Share Button

 

بقلم … محمـــــــد الدكــــــــرورى

بين أيدينا حديثًا عظيمًا قرر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهاجًا للمؤمن يجد معه السعادة والطمأنينة ويزوده بطاقة نفسية وأسلوب منهجي في التعامل مع هذه الحياة؛ لأن الإنسان لا يسلم من تقلباتها، ولا من تغيُّر الأحوال فيها، ولا من أنواع النقص في أعطافها، ولكن حينما تأتي النظرة المتوازنة فإنها تغير الأمور السلبية إلى إيجابية، وتغير الأفكار المتقاعسة المحبطة المتشائمة إلى أفكار ومنطلقات متفائلة؛ تصنع من النقص كمالاً، ومن الخطأ صوابًا، ومن التعثر استمرارًا ..

فقد جاء في ما رواه سلمة بن عُبَيْد الله بن محصن الخطمي عن أبيه، وكانت له صحبة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” من أصبح منكم آمنا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه – فكأنما حيزتْ له الدنيا “؛ هذا الحديث رواه الإمام البخاري .

فالنبي صلى الله عليه وسلم يلفت نظر المؤمن: أنك وقد أصبحت واستقبلت يومًا جديدًا على إيمان بالله جل وعلا؛ فأنت بعد ذلك في عافية وخير، ولكن انظر وتأمل في الأمور التي عليها عماد حياتك؛ لأن الشريعة لا تفصل أمور الدين عن الدنيا، ولا تجعل من الإنسان شخصًا متقشِّفًا، لا ينظر إلى الحياة ولا يعمرها، ولا تفصل الشريعة أيضًا عن المشاعر النفسية التي لها أثر عظيم في المنطلقات الحياتية ..

فهنا يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أهل الإيمان يخاطبهم لتكون عندهم المشاعر الإيجابية ليتغلبوا على ما قد يعرض لهم من المحبطات؛ لأنه لو فتَّشْتَ لن يخطئ نظرك أحوال كثير من الناس، بل حالك أنت كذلك، وفيها ما يعطب ويجعل الإنسان يتخلف عن السير في الحياة سيرًا حثيثًا كريمًا، يعمر معه ويبني بداره الآخرة قبل داره الدنيا.

من أصبح منكم آمنًا في سربه، قال العلماء: (في سربه)؛ يعني: في نفسه، وقيل: السرب هو الجماعة؛ يعني: في أهله وعياله، وقيل: (في سربه) ضبطت (في سَرَبه)؛ يعني: في طريقه ومنهاجه، وأيا ما كان الأمر فالمقصود أن الإنسان إذا حصل الأمن في داره وأهله ومن حوله، وهذا يقتضي الأمن بكل معطياته:

الأمن على وجه الخصوص، الأمن الجنائي، الأمن العام الذي يطمئن معه الإنسان على حياته وروحه وعرضه وماله على ما حوله، وهذا حاصل بالتأكيد؛ فهي نعمة عظمى، ومنحة كبرى؛ إذا تحولت عن قوم ذاقوا معها ألوان البؤس والضر …

“من أصبح منكم آمنًا في سربه” لقد حدَّث عدد من الناس عن أحوال اختلال الأمن وكيف تصبح الحياة معها جحيمًا، وكيف يكون معها عدم استطاعة إقامة الناس لشعائرهم، لقد عُطِّل بيت الله الحرام من الحج في أحوال مضتْ، بل وعطل من الصلاة أيامًا عديدة في أيام مضت؛ لما أختل ركن الأمن، وليس بجديد حينما يُتحدَّث عن أن الناس من قبل كانوا إذا أرادوا الحج إلى بيت الله الحرام ودَّعهم أهلوهم؛ لأنهم يغلب على ظنهم ألا يعودوا؛ لأنهم إن سلموا من معاطب الطريق وأحواله، لم يسلموا من قطُّاع الطريق، حتى هيئ الله أمن السبل.

(من أصبح منكم آمنًا في سربه معافى في جسده) نعم، إن العافية نعمة عظمى لا تقدر بقدر، ويبين هذا أن الإنسان إذا تعطلت وظائف الأعضاء عنده كم يكون متحسرًا؟ وكم يكون حاله متغيرًا، بل إن بعض من يحصل لهم هذا الحال – إذا تعطلت وظائف الأعضاء، واختل بناء الجسم في صحته وعافيته – يتمنى الموت، ويقول: مرحبًا بزائر غير مرغوب فيه، لكن الموت يشعر معه أنه أهون عليه من ما حصل له مع تعطل وظائف أعضائه واختلال بنائه.

وهذا هو السر في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو بحفظ أركان البدن في عافيتها وصحتها: ((ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا أبدًا ما أحييتنا، وأجعله الوارث منا))؛ لأنها إذا صحَّت هذه الأعضاء، فإنه يستطيع معها على أمور الدين والدنيا، يتعبَّد ربَّه، ويقوم بشعائره، وأيضا يقوم بما يقتضيه الحال من وجوده في هذه الحياة الدنيا؛ ولذا لو تأمل الإنسان في هذه النعم التي أعطيَها في عافيته في بدنه، ولو أراد أن يقدِّرها بمال لصار أعظم وأكبر غنيٍّ ينافس الأغنياء في أموالهم ..

(من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده) هذه العافية ينبغي أن يستحضرها المؤمن حتى يصرفها في طاعة الله، وما أبلغ ما وعظ به أحد جلساء خليفة من الخلفاء، لما قال له: يا أمير المؤمنين، لو أنك حوصرت، ومنع منك الطعام والشراب، وأشرفت على الموت، وقيل لك: جرعة ماء تُبقي بها على حياتك، في مقابل نصف ملكك، أكنت تبذله؟ قال؛ أبذلُه غير متردد.

ثم قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت هذه الجرعة من الماء حينما استقرت في جوفك، فاحتبست وحار الأطباء ليس لها طريق خروج، هل كنت تبذل في سبيل خروجها نصف ملكك؟ قال: أبذله غير متردد.

قال له: فتأمل في دنيا تَبْذُل من أجلها ملكك كلَّه من أجل جرعة ماء في دخولها أو في خروجها.

إنها نعمة عظيمة، نعمة عظيمة لا يشعر بها أكثر الناس، يصبحون ويمسون وهم متسخِّطون على ربهم، غير مستشعرين لهذه النعم، نعم عظيمة يحصل بها توازن هذا البدن في كل أحواله، والخبراء والأطباء يعلمون أنواع التوازنات الموجودة في أبدان الناس التي يصلح معها حالهم: نعمة تردد النفس، نعمة تدفق الدماء، نعم عظيمة في ضبط توازنات السوائل، وغير ذلك مما في البدن بما يحصل معه من تهيئ قضاء الحوائج، وتيسُّر الأمور، وسير الإنسان في معاشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *