Share Button
بقلم / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الرابع مع المسلمون وحضارة الإنسانية، ونراه يقول ومبدأ العلم أن نستأنف النظر في مباديه ومقدماته، ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، وتمييز خواص الجزئيات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس، ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدرج والترتيب، مع انتقاد المقدمات، والتحفظ من الغلط في النتائج، ونجعل غرضنا من جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي يقع عندها اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتحسم بها سوار الشبهات.
ويتبين لنا كذلك أن الشروط التي أوردها الإمام الشافعي للقياس في حد ذاتها معايير أخلاقية، حيث يقول “وفضلا عن معرفة القائس بالكتاب والسنة، يجب أن يكون عالما بما مضى قبله من سنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، غير متعجل بقول، وألا يمتنع عن الاستماع لمن خالفه، وأن تكون دراسته العملية مصاحبة لمعرفته النظرية، فأما من تم عقله، ولم يكن عالما بما وصفنا، فليس له أن يقول بقياس، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوق، ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بطريق المعرفة فليس له أن يقول أيضا بقياس” وبذلك يكون استحالة التناقض بين القيم والموضوعية، فالقيم الإسلامية الأخلاقية هي التي قادت العلم نحو مزيد من الرقي والتبصير.
ويعتبر القرن التاسع الميلادي له أهميته في ثبت الحضارة الإسلامية المتنامية، لأن أعمال العلماء المسلمين كانت رائعة وكانوا رجال علم متميزين وكان المأمون الخليفة العباسي العالم المستنير يحثهم على طلب العلم، وقد أنشأ لهم بيت الحكمة لتكون أكاديمية البحث العلمي ببغداد تحت رعايته الشخصية، وأقام به مرصدا ومكتبة ضخمة، كما أقام مرصدا ثانيا في سهل تدمر بالشام، وجمع المخطوطات من كل الدنيا لتترجم علومها، وكان يشجع الدارسين مهما تنوعت دراستهم، وحقق بهذا التوجه قفزة حضارية غير مسبوقة رغم وجود النهضة العلمية وقتها، وهذا ما لم يحدث بعد إنشاء جامعة ومكتبة الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، وبأنشاء مرصد تدمر قام الفلكيون والعلماء بتحديد ميل خسوف القمر.
ووضعوا جداول لحركات الكواكب وتم تحديد حجم الأرض، وقاسوا محيطها وقطرها وهذا يدل على أن العرب كانوا على علم وقتها، بأن الأرض كروية قبل كويرنيق بخمسة قرون، وفي عصر المأمون عمل الفلكيون في تدمر على وضع خريطة للأرض وأثبت علماء الفلك دورانها وقياساتهم تقريبا لها تطابق ما قاسه علماء الفلك بالأقمار الصناعية، وأنهم كانوا يعتقدون خطأ أنها مركز الكون، يدور حولها القمر والشمس والكواكب، وهذا الاعتقاد توارد إليهم من فكر الإغريق، واكتشفوا الكثير من النجوم والمجرات السماوية وسموها بأسمائها العربية التي ما زالت تطلق عليها حتي الآن، وكانت كل الأبحاث في الفلك والرياضيات قد انفرد بها العلماء المسلمون وقد نقلوها عن الهنود.
الذين قد ترجموها عن الصينيين للعربية وقاموا بتطويرها بشكل ملحوظ، وأما عن التجربة والإبداع فقد يكون اكتشاف العلاقة بين النظرية والتجربة هو الذي نقل المنهجية الإسلامية والإنتاج الفكري من مرحلتي الأخذ والتمثل إلي مرحلة الإبداع التي بدأت في أواسط القرن الثالث الهجري، وبالرغم من أن مرحلة الأخذ والتمثل يفترض فيها ندرة الإبداع فإن علماء المسلمين تمكنوا من تأسيس علم لقياس الشعر، وهو علم العروض، وتطوير علوم اللغة والنحو، فضلا عن تلك الكتلة الضخمة من الاصطلاحات الكلامية والفلسفية وعلم أصول الفقه، ونشأة علم الكيمياء، كما اعتبر الجبر علما مستقلا لا كفرع للأعمال الحسابية، كما وضعت طريقة لقياس محيط الكرة الأرضية، ويلاحظ أن أكثرية هذا الإنتاج الفكري يغلب عليه القياس والمنهج الاستنباطي.
Share Button

By ahram masr

جريدة اهرام مصر .موقع ويب اخبارى واعلامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.