Share Button

يوسف كرم وقراءة مُبكرة لفلسفة الدين (3)

 بقلم : د. عصمت نصّار  

يبدو أن أستاذنا “يوسف كرم” قد جعل مشروع عقلانية الميتافيزيقا هو المبحث الأهم في تاريخ الفلسفة قديمها وحديثها، لدرجة أنه أجتهد في إعادة تعريفها الذي ذاع بين الخواص والعوام باعتبارها موضوعات خارج العقل؛ فبيّن التعريف الصحيح لهذا المصطلح بعد تحليل بنيته وتأويل أقوال الفلاسفة ذات الصلة به “الفلسفة القبليّة” أو “ما بعد العلم”. ويقول في ذلك: (إنّ ما بعد الطبيعة علم خاص، موضوعه تلك المسائل الثلاثة (الإله أو العلة الأولى، والموجودات الروحيّة والنفس ودرجاتها، والعالم غير المرئي والحقائق في ذاتها)، وهذا العلم من هذا الوجه أجدرُ بأن يسمى “ما قبل الطبيعة” أو “ما فوق الطبيعة”؛ لعلوّ موضوعه واستناد العلم الطبيعي عليه كاستناد الطبيعة نفسها على القدرة العظمى، فهو متقدّم عليها. والفرق جسيم بين البعدية المكانية والتبعية الوجودية). 

ويسترسل مفكرنا في نقد الاتجاهات المنكرة لعقلانيّة الميتافيزيقا ويبيّن أن القول بعدم قدرة العقل الإنساني على تصور عالم الربوبية وما يتبعه من غيبيات لا يعني أبداً أن هذا العالم غير معقول من جهة، وليس موجوداً من جهة أخرى.

ولعلّ أشهر المثاقفات التي دارت بين “يوسف كرم” وأنصار الفلسفة المادية هي تلك التي ذكرها ذكي نجيب محمود (1905-1993م) في كتابه من زاوية فلسفية حيث عاب مفكرنا “يوسف كرم” – في خطابٍ أرسله له قبيل وفاته – على ربطه بين الحس والمنطق والتجربة والعقل وإنكاره لعقلانية الميتافيزيقا ووصفه إياها بالخرافة، وذلك بالإضافة إلى حرص مفكرنا على إثبات تهافت المذهب المادي في كتابيه (العقل والوجود) و (الطبيعة وما بعد الطبيعة). ويقول في ذلك (ومهما يكن من رأي أوجست كونت وسبنسر وغيرهما من الحسيّين مما لا شك فيه أن العلم الواقعي لا يقوم بدون الفلسفة الأولى ولا يغني عنها. أما أنه لا يقوم بدونها فواضح أن العلم يدور على الكلي الضروري، والتجربة قاصرة عنهما دائماً بالغة ما بلغت القوانين العلمية التي يعتزون بها، مفتقرة إلى أساس عقلي يثبت لها الكلية ويضمن لها الضرورة في المستقبل. أنهم ينكرون العلل الفاعلية والغائية اكتفاء بالقوانين، كأن القوانين وضعت أنفسها وكأنه يمكن أن يكون لها أصلُ عوضاً عن ماهيات الأشياء).

وانتهى من نقده للحسيّين إلى أن العلم لا يغني عن الفلسفة ولا يجوز جعلها مجرد تابعة له. ويرجع ذلك إلى طبيعة كلا منهما؛ فالفلسفة في إمكانها استيعاب القضايا العلمية والقوانين المنبثقة عنها مع استيعابها للقضايا والمبادئ المغايرة لطبيعة العلم مثل الأخلاق والدين. أمّا محاولة صبغها بالصبغة العلميّة أو جعلها مجرد تابع لشرح أو توضيح ما ينتهي إليه العلم فهذا لا يكون لأنها أعم من تصوراته وقوانينه، كما أن حقائقها يقينية على العكس من مُدركات العلم النسبية الاحتمالية، أضف إلى ذلك أن المشتغلين بالعلم دون الفلسفة يؤكدون على وجود أشياء وموضوعات وقضايا خارج نطاق التجربة الحسية، فإذا تجاهلوها لا يمكنهم إنكار وجودها بمنهجهم وطرائقهم. ومن هؤلاء الفلاسفة الروحيين والعقليين والنفعيين وكذا الذين جمعوا بين النسبي والمطلق في إطار واحد والعقلي والعملي في دائرة واحد.

ويستأنف مفكرنا تحليلاته الفلسفية، فيذهب إلى أن الفيلسوف الفرنسي “هنري برجسون” (1859-1941م) يرى أن الوجود في تدفق مستمر وخلْق دائم؛ فالأحياء العاقلة تستخدم الوجود لصالحها وفق إدراكها وصوالحها. ويتطلب هذا التفاعل بين الموجودات والعقل الإنساني بقسمة ذلك التطور الجارف إلى موجودات حسية وأخرى يختص بها العقل وحده. فالموجودات الحسية تدرك بالحواس ويستخدمها البدن بحسب متطلباته. أما الموجودات غير المحسوسة فيفكر فيها العقل ويقسمها إلى جواهر وأعراض وأسباب ومسببات.

ويعني ذلك أن “برجسون” ينظر للعقل الإنساني على أنه لا يدرك الوجود المادي إلا عن طريق التجربة الحسية والتفكير العقلي المتعلق بالظواهر المحسوسة. أمّا حقيقة الوجود الكلي المتناغم المتصل المتجانس فلا يدرك عن طريق الذهن؛ بل عن طريق الحدس العقلي الذي لا يفرق بين ظواهر الأشياء؛ بل ينفذ إلى حقيقة الوجود التي لا تنفصل عن الأشياء ذاتها، وهي معرفة لا تحتاج إلى تبريرات ولا استدلالات وتشغل من العقل موضع اليقين؛ فهى بديهية لا يمكن الشك في صحتها.

ثم يتناول مفكرنا الفيلسوف الأمريكي “وليم جيمس” (1842-1910م) الذي رغب عن المشكلات الجدلية حيال الوجود (حسي وعقلي، مادي وروحي، وحدة وكثرة، قديم أو مخلوق) واهتم بدراسة المسائل التي تفضي إلى نتائج عملية يمكن الإنسان الاستفادة منها. أمّا الأفكار الملتبسة فهي كالأشجار اليابسة التي لا تنتظر منها ثمراً أو نفعاً فينبغي الإعراض عنها، ورغم ذلك قد ناقش “وليم جميس” إحدى موضوعات الميتافيزيقا المتعلقة بقدم العالم وآلية إيجاده من وجهة نظر الماديين أو حدوثة بفعل الله الخالق وهو ما يدين به المؤمنون.

وانتهى إلى أن المنفعة هي التي يحتكم إليها العقل لترجيح أحد الرأيين على الآخر، فذهب إلى أن الإيمان بوجود خالق يمنح ويمنع ويُعين الأخيار ويكافئهم على حسن سلوكهم، ويعاقب الأشرار على الخبيث من أفعالهم. ذلك أفضل من تصور الماديين الذي حكموا على العالم بالفناء الآلي آجلاً أو عاجلاً دون أي دور للوجود الإنساني أو أثر ينعكس عليه ويدفعه للتفاعل مع الحياة. (والحاجة إلى نظام خُلقي دائم إحدى حاجاتنا العميقة والعقيدة الروحية ترضي هذه الحاجة في حين أن الشمس المادية تغرب في بحر من الآمال الخائبة فالمذهب الروحي صادق بهذا المعنى وبهذا المقدار)؛ فالإيمان بالدين ووجود الله والعالم الغيبي الشاغل بالأرواح لا جدوى من التفكير فيه كمعاني ودلالات؛ بل وفق المصالح والغايات والمقاصد والمآلات.

فالأفكار الصحيحة والمعارف التي تتضمّن حقيقة لا تكون كذلك إلا بغاياتها ومراميها ونتائجها. (فالحقيقة اختراع وليس اكتشاف، ومن ثمّ نحن نخترع الحقائق وفق مصالحنا العمليّة).

ويرى مفكرنا أن “كانط” و “برجسون” و”جيمس” قد نظروا جميعاً إلى الميتافيزيقا وموضوعاتها (الدين والله والغيبيات) من نافذة العقل العملي الذي يكفل للإنسان الاستقرار والسعادة والأمل. وبيّن أن هذا التقسيم للعقل ليس إلا تصوراً يعجز العقل النقدي عن إثباته، كما أن “كانط” يقع في تناقد في تسليمه بوجود أشياء ضرورية تستمد ماهيتها من ذاتها مثل الضمير والخير والإله. كما أن نظرية “برجسون” تفتقر إلى الاتساق والنسقية، ويبدو ذلك في جعله العقل وليد الإحساس، وأن الروحي من خلق المادي دون أن يبرر الحكمة من جعل العقل منوط بالإدراك والتفسير والتعليل ونقد ومعارضة لوجهة الحياة النفعيّة.

كما أن ادعاء العمليين بأن الحقائق من اختراع العقل وهو الذي يعطيها صفة الوجود من عدمه، فإنّ في ذلك إنكار لوجود حقائق متفق عليها بين عقول البشر. فما اخترعه الأغيار وعقولهم ليس في إمكاننا التسليم بوجوده بعقولنا، وعليه فالعقل العملي يكتشف وجود الأشياء ويبررها ولكنه لا يخلقها أو يوجدها (والوضع الصحيح هو : أن ما هو حق في النظر فهو خير في العمل؛ الأمر أوضح في المسائل الخلقية التي تصدر الآراء فيها عن نزعتين وتحتمل عملين). ومن ثم لا يمكننا اعتبار التسليم بوجود الله والإيمان بالعالم الآخر من الأفكار التي اخترعها العقل، فهو يقدسها مع إمكانه إنكارها أو جحدها إذا فقدت قيمتها العملية شأنها في ذلك شأن الفضائل والقيم الأخلاقية. أمّا الفلسفة الحقة فتسعى إلى إثبات الحقائق المطلقة واليقينيات في ذاتها وعليه (فلا مناص من الرجوع إلى طبائع الأشياء وترتيبها بعضها فوق بعض درجات لتعلم أيهما يؤثر وأيهما يُنبذّ).

ففلسفة الميتافيزيقا هي التي تعطي للنظريات التي ينتجها العقل نسقيتها واتساقها وتخلصها من الاضطراب ومواضع الذلل والازدواجية في الأحكام، وهي أيضاً التي تؤكد قدرة العقل على استيعاب المعاني والدلالات المحسوس مع تفهمه لطبائع التصورات المجرّدة مثل الإله والنفس والمُثل العليا والكمالات والجميل والقبيح والخير والشر وتميّز كذلك بين النسبي والمطلق. (وإنّا لنرجو أن يخرج القارئ من هذا البحث بأن ما بعد الطبيعة لا يعني ما وراء الوجود، وما في عالم الخيال، وإنّما هو علم الوجود من حيث هو كذلك وأساس العلوم وتاجها).

تلك كانت خلاصة قراءة أستاذنا “يوسف كرم” لمبحث الميتافيزيقا. وإذا كنا نعيب عليه صعوبة أسلوبه في العرض والمعالجة في معرض حديثه عن أهمية الفلسفة، وفي تلك الحقبة الزمنية التي كان الرأي العام فيها غير مُلم بقضايا الفلسفة ومشكلاتها، ومع ذلك فإننا نشيد في الوقت نفسه بهذه القراءة الإبداعية التي مهدت الطريق لاستيعاب موضوع فلسفة الدين الذي لم يُطرح من قبل في الكتابات العربية الحديثة على هذا النحو النقدي المتميز بالعمق، والرصانة في العرض، والأصالة في المعالجة.

وخليقٌ بنا أن نتسأل:  هل هذا الطرح الفلسفي قد استوعبه الكُتاب المعاصرون ولا سيما في الثقافة العربية الذين ساروا خلف مصطلح فلسفة الدين ليصوبوا سهامهم للميتافيزيقا ويرمون المُثل العليا والضمير الإنساني الذي يدين بها، بوابل من اللعنات والافتراءات والسخرية والتهكمات؟

ونتسأل أيضاً : هل فلسفة الدين التي كشف “يوسف كرم” عن مقاصدها تفضح عبث المتفلسفين المعاصرين الذين زعموا أن التنكر للمقدس والكفر بالعقائد والهجوم على الربوبية والعالم الغيبي والنبوات والمعجزات والكتب المقدّسة من دواعي التقّدم والمدنية ومقتضيات العقل المعاصر وليد الحداثة التي ردت للإنسان شخصيته وللعقل الفرد حريته؟ أم ترانا في حاجة لإعادة قراءة ما كتبه “يوسف كرم” منذ قرابة 90 عاماً؟!

فها هو يقول: (وعلينا أن نُحسن الاستماع) (ونقصد أخيراً إلى إتمام البحث الشامل واستيفاء اليقين الكلي، بالصعود إلى العلة الأولى للطبيعة، أي لخالقها ومشرِّع قوانينها، المفارق لها، العالي على موجوداته، وقد نفت وجوده فرق، وضلت في فهمه فرق، فتكدّست المسائل في هذه الناحية من المعرفة وأعضلت حتى لا يهتدي إلى وجه الحق فيها إلا الأقلون).

وللحديث بقيّة مع كاتب آخر وفي موضوع يُرغّب الرأي العام في الفلسفة، ويدفع الباحثين المتخصصين إلى تأمل نتاج الأساتذة المُبدعين في النصف الأول من القرن العشرين.

Share Button

By Ahram.

اترك رد