Share Button

 

بقلم : د. مجدي ابراهيم

يتوهم كثيرون من الناس أنهم على النقيض من إننا بإزاء طريق مغلق، إذا نحن صرنا نحو التقدم والظفر بمكانة بين الأمم؛ فكيف ينفتح أمامنا هذا الطريق، ونحن في الأصل منغلقون في الباطن، مطموسون في رؤية الوعي الداخلي بذواتنا، فلا نتحرك، فلكأننا لا نريد، ولا تدفعنا هذه “الذوات” إلى الأمام بل هى نفسها العراقيل الحاجبة التي من شأنها أن تعوق تقدمنا وتحجز ظفرنا بالسيادة فيما لو أردناه، تماماً كما أعاقت آباءنا، وحجزت ظفر أجدادنا في العهد القريب.

صحيح أن الطريق إلى التقدَّم (والتقدّم الفكري خاصّة) مرهون بالثورة الروحية الداخلية، تثور في الحق والصدق من أعمق الأعماق؛ لتفتح مغاليق تلك الطلاسم الإنسانية الموجهة نحو غايات ترابية ليس إلا، ليتجاوز الإنسان بمقتضى الثورة فيه مقررات الرؤية السطحية إلى الأمور، إلى العمق الجُّوَانيِّ الغائر الدفين. ولكن من جهة أخرى، لن تقوم لهذه الثورة الروحية قائمة؛ ونحن مسلطون بعضنا على بعض، ناظرون على الدوام إلى ما من شأنه أن يشبع فينا البطون والأبدان، لكأننا خلقنا في هذه الحياة لنهيم فيها هيام السَّوَائم على غير هداية من معنى الوجود والكرامة، وتحقيق القيمة في هذه الحياة.

ومن المحقق عندنا أنه بغير الفضيلة الروحيّة الباقية وتزكية الوعي الإنساني في دخائل الإنسان العربي لن تستقيم طريقة واحدة من طرق الإصلاح الذي نزعم أننا نرجوه محققاً في الداخل؛ وفي الداخل فقط، ونرفضه بالقطع إذا هو جاءنا من الخارج.

كيف يقوم الإصلاح – كائناً ما كانت توجهاته – ونحن ممزقون مشرذمون لا نقوى على فعل الإرادة، ولا على احتمال ما يطرأ عليها من عوارض الهدم والانحلال. إنها آفة الإنسان المتخَلّف في كل مكان: ألَّا يقتدر، وألَّا يعتزم، وألَّا يصمد، وألَّا يتخلق بأخلاق الكرام، ثم يزعم – على البجاحة – أنه من أولئك المتميزين القدراء الأبطال !

للوقوف على مصدر القوة فينا ينبغي علينا إزاء التحديات التي تواجهنا أن ندرك أن القوة لا بد لها من “فكرة” موجهة تسيطر على الأذهان بمقدار ما تسيطر على الضمائر والقلوب. إن القوة الروحية في الحق هى المطلوبة، لأنها قوة الإسلام وحضارة الإسلام.

ما في ذلك شك أن حضارة الإسلام تركز على أساس روحي غير الأساس الذي ترتكز عليه حضارة الغرب. ولن تكون هناك في الحق قوة غير مطلوبة ما دامت في ذاتها ساعية إلى تحقيق “الحق” الذي لا باطل فيه؛ لأن القوة الخلقية التي ننشدها هى قوة الضمائر والقلوب، وهى قوة العزائم الماضية التي يقرَّ المرء بوجودها وفاعليتها في الدين والحضارة والقيم الإسلامية، ولا يتصور غيابها إلا وينتكص ويتردى إذا هو أراد لنفسه مكانة، ولأمته ريادة بين أمم العالمين.

(وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية وغياب تلك القوة الروحية وغياب الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف.

ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي كما يقول الدكتور هيكل في (حياة محمد). أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟! إنما السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب) (أ. هـ).

تلك هى – كما ترى – ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم.

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصورها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم “الوجود الروحي” في الإنسان على التعميم.

من أجل ذلك؛ ينبغي أن تكون “القوة” هى هى الحقيقة بكل سلام نسعى إليه ظاهر أو مطلوب. قالها شاعرنا العربي الممرَّس على فن القول نقداً لسعي العقول العربية سعي التخاذل والنكوص؛ حكمة ما أحرانا اليوم إلى ترديدها وتمثيلها في زمن التخلف والانكسار والانهزامية والعدوان:

خلاصةُ القضية تُوجَزُ في عبارة
لبسْنَا الحَضَارَة والرُّوح جَاهليَّة

أي نعم ! لبسناها قشرة خارجية لم تتغلغل فينا إلى الأعماق: تلك هى الحكمة التي تقرَّرت في وعي الأحداث بالعقول العربية : طبيعتها ومداركها وأصولها الثقافية والمعرفية، واهتماماتها الفكرية والحياتية ونبض الوقائع عليها؛ فهذه الحكمة – مما لا ريب فيه – هى التي تعكس وعي العقل العربي وطريقة تفكيره التي أثبتت الأيام قله نفعها أو بتعبير قدماء الفلاسفة مما ورد عن ابن رشد قلة “نزوعها إلى الصناعة”؛ وعدم جدوى تمثلها إلى القوة والمنعة والعدالة والإنصاف.

ولو كان هذا العقل أمتلك بادئ ذي بدء قدرة على الفاعلية النقدية لطريقته في التفكير، ولآثاره في الصناعة التي ينزع إليها بمختلف ألوان النزوع على شتى طرق التحصيل يرومها من وراء العلوم والمباحث والنظريات؛ لكانت رؤيته الآن غير رؤيته في أزمنة مضت وأيام سلفت، ولكنه في الواقع عقل غير معقول الرؤية، يفتقر إلى معقوليَّة النظرة النقدية ومرجعية الإدراك، ويسمح بتداخل الأنماط اللاحقة عليه من مختلف نواحي النظر غير المعقول، لا لشيء إلا لأنه كان تعوَّد منذ البداية؛ مما كان قد لحقه من اختلاط القيمة بالنقيصة والرأي بالهوى، على لا معقولية النظرة المنصفة، تماماً كما تَعَوَّد أن يكون لإدراكه شيءٌ من العبث الذي يثقل كاهل العلماء والمفكرين بإزاحة أستاره من أجل وضوح الرؤية.

وإذا أردنا أن نبتغي “إصلاحاً” عاماً على الحقيقة لا من طريق المجاز، فوق ما نريده من الإصلاح “الفكري” على وجه الخصوص، علينا أن نحدِّد عوائق تقدُّم العقل العربي بدايةً قبل الدخول في مسألة إصلاحه، بمعنى إزالة هذه العوائق قبل غَرْسِ الجديد، أي إزالة ما لا ينبغي، تهيئة واستعداداً لما عَسَاه ينبغي، وذلك لأن كلمة “الإصلاح” كلمة جليلة مُهَابَة لا يقْدِم عليها سوى الأبطال، تعبَ المفكرون في تنظيرها وتوالت معطياتهم فيها عبر تاريخ الوعي العربي تترى من أجل خدمة أوطانهم ومعتقداتهم، ولكي يحفظ التاريخ آثارهم في الفكر والواقع، وفي تنظير الفكرة الإصلاحية، وتقنين مستوى الأداء على ذلك الواقع الذي يأملون تغييره، فيحوّلون زاريا السلب فيه إلى مزايا الإيجاب.

ولعَلَّ أول العوائق التي تعوق العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو: ضبابية اللغة التي تكرس ضبابية الفكر من الوهلة الأولى، ثم التعبير عن هذا الفكر بلغة معقدة اصطلاحية جافة منقولة من الغرب لا هى بغربية أعجمية صرفة، ولا هى بعربية فصيحة قُحَّة، لا روح فيها ولا إحساس، لغة مُرَقّعَة أو قرعاء تصيب العقل بالغيبوبة الفكرية، ولا تقدمه قيد أنمله نحو هدف الفاعلية التطبيقية، يستخدمها بعض المثقفين ليُقال عنهم جهابذة متفردين في تخصصاتهم ومطالعاتهم لكتب الغرب واصطلاحات كُتَّابه النّوَابِه!

فلئن أفادت هذه اللغة بعض المتخصصين بين قاعات الدرس، فهى لا تفيد المجموع العريض مِمَّن يُراد لهم أن يفهموا، وأن ينهضوا، وأن يتقدموا، وأن يتحدوا، بل على العكس تصيبهم بالإحباط والتراخي ثم العزوف عن القراءة والتحصيل. هذه اللغة القرعاء تدلُّ من أول وهلة على أن الفكرة التي تريد توصيلها، والرسالة التي تنهض من أجلها هما كذلك فكرة قرعاء، ورسالة قرعاء.

وإذا قطعنا النظر عن الترقيع في التعبير والتفكير عرفنا الفكرة إنْ هى إلا خاطر يخطر، ويتفاوت قوة وضعفاً حين يخطر، فإذا وجد هذا الخاطر مدداً من الألفاظ الدالة على خَطْرَته، صيغ بوضوح نفهم منه دلالة الفكرة في رحم العقل. أما إذا عبَّرتَ عن خواطرك بقلق واضطراب فيما تريد أن تعبِّر عنه من خواطر جاءت أفكارك وكأنها لا تمتُ إلى عالم التفكير بصلة، لكأنك التقطتها التقاطاً من ألسنة الناس وأفواه المتحدثين (كالثقافة الشفاهيّة لا تستند إلى حصيلة فكرية مقرَّرة بآثار التدوين)، غير مشيرة إلى ذات نفسك، ولا هى ماضية حسبما تريد إلى غايتها في باطن النفس كما أردت لها أن تكون؛ لأن قلق التعبير واضطرابه معناه قلق في التفكير واضطراب في تصورات الإدراك الذهني.

ونقطة أخرى نجليها في هذا الصدد وترتبط بقمة العمل الإبداعي، وهى أسبقية الشعور على الفكر؛ إذْ لولا فيض الشعور بحركة الانفعال ما كان هنالك إبداع أصلاً، وعلى الشعور يستند الفكر عندنا، لا العكس؛ فكم ألهمت العواطف والوجدانات كبار الكتاب صوراً ساحرة وألهمت الشعراء تشبيهات بديعة وأخيلة فاتنة خلابة، ربَّما ينتهي التفكير دائماً إلى لغة، هذا صحيح، بل لا سبيل إلى المنطقي والسامي منه بدونها، لكن التفكير نفسه يستند إلى فورة الشعور ودفقة الوجدان، ولا يستند الشعور على الفكر عندنا أبداً، وقديماً قال أفلاطون:” إنَّ التفكير كلامٌ نفسيِّ “، أي شعوري.

وهو ما أصابه الشاعر العربي تعبيراً صادقاً وحكمة جلية ساطعة بقوله:

إنَّ الكَلامَ لفي الفُؤَاد وإنَّما
جُعِلَ اللَّسَان على الفؤاد دَلِيلَاً

كل ما هو في الباطن من حوافز شعورية، هو بمثابة الأصل الأصيل، تقوم عليه عناصر اللغة: وجدان وعاطفة، وفكر ورأي، وبيئة ومجتمع، ومدلولات ودوال.

أي نعم! قلقُ التعبير واضطرابه معناه قلقٌ في التفكير واضطراب لاشك في الإدراك الذهني؛ إذْ مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ، كما يقول الشيخ زرُّوق في “قواعد التصوف”، فلزم ضبط المعاني في النفس (أولاً) ثم ضبط اللسان في الإبانة عنها، والأصل المتكلم في الأول أصلٌ في الثاني؛ فمن هذا الوجه وضع الأئمة لحن العامة، ونبهوا على وجوه الغلط في العبارات. وربما كفِّر وبُدِّع وفسِّق محقق لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشَّبَه، وأكثر ما وقع هذا الفن – على حد تعبير الشيخ زَرُّوق- كان للصوفية حتى كثُر الإنكار عليهم أحياء وأمواتاً. وربَّما قُبِلتَ الحقيقة من رجل، ولم تُقبل من الآخر، بل ربما قُبلت من شخص في وقت ورُدَّت عليه من آخر، وذلك لإتحاد لفظها ومعناها.

هذا دليلٌ يعطيه الشيخ زَرُّوق على أن قلق التعبير يحمل مساحة كاشفة عن اضطراب الباطن وتوتره، فيؤدي اضطراب الباطن إلى اضطراب الإدراك وتوتر الإفصاح. وعليه؛ يلزم ضبط المعاني في النفس أولاً، فإذا غَابَ الإلزام ووقع الصوفية في هذا الجانب من غيبة ضبط المعاني؛ فلتجاربهم الروحيّة مع الواحد الحق، وإنها لتجارب يَلزَم عنها التوتر كما يلزم الاضطراب. وإنه ليتحفنا بنص آخر له دلالاته في هذا المساق من حيث ارتباط اللفظ بالمعنى فيقول:” يُعتَبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ؛ فكلِّ طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني وكل طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيداً عنه، ومن اقتصر على فهم ما يؤديِّه اللفظ من غير تَّعمُّق ولا تتبُّع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإنْ أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق؛ إذْ العلوم إنْ لم تَكُنْ منك ومنها، كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال، ومنها بلا منْكَ مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: قِفْ حيث وقفوا ثم سِرِّ ..!”.

قِيمةُ اللفظ في أصالته ومعناه، وهو مع هذه الأصالة وذاك المعنى يُسَاير في الوقت نفسه عمليَّة التفكير. ومن التفكير العالي والراقي والمستنير ما يحتاج إلى ألفاظ خاصَّة (دالة) كيما تعبَّ فيها دلالات الوعي وأنشطة الفكر، ووهج العناء فيما تمخَّض عنه عقل المفكر وذوق البصير حين فكر كلاهما وأراد التفكير والتعبير.

والأمر الثاني الذي نراه عائقاً من العوائق التي تعوق مسيرة العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو غيبة الإدراك للطريق إلى معرفة النفس، ومن ثم غيبة السعي فيه. والطريق إلى معرفة النفس ليس هو الطريق الذي يترائى لكل إنسان ولا لأي إنسان؛ فمعرفة النفس طريق معرفة الرَّب بغير مُنَازَع، ولكنه الطريق الذي يحمده كل إنسان يصلح لمعنى الإنسانية ويحملها حقيقة بغير مجاز واقعة حاضرة في جوفه.

مَنْ مِن الناس يجزم : أن معرفة النفس طريق سهل في جميع الأحوال أو في بعض الأحوال؟ إنه لمن الصعوبة بمكان معرفة الطرق التي نعرف بمقتضاها أنفسنا؛ إذْ أن معرفة النفوس لذواتها تقتضي مشقة “الجهاد”، وليس الجهاد في كل الأحوال بالأمر المتاح؛ لأنه يعدُّ النفس إعداداً لأن تقف وجهاً لوجه أمام رغائبها وشهواتها ورعوناتها وملذاتها، ثم يأمرها أن تتخلى عن ذلك كله أو بعضه؛ عَسَاها بما تفعل، تدرك أنها بلا شك مأمورة من قبيل العقل والإدراك العلوي بأوامر صارمة قلَّ أن تمكنها بالانصياع إلى ما تحب وتهوى من فنون التضليل.

وأحياناً كثيرة تكون النفس مفتونة بكل ما تأتيه من أعمال وأقوال؛ فلا يعز عليها شيء قط مقدار ما يعز عليها ويؤلمها “قانون الاحتجاب”. وقانون الاحتجاب هذا لهو أوفر ما يخلص النفس من أدرانها وآفاتها ومن مثالبها وسيئاتها، فهو قانون الإرادة الدامغ وقانون العزيمة، لا تحتاج النفوس في تقويمها أكثر من التشبث بهذا القانون سلاحاً تتخذه ضد عوامل الضعف والخنوع والاستسلام وحيث هى أرادت صادفها قانون الاحتجاب، فحجب عنها الهوى، وأوقفها أمام ذاتها مجردة عن ملابسة الأهواء، وحيث هى نزغت تولاها هذا القانون بالردع والتقويم والاحتجاز.

ولكن الضعف أمضى فتكاً بالنفوس من هذا القانون أحياناً كثيرة، تستمرئ النفس فيه ضعفها وخنوعها ولذائذها، ولا تقوى على فعل شيء من عمل الخيرات، كل ما هنالك أنها تقف خانعة مستسلمة أمام بطش النزوات، وكلما عالجتها بشيء أقرَّت فعل هذا الشيء وهناً في غير احتساب، وسَوَّفت، وماطلت، وأوهمت صاحبها أوهام الخذلان في كافة الأحوال . ومن ها هنا؛ كان الطريق إلى معرفة النفس ومعالجتها العلاج الناجع أمراً بالغ الصعوبة. مَنْ ذا الذي يقتدر في نفسه على مواجهة الحقائق الناصعة ثم لا يدكدك فيه الهوى القدرة على المواجهة؟ ومَنْ ذا الذي يصوم بعض الدهر لا كله عن النوازع والرغائب والمشتهيات، ثم لا يجد في نفسه أعنف آيات التمرد والعصيان؟

إنّ الحرية الحقيقية هى حرية الروح في إدراك قوتها وسيطرتها على الأبدان؛ فما لم تكن في ذاتك قادراً على التحرر من أوهام النفس وجبروت الهوى فلن تكون حراً؛ فبمقدار حريتك عن الانسياق وراء أوهام النفس، تتحدد فيك المسئولية؛ إذْ معنى كونك حراً إنك مسئول مسئولية كاملة عن كل فعل وكل قول وكل حركة وكل تصريف.

وقديماً قال ابن رشد: “إن قطع الشهوات شرطٌ في صحة النظر”، وليست الشهوات قاصرة على الشهوات الحسية فقط، بل ينضاف إليها الشهوات المعنوية وحظوظ النفس؛ وما أكثرها جناية على بني الإنسان.

ومن أجل ذلك؛ صار قهر نوازع النفس يورث بالضرورة صفاء العقل، وعلى صفاء العقل تتحدد المسئولية. والعقول التي لا يتقرر فيها وعي المسئولية هى العقول التي تلبست بأمراض النفوس المستشرية لدى أصحابها، فوقفت أجوافها المسمومة بأمراضها اللعينة إزاء صفاء العقل، فأظلمت رؤيته الواضحة أو التي يُفترض فيها مسبقاً أن تكون واضحة، ثم تلبَّدت غيوم الحقيقة فصارت الغشاوة “جوانيَّة” قبل أن تكون “برَّانيَّة”: داخلية قبل أن تكون خارجية، باطنة خفيّة قبل أن تكون ظاهرة جلية، وغابت في هذه الظلمة النفسية الحالكة معالم المصارحة والشفافية بغياب الحريات بصفة عامة، وحرية التعبير ومن قبلها بالطبع حرية التفكير.

وينعكس ذلك كله على تلك الأحوال المتردية في الواقع الفعلي، فترى البلاد العربية تنطبع بطابع الاستبداد والاستعباد والقهر والتسلط، ويسهل بالتالي لانتشار الفساد، وشيوع قنواته المنظمة، ثم عبادة الاستبداد وتضخم الأنانية البغيضة؛ كل قوانين “الغاب” لتصل شعوب المنطقة في النهاية إلى حالة الانهيار والفقر والعوز والتخلف والعدوان ثم والحرمان من أدنى الحقوق كما هى عليه الآن.

هذا الضعف الروحي يقهر العقل العربي لا محالة، وهذا الفقر المعنوي يسلب من الوجود العربي أعز ما يملك، ويجعله فريسة سهلة أمام من يفتك به أو يريد الفتك به، ليكون؛ وهو في قبضة الاحتلال الأجنبي؛ سيادته مفقودة، وكرامته مهدرة، وإهانته متعمدة، وإذلاله واقع أسود ومرير؛ أوَ نَنْسَى ما كانت تفعله القوات الأنجلو – أمريكية مع العراق بداية من تعمد إذلال النساء علناً، والرجال، وبصورة قبيحة كما جرت قبل سنوات في “سجن أبي غريب”، وانتهاءً بتعمد ترويج الإهانة كما ظهرت في قصة الاعتداء الجنسي على الرئيس صدام حسين !

وعلى أيه حال؛ ما كان ممكنا أن يحدث ذلك كله لولا الذي فعلنا نحن بأنفسنا؛ وإنه لمن الوهم العالق في الرؤوس المطموسة بما تمدها شراهة النفوس الطاغية؛ أن يتصور البعض منَّا إن الإصلاح يجيء دائماً مبتعثاً من الداخل في غير وعي من جانبه لمعنى هذه الإشارة ومرماها، إذْ كيف يجيء الإصلاح من الداخل والنفوس في الغالب خربة، والضمائر تلفانة، والأفئدة من جراء تعلقها بالزائل في كل حال، خواء في هواء لا تقوى مطلقاً على النهوض بالعبء الوطني، والعقدي، والفكري، والثقافي؛ وسائر الأعباء المفروضة عليها لا من الخارج، بل من قبل الواجب الخلقي على أقل تقدير.

يتوهم كثير من الناس أن نشدان الإصلاح في جميع مرافق الحياة، لهو الأمر الذي نرمي إليه في مستقبل الأيام الجديد؛ وبخاصة إذا جاء الإصلاح مفروضاً من الخارج، تراهم على صوت رجل واحد يجمعون على أن الإصلاح يبدأ من الداخل.

وهذا صحيح، ولكن لِمَ لَمْ يؤخذ ممحصاً في الاعتبار أن معنى كون الإصلاح إذا هو بدأ من الداخل أن تجيء معه النفوس في مجملها وتفاصيلها على استعداد نقيِّ لتلقيه؛ وإنها لبالفعل صادقة على أهبَّة الإخلاص في السعي فيه؛ وإنه إذا لم تكن في توخي عملية الإصلاح برمتها (أي سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، وخلقياً) على ذلك الاستعداد في الإخلاص، وقعت لا محالة في مفارقات عجيبة تواجه الباطن العميق والبنية الجُوَّانيَّة قبل أن تواجه الظاهر المرئي والقشرة السطحية والغلاف البرَّاني.

عائقان أحدهما ظاهر والآخر باطن، في نفس الوقت يحجزان العقل العربي عن المضيء قدُماً نحو فريضة الإصلاح. الأول: اللغة المتردية والإسفاف فيها، ثم تشجيع الابتذال وتكريم المبتذلين لكي يخربوا العقول ويفسدوا الضمائر تحت اسم “التجديد المختلق”، ثم تمنح لهم الجوائز نظير الفساد والتخريب!

والثاني: وهو الأمر الباطن: وجوب معرفة النفس وتنقية الضمائر لتكون جديرة بتحمل التبعات. لا إصلاح بغير التنبّه المقصود لهذين العاملين، ولا تقدُّم للعقل العربي مطلقاً وهما خاملان لا ينشطان. أبدئوا بالتربية الروحية والعقلية قبل أن تشرعوا في محاربة الفساد من مؤسساتنا المعنية.

لأجل هذا – لا قبل هذا – فلا يتمَّ الإصلاح وعالم الإنسان الداخلي مصاب بلوثة فكرية وروحيَّة، يطفح بالوهم والمرض والاتّسَاخ وسائر ألوان الآفات؛ فتغيير النفوس، من ثمَّ، إذا لم تكن هنالك تربية روحية جادة وفاعلة، يكاد يكون من أمحل المحالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *