Share Button

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

بالصدفة العارضة لا القصد المباشر وقع بصري على صفحات من كتاب مجهول، كتب صاحبه تحت عنوان : جهودنا اليوم للتخلص من أضرار التصوف؛ ولسوف نورد عبارات الكاتب بلفظها ونصها؛ لأنها تعبّر في الغالب عن وجهات نظر ليست منصفة ؛ بل جائرة ظالمة عدائية ضد التصوف :


يقول الكاتب 
:” إنّ عقول مجتمعاتنا اليوم ومنذ عصر ابن خلدون، تزخر بهذا الفكر الخرافي الذي كان نتيجة مباشرة للفكر الصوفي، والذي أدى بها إلى الاستسلام عن مقاومة كل ما يعترضها في طريق التقدّم، لأنها تعتمد على “البركة” في أن تقوم مقامها بهذه المقاومة. وأدبنا اليوم في المشرق والمغرب – هكذا يقول المؤلف – يحاول أن يعالج مساوئ هذا الإرث المسموم في عقول الشعب فلا يشق طريقه إلا بصعوبة. ورجال الدين أنفسهم أو بعضهم على الأصح هالهم ما أصبحت عليه شعوبهم من عودة إلى الفكر الجاهلي الصميم، كأن لم يمر عليهم الإسلام إلا مروراً من خارج، ولم يلامس أرواحهم بأشعته التحريرية فأهملوا كل الآثار الدينية والأحاديث المنتحلة التي كان يعتمد عليها المتصوفة وفي مقدّمتهم الغزالي لتبرير حركة التصوف، وراحوا في مقابل ذلك لأوّل مرة منذ العصر العباسي، يحاولون بعث الفكر الاعتزالي المعتمد على العقل والمناوئ للفكر الغيبي الذي كان أساساً للفكر الصوفي والفكر الخرافي المشئوم، أو يتبني بعضهم الآخر الفكر السلفي أو فكر ابن تيمية كالحركة الوهابية في الحجاز أو الحركات الإصلاحيّة في مصر والشام والجزائر ممّن تمكنوا من الاستضاءة بأضواء الفكر العلمي الحديث، وقارنوا بين ما تتخبط فيه شعوبهم من شلل عام وما تزخر به الشعوب المتقدّمة من حيويَّة وحركة وإنتاج. وهذا بالإضافة إلى ما آل إليه الفكر الصوفي على يد أغلب حركاته وطرقه من خيانات سياسية وتعاون مع العدو ضد مصالح شعوبهم، باستثناء بعض الحركات القليلة كزاوية محيي الدين والد الأمير عبد القادر في الجزائر، أو الحركة السنوسيَّة في ليبيا، وبعض الشخصيات القليلة الأخرى في مصر وسوريا، وهى حركات أو شخصيات بلغت من الندرة، بالنسبة للحركات الأخرى، ما جعلها فعلاً استثناءات تؤيد القاعدة العامة”(الكتاب بعنوان (الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون؛ ص 524 – 525؛ ومؤلفه يدعى عبد الله شريط). وإذا كنت ذكرت في مطلع المقال أنه مجهول فهو بالنسبة لي. وقد يكون معلوماً لمن على شاكلته فإن الشبيه يدرك الشبيه.

تلك هى نقائض التصوف فيما جرت به كلمات هذا الكاتب على العسف والتهور والغرور، والخلو من الموضوعيّة والحياديّة في البحث وتحميل التصوف مسئولية تخلف المسلمين، ثم إنكار حقائق التاريخ؛ وأوْلها فيما يبدو؛ خلطه الشنيع في المنهج بين التصوف وعلم الكلام؛ فهو إذا كان يريد بعث الفكر الاعتزالي القائم على العقل؛ فإنّ التصوف محور آخر قد يُكمّل لدى العقول العارفة بدوره محور العقل؛ فالعقل والروح جانبان لا يتضادان بمقدار ما هما لا يتناقضان بل يتكاملان. وقد ينفصل عنه ويراه البعض شيئاً آخر لا يقوم على العقل بمقدار ما يقوم على التجربة الذوقيّة؛ فالجدل والبرهان وعقم الإدراك قوانين لا محل لها في التصوف. والخلط بين منهج المتكلمين الجدلي الخطابي ومنهج التصوف الذوقي الوجداني خلطاً عشوائياً بغير الدخول في تفاصيل معرفيّة؛ يكشف للوهلة الأولى عن قلة عناية الكاتب بما لديه من بضاعة علمية خالية الوفاض سواء في التصوف أو في علم الكلام. ولسوف نقوم تباعاً بالرد على كل جزئية من جزئيات هذه الفقرات المتراكمة بعضها على بعض في غير ضابط علمي ولا بصيرة مستنيرة، نرد عليها لا لشيء إلا لأنها تعبر عن اتجاهات عقيمة غير أنها سادت وزاعت وصيّرت الباطل وكأنه الحق الصراح في ليالي الملاح !


(وللحديث بقية)


بقلم : د. مجدي إبراهيم  

Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.