء لم يعتمد فيها إلا على هواه، الأمر الذي تبطل معه أي مناقشة لما لا يَمُت إلى الإنصاف بصلة.

ونحن نعلم من مراجعة تاريخ الحركات الإسلامية – صوفية أو غير صوفية – أن هنالك اتجاهاً مسموماً ضيق الأفق سطحي النظر ظهر في الإسلام، لبث ثوب المحافظة على الشريعة الغرَّاءً : تَشَدَّد، وتطرَّف، وغالي، وكفر، وأنكر، وحكم حكم الله في خلق الله، واعتمد التشويه والانحراف لكل النزعات الروحيّة على الرغم من أنه سرَق في الغالب كل تراثها ونسبه إلى نفسه؛ أيكون كتابنا الجهبذ اعتمد هذا الاتجاه المنحرف؛ ليصف التصوف بمثل ما وصف من عبارات ساقطة؟ لسنا ندري؛ لأنه لم يذكر لنا كما تقدَّم مصادره، وحسناً فعل ليجيء كلامه كله عارياً عن التحقيق العلمي مُوغلاً في شناعة لفظية تتناقض مع أدنى المبادئ العلمية.

ثم إنه ليعتبر التصوف خطراً اجتماعياً لأنه ينظر إليه من وجهة نظر عمرانية خلدونية؛ ليكن! فعلى المستوى الاجتماعي والحضاري يعدُّ التصوف في رأيه عبارة عن “سرطان حقيقي!” يصيب الحياة والحركة في المجتمع بشلل فكري وعلمي؛ وهذا كله أو مثله مُجرَّد كلام فارغ من المعنى، لا يقوم عليه دليل، يمكن فقط أن يفسر في إطار اهتمام علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا بالدين عامَّة بوصفه مُجرَّد ظاهرة اجتماعية إنسانية.

أمّا التصوف من حيث كونه تجربة روحية وعملاً فرديَّاً ذاتياً فريداً؛ فهو ممَّا لم يخطر لهم على بال؛ أو أنه خطر وولاؤُهم لمثل هذا الاعتبار أعْمَاهم عن دراسة اهتمام سواه؛ إذْ التصوف ظاهرة حضارية ممتازة جذبت إليها النوابه من كبار العقول والقلوب لا في الإسلام فحسب؛ بل في سائر الحضارات والثقافات والديانات الأخرى؛ لأنه ظاهرة إنسانية بكل المقاييس تتركز فيه وحده دوناً عن سواه : وحدة الروح الحضاري الإنساني، فما من حضارة قامت في القديم والحديث إلا وفيها هذا العنصر الروحي الممتاز، حتى إذا ما أردنا أن نركز كلمة جامعة عن وحدة الحضارة الإنسانية؛ قلنا بغير مبالغة في القول ولا شطط هى : (التصوف).

ادْرس إنْ شئت كبار العقول الصوفية وانظر فيماذا كانت تبحث؟ لترى أن المشترك الحضاري منطلقها وأن المطالب الإنسانية وحدها هى مُتوجهها. لكن هذه الرؤية شيء، وأن يتحوّل التنظير الفكري إلى أهواء وتعصُّبات لآراء يجوز فيها الخطأ كما يجوز فيها الصواب، شيء آخر.

وكل تخريف غير علمي، غير عادل، لا يظهر من الحقيقة حقاً على الإطلاق فهو غير مقبول لدينا وغير معقول، وكيف يتأتى له أن يظهر هذا الحق وهو لا يتحراه ولا ينشده.

ألا فلنسأل الكاتب بعباراته نفسها، تُرى : هل كان التصوف هو هو الذي يعبد الشكليات أكثر من الحقائق أو يموت من أجل الخرافة أكثر ممّا يحيا في سبيل الحق؟!

وإنَّا لنجيبه : نعم !

ولكن أي حق؟

إنه الحق الذي تدَّعي الأنفس الراسخة في الطُهْر امتلاكه على عقول العوام.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: