Share Button

نداءُ القلم :

                 وإنّك لعلى خُلق عظيم

                                بقلم : د. مجدي إبراهيم  

على مستوى العمل والسلوك، ليس مطلوباً في الدين أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول. إنمّا الذي يكون مطلوباً في الدين هو صلاح الظاهر يأتي تباعاً لصلاح الباطن. ومن هذا المطلوب تحقيقاً بشعبة الأخلاق، يكون الرّبَّانيون والشهداء والصالحون، وفي ظلال الأخلاق الحميدة يكون الأئمة والهداة والمرشدون سائرون على مشكاة الهدْي النبويّ، مقتبسون منها قبسات من نور تنير لهم معالم الطريق.

وفي ظل الأخلاق الحميدة تطهّر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق والجبن والكذب والخيانة والغش وما إلى ذلك من الأخلاق السيئة التي كثيراً ما أفسدت على الناس حياتهم، وتوارت في ظلمتها القائمة وسائل الخير والصلاح. إنّ صلاح الباطن أساسٌ لكل صلاح ظاهريّ، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز وكان أثراً للإصلاح الباطني. هنالك يكون العمل القلبي أدعى الدواعي إلى التطبيق على ضوئه. ولن تقوم للأخلاق قائمة وهى بمعزل عن العمل القلبي؛ لأن سلطان القلب هو الرادع لكل رزيلة. ولن تستقيم تربية الخلق الكريم لإنسان وفق منهج القرآن ما لم يكن في عزيمة القلب وازع وسلطان، وليس للقلب الذي به مرض أن يمضي نافعاً في الطريق.

ولا يقام للباطن مطلقاً صلاح بغير الأخلاق الفاضلة؛ فإنّ الظاهر لا يستقيم مع عوج الباطن وانحرافه عن القصد المطلوب. وما من قصد أسمى ولا أعلى ولا أوفر عناية من شرعة القرآن. ولا شك أن في حرص القرآن على استقامة الضمائر وسلامة البواطن دلالة تؤكد غرس القيم كما تؤكد فضيلة العمل على نهج القرآن، وعلى شرعة القرآن.

حقيقةً؛ ليس من مثل أعلى للتطبيق الفعلي لمكارم الأخلاق أصدق ولا أمثل ممّا تمثل في شخصه عليه السلام، فهو قدوة المقتدين بفعله وقوله وتقريره وجماع شمائله على التحقيق، فقد كان خُلقه القرآن، وقد وصفه الحق في موضع المدح والثناء والدفاع عنه بقوله تعالى : “وإنك لعَلَى خُلُقٍ عَظِيم” (القلم: 4).

ولم يكن وصف القرآن له (وإنّك لعلى خُلق عظيم) ببعيدٍ عن هذا التكافؤ الخُلقي؛ فالخلق العظيم يسمو فيه فيُظهر التكافؤ ويبطل ما عاداه من اقتصار صفة دون صفة أو خُلق دون خلق. قد تكون في الشخص العظيم فضيلة بارزة كفضيلة الكرم أو فضيلة الشجاعة أو فضيلة الصبر والاحتمال، فيكون مشتهراً بين الناس بواحدة منها، ضعيف العمل بغيرها، أو يكون جسوراً مقداماً غير أنه شحيح في مواضع الإقدام، لا يستوفيها من جميع أطرافها، فتظل الصفة ناقصة غير كاملة رغم اشتهاره بين الناس بها واعترافهم بفضله فيها، ناهيك عن اتصافه بتلك الصفة نفسها دون سواها من فضائل الصفات؛ فيظل العظيم عظيماً متى استوفى صفة واحدة دون غيرها واقتصر عليها، لكنه مع ذلك لا يبلغ الكمال في العظمة، ولا يُقال في حقه إنه على خُلق عظيم.

أمّا أن تكون كل الفضائل الخُلقيّة مجتمعة فيه، بنسبٍ متكافئة، لا تندّ فضيلة فيه عن فضيلة؛ فهذه عناية الله، وعدالة الله، ورعاية الله، واختصاص الله، وقد أدّبه ربه ـ كما قال عليه السلام ـ فأحسن تأديبه.

إنّما الخلق العظيم له من كل صفة فاضلة ميزانٌ ومقياس. فلا يقالُ لمن يتحصّل على فضيلة الشجاعة وكفى ذا خلق عظيم؛ لأنه قد يكون شجاعاً ولا يكون سمحاً وقد يكون سمحاً ولا يكون كريماً، وقد يكون كريماً ولا يكون صادقاً. وإنما صاحب الخُلق العظيم هو من توافرت ـ على العدالة ـ جميع الفضائل فيه؛ فكان كريماً وشجاعاً وصادقاً ووفيّاً ورؤوفاً وعطوفاً ومُخلصاً وأميناً بنسب متكافئة لا تنبو فيه صفة عن صفة، ولا فضيلة عن فضيلة؛ فجميع فضائله مجبولة على الكمال. وهكذا كان، صلوات الله وسلامه عليه، على خُلق عظيم.

بقلم : د. مجدي إبراهيم

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.