واستقم كما أمرت

Share Button

(تأسيس مبادئ الحرية على شرط الاستقامة)
بقلم : د. مجدي إبراهيم

قسط النبوة هنا تبليغ، ولكن صفة النبيّ أقدر بعون الله على البلاغ وأصدق تصديّاً لكل ما ينقضه أو يحاول طمس معالم ثورته وهو ممدود العون بمدد السماء؛ فاليقين النبوي أدعى إلى إزالة العقبات، وأوفر ثقة وطمأنينة وأرفع مقصداً من أن يتولاه اليأس من التبليغ حتى ولو كان التولي أو كان الإجرام هماً السدّ المانع من حركة الثورة في إنذار لم يشأ له أن يتكمل ويؤدي الغرض منه.

ولا أقلَّ ميراثاً لهذا اليقين النبوي من قدرة الاستبصار وحدة الإدراك، فلو لم يكن يقيناً لما اتخذ من الصمود عوناً وعصمة، ولما صاحبه الاستبصار الكاشف عن شتى المألات.

* * *

يلخص القرآن، بقص القصص الوارد بين صفحاته المباركة، جهود البشرية في كفاحها المتصل وفي سيرها الحثيث المتوازن من أجل تحرير الروح الإنساني وخلاصه من التعلق الواصب بالطينة الأرضية.

ولم يكن ميراث النبوة في أصل عنصره الرفيع سوى هذا الجهاد الدائم المتصل في الحق، ومن أجل التماس ذلك النور الروحاني من مظانه الرئيسية وأشعته الباقية، واستمداد أسبابه ووسائله.

ولم يكن خلوص العبرة إلا علامات يدركها أولو النهى، غير أنها تتفوّت على أصحاب الشواغل الدونيّة، الأرضيّة، في حين يدرك حكمتها وحكمها أصحاب العقول والأرواح، ويخفق في إدراكها لا محالة من شغلته الأوهام والأشباح.

على أن ثورة الروح بكل تأكيد علامة ارتقاء العقل وارتقاء الفكر وارتقاء القلب والضمير، ودلالة التمسك الواصب بقوانين الملأ الأعلى، لأنها ثورة من عند الحق بإزاء الباطل، مقصودة. والجهاد في سبيلها هداية إلى الحق من أقرب طريق :” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلُنَا”. لكن ثورة الباطل في المقابل مهما طالت واستطالت فهى في نهاية المطاف تنعكس بالسلب على أصحابها، ولم تكن مسائل المصير الإنساني برمتها إلا الصدى المباشر لذلك الانعكاس.

الثورة بهذه المعالم في أجلى مظاهرها خاصَّة قرآنية، ذاتية هى، ولا جرم في وجودها ضمن الخواص الذاتية للقرآن، ومن أهم معالمها الاستقامة المقرونة بالتحدي: تحدي الباطل، وتحدي الشر، وتحدي الآفات والرذائل، وتحدي الضعف والخنوع والتكاسل والتقليد. وما أكرم الصلة الوثقى بين الاستقامة على الأمر الإلهي والحرية الحقيقية ..
ما أكرمها!

فالاستقامة تعتمد على مضمون ديني، تستند إليه وتأخذ منه وتعطي صاحبها على أساسه، أي تعتمد على الكتاب الكريم وسنة رسول الله، صلوات الله عليه، فيما خاطبه الحق تعالى (واسْتقم كما أُمِرْت)َ؛ وهذا عندي هو ما يميّز الثورة في القرآن كونها خاصّة ذاتية دالة عليه.

ويتأسس مبدأ الحرية على تحرير الإنسان عن كل نوازع الشر والحيوانيّة واتصاله بمصادر الإلهيّة فيه، فلن يكون إنساناً، وهو يُعطي الفرصة سانحة للأغيار أن يدفنوه حيّاً بين صراعاتهم ومكاسبهم ودحرهم للقيم الإنسانية العاملة، أو لنزوع حيواني يفعل فيه هو نفسه الأفاعيل، ويُرْديه صريعاً مع الأهواء القاتلة تغالبه ويغالبها؛ فلا ينتصر عليها إلا بمقدار ما لديه في الغالب من حكمة : إخلاص المرء لعقله، وبذله الجهد للتفكير بنفسه، هنالك تتجلى قيم الحرية في أعلى مستوياتها، إنها (أي الحريّة) ازدهار العقل في أنفسنا، وهى أيضاً تربية وإصلاح لغيرنا؛ لأن الحريّة الشخصية لا تنفصل عن حرية الغير؛ فكما تطالب بالحرية لنفسك، فليس من حقك أن تجور على حرية الآخرين، أو تقلل من شأن هذه الحريّة لهم، وبما أن للحرية متنفّساً عاماً وإنسانيّاً، فالعبيد وحدهم هم من يضيّقونها ويذلّون الإنسان بحرمانه منها.

في سبيل الحرية إذن؛ ذلك اللّحن الشّجي النّدي؛ بذل الباذلون وسعهم وأكثر؛ لمعرفة سرّ الإنسان، ولا يزال أمام الإنسان شوط واسع المدى كيما يتحرّر ويقف بالمجهود أمام نفسه أولاً؛ ليعيش الفكرة في بعدها العملي التطبيقي واقعاً محققاً بالفعل.

وفي طريق الحرية الإنسانية كان الإيمان بالروح هو أول خطوة صحيحة؛ لأنه هو أول من عَلّم الإنسان التبعة “وإنّ كل نفس بما كسبت رهينة”. وهذا هو أساس التكليف وأساس الحقوق إذا حَسُن استخدام التكليف مع الإيمان بالروح.

ليس هذا فقط، ولكن الإيمان بالروح يُوحي إلى العقل عقيدة المساواة بين جميع الناس أمام الله وأمام شريعة الله. وبفقدان هذا الإيمان الروحي تفقد المجتمعات الإنسانية شريعتين مهمتين أولهما : شريعة التكليف الذي يأتي من طريق التبعة. وثانيتهما : شريعة الحقوق التي تقوم عليها الديمقراطيات الحديثة اليوم.

ومع فقدان الإيمان بهاتين الشريعتين يفقَد الروح الإنساني حريته على الإطلاق؛ ويفقَد معه الدلالة على وجوده، فيكون عرضة لسفه الأخلاق ونذالة السلوك وإنبات الشرور وضلالة المعتقدات ونزع الإنسانية من المجتمعات.

والأصلُ في هذا هو غياب الاستقامة على الأمر : أصل الإيمان الروحي وأصل الجهاد في سبيله مشروط بشرطه لا يتعداه إلى سواه. وبفقدان أصل الاستقامة يفقَد الخُلق الإنساني وجوبه في الحياة كونه واقعاً فيها مُحَقِقاً لوجودها.

لم تشيّب هود، سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، من فراغ، ولكن لتعذر الاستقامة على الأمر؛ ولصعوبة تحققها؛ ولكشفه، صلى الله عليه وسلم، حقيقة الأمر على ما هو عليه.

وقد تظل العلاقة بين الحرية والاستقامة أظهر العلاقات ذات الروابط المشتركة المعقدة، تعطي الأولى مساحة لتحديد الفعل الإنساني على شرط الاستقامة، وتأخذ الثانية نشاطها في ظل الحرية، فليست الحرية فوضى قادحة في الفعل الإنساني ناكبة الطريق إليه، ولكنها ملكة عقلية تنتظم السلوك المقرّر وفق شرط الاستقامة.

وإذا انفصلت الاستقامة عن الحرية وعملت هذه الأخيرة عملها بغير حدود ولا شروط، وبغير قواعد يتأسس الفعل عليها في العقل الإنساني، أصبحت فوضى ولها بالفوضى نسب عريق، وصارت بعينها هى القيد الذي يحدُّ من عمل الإنسان ويعوق حريته إلى منتهاه؛ إذْ يصبح من الواجب عليه كسره وتجاوزه إلى حيث الاستقامة.

فالفارق كبير جداً في مجال القيم بين القيود الحاجزة عن العمل، الحاجبة للحرية، وبين القواعد التي تتأسس على فعل الاستقامة كونها التزماً يُقَرَّر في جوف الضمير. الأولى كسرها والارتفاع عليها واجب. والثانية؛ لأنها بنت الاستقامة؛ فالالتزام بها شرط العمل النافع والإرادة الفاعلة في كل حال.

الحرية ليست فوضى ولا هى بالقيد، ولكنها تصبح فوضى في إطار العمل الفاسد مع غياب الاستقامة؛ تصبح عبودية؛ لأنها تحوّل الفعل الإنساني من القاعدة إلى القيد : من حالة الالتزام الذي يصدر عن الاستقامة، وهو هنا القاعدة، إلى حالة القيد الذي يفرضه التحجير كما تفرضه العبودية بكل أطيافها وألوانها، وهو هنا دعوى الحرية بغير قواعد من شروط الاستقامة على الأمر.

في الحالة الأولى : يكون النشاط الإنساني مدعاة للفوضى والتخريب تحت اسم الحرية؛ لأنه عبودية لا يصدر عن قاعدة ولا عن استقامة.

وفي الحالة الثانية : تتصدَّر الاستقامة حرية الالتزام وفق مقرراته؛ فيجيء الفعل الإنساني نشاطاً مثمراً نافعاً بكل تأكيد. وقس على هذا المقياس كل صنوف النشاط الإنساني في مجال القيم، وفي مجال الحياة على كافة أنشطتها الفعالة.
حقاً صدق الله العظيم (واستقم كما أُمرت)
(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

L’image contient peut-être : 1 personne, lunettes

Author: ساميه الشرايبى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *