Share Button

الأصلُ في النقد (critics) فلسفيّاً، وبالتالي منهجيّاً، هو قبل كل شيء : اعتراف الناقد بمحدوديّة تفكيره. والقول بحصول هذا التفكير ضمن أطر تقيد عملياته وتخضع عملية التفكير ذاتها لمراجعات صارمة، بمعنى خلخة اليقينيتات الثابتة وإعادة بنائها المعرفي بمقدار إعادة النظر فيها مراجعة وتنقية وتصحيحاً. واحترام هذه الحدود والقيود هو ضمان تنظيم الأفكار وإحكامها، ونجاح التحقُّق في كل المسائل التي تدور عليها.

ثم إنّ النقد من جانب آخر هو التمييز بين العقل والتفكير؛ فالأول يشمل الثاني ضرورة، ويشمل معه الحدس، والمُخيّلة، والشعور، وكل آليات المعرفة التي تتداخل في العقل أحياناً، فيكوِّن مثل هذا التداخل صوراً ومسائل في الذهن، يطرحها على نفسه ولا يجد لها أجوبة ثابتة يقينية. وهذا ما حَصَلَ لكل الفلسفات القديمة التي لم تميّز بين التفكير المقيّد والعقل الطليق، فضاعت في المتاهات الميتافيزيقية بعد ما أرسلت سبحاتها في غياهب المحاجيب، ثم ضاعفت من تقييد المساحة الواسعة التي يجوز فيها التفرقة بين مجال ومجال.

من أجل ذلك، وردت هذه اللفظة، لفظة النقد (critics) في التوطئة الأولى لكتاب “نقد العقل الخالص” لكانط، حين أكّد أنه أطاح بـ “المعرفة” ليترك المجال للإيمان، بمعنى أنّه أفسح لليقين الديني مجالاً لم تطرقه المعرفة العقلية التقليدية.

ويقصد “كانط” “بالمعرفة” التي أطاح بها هى “معرفة” المدرسيين، المحفوظة بالتواتر والتقليد من زمن أرسطو، والتي تؤكد حقائق ما ورائية كأنما وقع فيها بحث وفحص وتمحيص.

هنالك يقوم النقد كمنهج باحثاً في الشروط التي تجعل طبيعة البحث والتفكير ممكنين في إطار مشترك من المراجعة النقديّة المنهجيّة؛ الأمر الذي يجعل معناه اللغوي، كما في “الصحاح” يأتي من “نقدت الدراهم وانتقدتها، أي أخرجت منها الزيف”، وبالتالي أبقيت الصالح المستقيم.

ولكن النقد كمنهج في المسائل الدينية والدّعويّة، قد يتخذ شكلاً آخر باستثناء شراكة المعنى اللغوي بين مجال الفلسفة ومجال الدّين، وفي إطار عمل التصحيح والمراجعة النقديّة على الأقل من حيث المفاهيم المغلوطة وتمييز الصواب فيها من الخطأ، والحق من الباطل.

وإذا كان صحيحاً أن النقد لازمٌ من لوازم الفلسفة لا تستغني عنه أبداً ولا تقوم لها قائمة بغيره على الإطلاق، فمن الصحيح كذلك أنه يلزم للدين منهجيّة نقديّة (Methodology of Criticism) تماماً كما هى مُلزمة في مجال الفلسفة، وبخاصّة حين يدّعي العقل الداعي إلى الله امتلاك الحقيقة الإلهيّة المطلقة ثم التعبير عنها قولاً وفكراً وفرضاً وإلزاماً تحت الخضوع لاتجاه بعينه، وفرضه بالقوة والعنف على الآخرين، فكأنما يصبّ دعواه هذه في قالب محفوظ يقف عليه وحده ولا يقبل غيره من اتجاهات تخالفه ولا يكتفي بذلك بل يزعم لنفسه ولغيره أنّ قالبه هذا هو “الحقيقة” التي لا حقيقة سواها، يدعو لها بشتى وسائل الدّعوة ويدعمها بكل أنواع الدّعم، ويتعصب ويحارب من أجلها ويقاتل، ولو كلفه ذلك ما يطيق وما لا يطيق.

إنه؛ إذا كانت معاجم اللغة ذكرت أن النقد تمييزٌ وفرز بين الفاسد المعطوب والصحيح الذي لا زيف فيه ولا فساد، فبمقتضى هذه التفرقة البسيطة يلزم للدّين أن تكون له منهجيته النقديّة تماماً كما هى لازمة للفلسفة، وربما كانت للدين ألزم منها للفلسفة؛ فإنه من الخطر الشديد أن يكون الزيف باسم الدين حاضراً ولا يهدمه النقد ولا يعرّيه ولا يكشفه أمام القلوب والعقول وبصائر المتديّنين، ولم تكن مسائل الدين ممّا تحتمل مثل هذا السكوت عن تطبيق القواعد النقديّة مطلقاً لأنها بالطبع من الصفاء والنقاء والتعلق بمسائل المصير وخلوص السريرة بمكان بحيث تكون أمضى فاعلية في قلوب المتدينين من مسائل الفلسفة، ومن هنا كان خطرها وكانت كذلك درجة قبولها للنقد إذا وجد فيها الزائف المعطوب،ولا بد أن يوجد.

وبديهيٌّ أن يتوجّه النقد إلى الفكر من حيث هو فكر أفرزه أشخاص مثلي ومثلك، ولا يتوجّه إلى النّص الديني من حيث هو نصّ إلهي طريقه الوحي الذي لا ينطق عن هوى.فالنقدُ لا يلحق النّص المقدّس ولا يجوز بالبداهة أن يلحقه، ولكنما يلحق التخريج والفهم لهذا النّص في إطار حركة الممارسة العملية للتوجّه والتلقي، فهو يقوم على مدى فهم الأشخاص وعلى تخريجهم للنّص الديني، وعلى إمكان توظيفهم له سواء كان التوظيف سياسيّاً أو اجتماعياً أو دينياً أو ما شئت أن تضيف ممّا عساه يكون خاضعاً لدرجة الفهم مُقاساً على مستوى التخريج، فعلى هذا إذن يقوم النقد ولا يقوم على النّص المقدّس من حيث هو نص مقدس.

تلك كانت ولا شك نقطة مفصليّة فارقة ينبغي الأخذ بها بداهةً حتى لا يختلط علينا الأمر في قولنا بلزوم المنهجية النقديّة في مجال الدين أكثر من لزومها في حقل الفلسفة، إذ كانت الفلسفة مُجرّد فكر بشري لك أن تقبله إن وجدت فيه جدارة القبول، ولك أن ترفضه إن لم تجد فيه ما يحق لك قبوله، فحُريّة الحركة النقديّة هنا متاحة أكثر ممّا تتاح الحركة في مجال الدين. ولكن مع ذلك لا شئ يدعو بالمطلق إلى إعمال النقد في مجال الدين ليكون ألزم منه في حقل الفلسفة غير هذه المساحة المحدودة التي بموجبها تكون التفرقة الفارقة بين النّص الديني في ذاته وبين ما يُقام على النّص من شروح وتأويلات ومن توظيفات وتخريجات، هنالك يعمل النقد عمله الواسع على هامش تلك المساحة؛ لأنه يتناول تلقي البشر للوحي ماذا عساه يكون، وكيف تمّ وبأي المسالك والطرق، وما مدى درجة توظيفه بعد فهمه وتخريجه، وكيف تحوّل إلى ممارسة فعليّة بعد أن كان عقيدة نظريّة، وهل بإمكان تلك العقيدة التي لا تتجاوز كلمات نظريّة تدور في فلك أصول الدين الذي هو علم الأحكام الشرعية الاعتقادية؛ أن تتحوّل إلى ممارسة سلوكية تشمل أصول الفقه الذي هو علم الأحكام الشرعية العملية، وكيف قنع فقهاء الإسلام بوجود هذه الهوّة السحيقة بين الاعتقاد والعمل، ثم ما الفرق أصلاً بين الاعتقاد والعمل إذا ما كان الاعتقاد إيماناً وكان الإيمان هو ما يصدّقه العمل، وهل تقدح قلة العمل أو حتى عدمه في صحة الاعتقاد الذي هو تصديق قلبي، وكيف فهموا وشأوا أن ينقلوا الفهم للناس ليكون هو نفسه سلوكاً دينياً مع أن الفهم من بنات أفكارهم، وهل كان هذا الفهم صحيحاً أم كان فاسداً معطوباً وهكذا، وهكذا أو ما يشبهه.

ومن المعلوم أن النقد يجري في تلك الزاوية ولا يجري في غيرها وبخاصّة إذا كان هذا الغير هو النص المقدّس.

وقد يتبادر الأذهان من الوهلة الأولى كيف يمكن نقد العقل الدعوى وهو موصول بالنص القرآني :” أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن؟ فإن الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هى أحسن، سبيل المقاصد الدّعويّة، فكيف يمكن نقد هذا كله وهى من مقومات العقل الدّعوى؟

ربما يجوز النقد بلا شك في مجال السياسية والأخلاق وفي ميادين الفلسفة النظريّة وفي كل ما يكون ثمرة من ثمار العقل ونتيجة من نتائج بحوثه ودارساته؛ ففي حالة الانحراف عن جادة الاستقامة يلزم أن يكون من جهة العقل نفسه ما يقوّمه ويتعدل به طريق التقويم، وهو النقد؛ إذ كان النقد تطهيراً به لا بغيره يجئ التقويم، فكيف يستخدم النقد في هذا المحراب العلوي، محراب الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هى أحسن؟ إنّ هذا لشيء عجاب !

وأعجب منه أن تكون صفات العقل الدّعوى خاصّة هى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يكون في الداعية شئ من هذا كله، فلا الحكمة بموجودة، ولا الموعظة الحسنة بمتوافرة، ولا المجادلة بالتي هى أحسن مطبقة فعلاً في الواقع العملي، فماذا تنتظر من عقل يزعم الدعوة إلى سبيل الله وهو يخالف خصائصها، ويأتي بخصائص يستنها على هواه هى حصيلة جهود بشرية سبقت لقرون خلت، فالنّص الديني المقدس فارغ من مضمونه ومن دلالاته العملية، متروك أو يكاد، لأن العمل الصوري فيه قشرة سطحية ولكن العمل الفعلي يخدم الاتجاه، يتأخر النص لتتقدم موالاة الاتجاه، ولا يخدم الفهم الصحيح لهذا النص من جميع زواياه.

ونتيجة توظيف الدّين وفق تقديم الاتجاه على النص في خدمة المآرب السياسية، تصبح – حقيقةً – ثقافتنا العربية والإسلامية في أغلب ضروبها ملوثة بالقتل والدمويّة؛ لأن امتلاك الحقيقة المطلقة إنمّا هو في حقيقته مجرّد قول، ولا يزيد، أو قل هو مُجرّد دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل.

حديث الله للبشر شئ وحديث البشر عن الله شئ آخر. فالأول ولا شك وحي بإطلاق هابط من عند الله عن طريق أنبياء الله كيما يبلغوا رسالة الله للناس. والثاني عمل بشري صاعد من البشر، وهو في صعوده تقف وراءه جميع المزاعم البشرية مثقلة بأهواء البشر وتطلعات البشر وتوظيفات البشر وزعامات البشر وما يدور في مطالب البشر وغاياتهم ممّا عساه يكون آخر الأمر نقيصة عرضة للنقد والفحص والتمحيص.

من تلك اللفتة المنهجيّة الدقيقة في التفرقة بين حديث الله للبشر وحديث البشر عن الله تقوم المنهجيّة النقدية عندنا كضرورة فاعلة في الدين بمثل قيامها وأكثر في مجال الفلسفة؛ وبالتالي يعاد النظر فيما يفرزه عقل الداعية من أنماط ثقافية منوّعة ممتدة بجدوز سحيقة في التاريخ والثقافة يخترعها من عنده وكأنه مُوكلُ من الله بتملُّك الحقيقة الإلهية معرفياً، وتلك هى نفسها الكهانة التي يرفضها الإسلام ولا يقبلها لا العقل فيه ولا الشرع.

إذا نحن أردنا تنظيراً للعقل الدعوي؛ فبالقياس كما أن هناك عقلاً نظرياً وعقلاً عملياً حسب كانط، وهنالك عقل أخلاقي، هناك كذلك عقل دعوي يتمثل في مجموعة الخصائص التي تحكم هذا العقل وتتحكم في مخرجاته المعرفيّة.

هذه بعض من خلاصة دراسة متكاملة عن معالم منهجيّة في طريق الخطاب الدَّعوي بوجه عام مقارنةً من جانبنا بين تَفَتُّح الخطاب الدعوى بالنسبة للفكر الديني الذي لا يتقيّد باتجاه معيّن، ولكنه يتحرّر من كل الاتجاهات ويدين بالطلاقة الروحيّة على شرعة المحبّة، وتحجير هذا الخطاب نفسه لدى طوائف متشددة تَطرَّفت على الناس باسم الدين، وسمحت لأنفسها كذلك باحتكار الحقيقة المطلقة ومعاداة الآخر باسمه ممَّا لا يقرّه شرع ولا عقل ولا إنسانية، الأمر الذي يَقَدح مجدّداً في فهم بعض المنتسبين إلى هذا الدين والمعبّرين عنه ممَّن يريدون امتلاك الحقيقة، وهم في الواقع يُعَبّرون عن أنفسهم خلال هذا الخطاب أو ذاك لا عن الدين نفسه، كيما ينفردوا بين الناس بحيازة الزعامات الدينية.

إنّ الدعوة إلى الله يلزمها الحبّ ولا يلزمها العَسَف والإرهاب. هذا الحبّ الذي يتناغم مع أجزاء الكون كله، ومع حركة الحياة كلها، ومع نبضات الوعي الروحي الشاعر باحترام الحياة في كل حي على هذه البسيطة : احترام الحياة التي أودعها الله في الكائن الحي ولم يحرمه هذا الحق أبداً، أعني “حق الحياة”؛ لأنه هو المخلوق على الصورة بأتقن صفات الخلق المنوطة به إدراك هذا الحق لمن يدرك عن الله ويفهم حكمه وحكمته في الأشياء والأحياء، ولأنه هو المخلوق بالنفخة الإلهية المُكرَّمة من قبيل الخالق جلَّ شأنه.

إنّ لحظة الإدراك هذه، لهى اللحظة الكاشفة، تمسك بالحقيقة وتقبض عليها واعية، ليست لحظة تفكير عقلي ولا نظر فكري، ولكنها لحظة كشف قلبي وفتح روحيِّ مؤسس على المحبة، وعلى عشق الحياة في الكائن الحيِّ، قائم على استجماع القوى الباطنة في تذوق ما للحياة من مواهب إلهية عجيبة، وليس هو بالقائم على التحجير والتضييق بفروض ولوازم سنها العقل البشري بحدوده المنهجية ليقول للناس كافة إنها من عند الله؛ منهج الله، من أطاعها وعمل بها فقد أطاع الله ورضى عنه الله، ومن عصاها وأختلف معها فقد عصى الله وسخط عنه الله، وهى في الحق لكونها اتجاهاً، من حصيلته العقلية وتصورات الذهن لديه على أكثر الفروض وأرجح التقديرات.

لسنا نحن المسئولون بمحاكمة “عيال الله” بمنهج الله حتى لو كنا على الحقيقة فهمناه، ولكن المؤكد أننا نتصوَّره نحن من عندياتنا وتكشفه أنفسنا لأنفسنا على ما في نفوسنا من ضيق ووهن وغفلة وكنود وتحجير. إنما الله وحده هو المسئول، وما نحن سوى أطفال في حجْره، موتى بين يديه، لا إرادة لنا إلا فيما يريده فينا، ومنا، ولنا، فالتسليم له أولى من النظر إلى النفس وإتباع حظوظها، مع اختبار مواطن قوتها ومكامن ضعفها.

ولكن هل يُجدي الادعاء نفعاً فيما لو زعمنا امتلاك النواصي واقترحنا على الله ما تصوِّره لنا نفوسنا في أن يعطي هذا ويمنع ذاك، يعاقب هذا ويثيب ذاك، يُدخل هؤلاء الجنة ويجرَّ أولئك إلى النار، يفعل بأولئك الشرِّ وبهؤلاء الخير؟!

اقتراحنا على الله غَبَاء آدمي لا يُفسَّر بالغيرة على منهج الله مقدار ما يفسر بالجهل بالله، ولو كنا في أنفسنا مع الادّعاء من أعلم العلماء بأحكامه ومنهاجه وفروضه، ومن أقدر القُدَراء على توصيل هذا كله للناس. الله غنيُ عنا، وعن خزعبلاتنا، وعمَّا تصوره عقولنا باسمه تحت إعلاء كلمته وبحجة تطبيق شريعته، غناه عن عبادتنا، وأعمالنا، وأقوالنا، وأفعالنا، وتوجُّهاتنا، إلا أن يكون ذلك كله، لا بعضه، مُخلصاً، خالصاً لله ربِّ العالمين.

والمخلصون – مع ذلك كلّه – على خطر عظيم.
نعم! إذْ ليس للنفس في الإخلاص نصيب؛ لأنه ليس لله إلا الدين الخالص:” قل إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالمَيِنَ. لا شَرِيِكَ لهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِين”.

الله غَنيٌ عن العالمين، وهو كذلك أغنى الأغنياء عن الشريك؛ كما جاء في حديث أبي هريرة بلفظه أن رسول الله، صلى عليه وآله وسلم، قال:” قال الله تبارك وتعالى:” أنا أغني الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشِرْكه “.

تقتضي معرفة الله مواجهة دعاوى النفس بقوة، وبعنف، وبإخلاص يلزمها الحياء من رب العالمين، وأهم سُنَن الحياء إخلاصاً : إخراج الخلق عن معاملة الرَّبِّ، ومن عَرَفَ نفسه عَرَفَ رَبَّهُ، واستحيا منه حق الحياء : خرسه لسانه عن التظاهر بالدعوى.

والمقصود بالدعوى هنا هو كل ما للنفس فيه من حظ وفتنة وهوى، فهى تشمل كل ما ليس لله فيه حق : حق ينبغي أن ترعاه ولا ترعى غيره من حظوظها وأهوائها؛ إذْ الدعوى علامة حجاب، وكل مُدَّعي محجوبُ بدعواه عن شهود الحق؛ لأن الحق شاهدٌ لأهل الحق، فكيف بالدعوى من قِبل الخَلق؟ ولماذا؟

فإذا نحن أردنا تصور الخطاب الديني فضلاً عن تمثله حتى الرمق الأخير، فإننا هنا لا نستطيع أن نتنبَّه إلى الأخطاء التي تلاحقنا في طريق العقل الدَّعَوى من جانب أنفسنا ما لم نكن في أنفسنا أعرف الناس بأنفسنا من غيرنا، وأقدر على مواجهتها بما يكرهها على استقامة الطريق لتصبح ملاحقة أخطاؤنا من جانب أنفسنا هى من الأولويات، وهى أقوى ما في الداعية من عناصر العزم والتصحيح، بُلْه الإخلاص.

فإذا لم يكن هذا الجانب فيه واضحاً وبارزاً، سقطت عن العقل الدَّعَوى آثاره وانعكاساته فضلاً عن سقوط جانب القوة والمراجعة فيه بدايةً، وملاحقة نفسه، وغيره، بما يقرِّبُه من الخطأ ويبعده عن الصواب، وبما يدنيه من الباطل وينأى به عن الحق الصُّراح.

ليس من حق الخطاب الديني تفكيراً وتعبيراً إذن أن يحتكر الإسلام، لماذا؟ لأن أي خطاب يزعم لنفسه أنه يمتلك “الحقيقة المطلقة”، ويعبِّر عنها باسم الإسلام هو في الوقت نفسه يُسيء إلى الإسلام من حيث يشعر أو لا يشعر !

لا يملك التعبير الحقيقي عن الإسلام كحقيقة دينية إلهيّة إلا الله، ورسوله – صلوات ربي وسلامه عليه – أمّا المعبِّرون عن الإسلام فهم في الواقع يعبّرون عن متوجُّهاتهم : عن أفكارهم، ومداركهم، وأفهامهم، عن عقائدهم السياسية والثقافية والأيديولوجية، لا عن الإسلام كحقيقة ضخمة وكبيرة، هم منحصرون في دائرة الاجتهاد تفكيراً وتعبيراً. والمجتهد، من هذه الجهة، لا يملك الحقيقة المطلقة وإلا لما كان مجتهداً، ولا سمىَّ بالمجتهد يصيب ويخطي، ولا يحتكر ما ليس من حقه احتكاره، لا الرأي ولا لغة الخطاب، ولا يحجِّر على آراء الآخرين بحال ممَّا وسَّعه الله على عباده.

هؤلاء المترسمون بالعلوم لا يعرفون طريقاً للنور، وإنهم ليعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويدعون إلى دين الله على “غلبة ظن” لا على “بصيرة”! وما أبعد الفرق في ميزان المعرفة بين هاتين الدرجتين: غلبة الظن التي تنطلق في الغالب من ترجيح حكم الهوى وموالاة الاتجاه. والبصيرة التي حكمها هو حكم الشهود والمكاشفة والعيان، حكم تقديم النص الديني والاستغراق فيه على سواه. ثم إنهم ليأخذون أقوال الآخرين وأفكارهم ممَّن يخالفونهم وجهة النظر، مأخذ التحوير والتضليل لسوء الفهم أو سوء التأويل، لتجيء من بعدُ حاملة لألوان العداء والانغلاق، مُسَبِّبة للكراهية والنفور وجمود الفكر وتطرف الآراء!

تبدأ المسألة عندي من التعليم ثم الثقافة؛ فلئن كان التعليم لا يخلو من حريّة وتحرر فهو كذلك، ومن أجل ذلك، لا يخلو من متابعة فاحصة لما عساه يعرض مطروحاً بفحص نزيه وموازنة حرة وثقافة عقلانية. وهذه المتابعة هى من الأهمية بمكان بحيث تجيء خطوة أوليّة في طريق التحرّر، فلن يستطيع أحد أن يتحرر بغير متابعة ولا أن يبدع بدون أن يفك أغلال السيطرة التي تحجز خلفها قيود التقليد الموروث، وتعوق من أجل هذا حركة العقل في الانطلاقة الحرة نحو الإبداع.

والفرق، فيما يُلاحظ، كبير جداً بين التقليد والتعليم فما دمنا نعترف بأننا في مسيس الحاجة إلى التعليم في كل مرحلة من مراحل عمرنا، من المهد إلى اللحد؛ فلا شيء ينفعنا أكثر من متابعة نقدية لقادة الرأي المستنير فيما قالوه وتركوه وبيّنوا فيه أوجه الرؤى المختلفة إزاء ما كانوا يتصدون له ممّا يطرأ عليهم في واقعات الحياة. والمتابعة تقضي النقد ولا تقتضي التسليم وتتطلب الفحص بمقدار ما تتطلب التمحيص.

وليس يكفي فيها التقليد الذي يتوخّاه المفلسون العاجزون عن المتابعة والنقد الأمين؛ فإذا رددنا النقد إلى ملكة عقلية واعية نبذنا من فورنا التقليد الذي يجري عليه العاجزون مجراهم في التعليم والثقافة والمتابعة سواء فيما يعرض لهم أو فيما يطرحونه من قضايا وآراء ومسائل، تحتاج إمعان النظر قبل الحكم عليها بالتهوين.

التعليم متابعة (نقديّة) فيها أخذ ورد، والتقليد يخلو من النقد لأنه يخلو من الإبداع الذي يقوم على متابعة القديم؛ فلن يكون الإبداع إبداعاً وصاحبه عاجز عن الإحاطة بالمعارف السابقة وحصاد الأفكار المتقدّمة؛ لأن عجزه هذا مدعاة للنكوص لا مرقاة في معارج التجديد بحال.

ولن يتأتى الإبداع أبداً من فراغ؛ لأن الفراغ لا يقيم عقولاً ولا ينشئ معرفة ولا ينهض بمستوى من مستويات الإدراك؛ فمن أحاط بالفكرة : تاريخها واختلاف الرأي فيها كائناً ما كان الرأي فيها، أبدع وقاده الإبداع إلى وجاهة التخريج، ولم يكن له من بدِّ من التعليم أولاً وقبل كل شئ، ثم الثقافة المستنيرة بنور العقل والمعرفة.

الخطابُ الديني ليس مُقَدَّساً، وإنما المُقَدَّس هو الخطاب الإلهي. وحين يكون الخطاب الإلهي تفكيراً وتعبيراً على ألسنة الناس وأفكار البشر لا يصبح مقدّساً ولا يجوز – من ثمَّ – لأحد أن يُقَدَّس فكراً وتعبيراً جرى على ألسنة البشر. بيد أن البشر أنفسهم هم الذين يضْفُون عليه طابع القداسة، يقدِّسون أنفسهم بأنفسهم، ويحوّلون الخطاب المقدس الصادر عن الله إلى خطاب مقدس صادر عن عقول البشر، وليس في عقول البشر ما يشي بتقديس.قد تهدي الخطابات البشرية إلى ما هو إلهي .. نعم!

أعني قد تهدي الخطابات البشرية إلى ما هو إلهي هداية دلالة لا هداية مَعونة، وقد يستشعر “المُتَلقي” فيها ما يمسُّ شعوره القلبي، ويعجب لذلك، ويملأ أحاسيسه روعة بالإيمان، ويعجب لذلك، ومع ذلك، فإذا هو افترض فيها القداسة خرج عن نطاق الإيمان ودخل من حيث لا يشعر في دائرة الشرك، لم يتنبه إذْ ذَاك وهو في حمية الشعور ودفقة العاطفة بوجوب التفرقة الحاسمة بين حق الله تعالى وهو (المُقدَّس)، وحق البشر وهو (الإعجاب) الذي لا يخضع للقداسة، ولا ينبغي أن يخضع لها بحال.

هنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير، بين الاحترام والتقدير من جهة وبين التقديس الذي لا يحق لمخلوق أن يمنحه لأحد إلاّ للخالق عز وجل، من جهة ثانية. الاحترام أو التقدير قد يجيء بغير شك للعالم ولغير العالم من خلق الله، لأنه أدبُ يتحلى به المؤمن المتأدِّب بأدب الإسلام.أما التقديس؛ فهو ليس للأشخاص، ولا لمَا يَصْدُر عن الأشخاص من أفكار وتعابير أو رؤى واتجاهات، وإنما هو لله سبحانه وتعالى.

وإذن؛ فالمساحة التي تسمح بالاختلاف وبالنقد، وبالاستدراك من خلال إثارة محاور النقاش لمجموعة من القضايا لا يمنعها الاحترام ولا يحجبها التقدير للأشخاص، فأنا أحترمك، وأعزك، وأقدِّرك، بيد أني لن أقدسك، لكنني أناقشك وأختلف معك، لأنني لا أؤمن بك إيماناً مقدساً، فهذا الإيمان المقدس إنما هو للخالق العزيز، لله وحده الواحد الأحد الذي منعني بموجب هذا الإيمان نفسه أنْ أقدِّس غيره ممَّن خلق، وإلا أشركتُ به.

فلا قداسة من ثم َّإلا لله الواحد الأحد دوناً عن سواه. فهل يبقى – من بعدُ – أحد يحتكر لنفسه خطاباً ليعبّر عن “الحقيقة المطلقة”، فضلاً عن ادعاء تملكها ثم تجهيل غيره – إنْ لم يكن تكفيره! – إذا هو لم يأخذ برأيه فيها، ولم ينهج منهجه في سبيلها، ناهيك عن تكفيره وخروجه بالمرة عن الملّة؟

والجواب : نعم ! يبقى ما دامت هنالك غيبة في العقول، وغلظة في الأفهام، وكزازة في الطباع، وبلادة في المدارك، وظلمة في التصورات، وغفلة في الضمائر والقلوب.

بقلم: د. مجدي إبراهيم
أستاذ الفلسفة الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *