Share Button

 

ورد في بعض الكتب المنزلة أن الله تبارك و تعالي يقول :
عبدي إلي كم تستمر علي عصياني و أنا غذيتك برزقي و إحساني ؟ أما خلقتك بيدي أما نفخت فيك من روحي ؟ أما علمت فعلي بمن أطاعني و أخذي لمن عصاني ؟ أما تستحي تذكرني في الشدائد و في الرخاء تنساني ؟ عين بصيرتك أعماها الهوي قل لي بماذا تراني ؟ هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة فإلي كم هذا التواني ؟
إن تُبت من ذنبك آتيتك أماني.
أُترك داراً صفوها كدر و آمالها أماني ، بعت وصلي بالدون و ليس لي في الوجود ثاني
ما جوابك إذا شهدت عليك الجوارح بما تسمع و تري ؟!
(يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرا)
آل عمران ٣٠)
( يراجع كتاب بحر الدموع للعلامة ابن الجوزي البغدادي ص١٢)
و اصطحب الليلة معي ثلاثة من الصحابة تخلفوا عن غزوة تبوك دون عذر و استضيف بالحديثً عنهم ابن أحدهم و هو الصحابي كعب بن مالك إذ أخبر معمر عن الزهري قال أخبرني ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال أنه لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتي إذا كانت غزوة تبوك و آذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل و أنه تقاعس عن الذهاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اللحاق بركبه و لم يزل كذلك حتي أُلبِس به الذنب فتخلف و جعل يمشي في الأسواق و يطوف بالمدينة فلا يري أحداً تخلف إلا رجلا مغموصاً عليه في النفاق أي متهما بالنفاق و قيل معناه مستحقرا
و كان جميع من تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة و ثمانون رجلاً ثم استطرد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره حتي بلغ تبوكاً ، قال ما فعل كعب بن مالك؟
فرد رجلٌ من قومه : خلّفه يا رسول الله برداه و النظر في عطفيه فهب معاذ بن جبل كالأسد الرئبال يدافع عن كعب بن مالك بقوله بئس ما قلت ، و الله يا نبي الله ما علمنا عنه إلا خيراً
فلما قضي النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك و قفل راجعاً و دني من المدينة جعل كعب يتذكر كيف يخرج من سخط النبي صلى الله عليه وسلم و أدرك أنه لانجاة له إلا بالصدق فدخل المسجد فألفي النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فما أن رآه حتي تبسم تبسم المُغضب و سأله ألم تكن ابتعت ظهرك الراحلة ؟
فرد بلي يا رسول الله
قال فما خلّفك ؟
فرد و الله لو بين يدي أحد من الناس غيرك جلست لخرجت من سخطه عليّ بعذر و لقد أوتيت جدلاً و لكن قد علمت يا نبي الله أني إن أخبرتك اليوم بقولٍ تجد عليّ فيه و هو حق فإني أرجو فيه عقبي الدار و إن أحدثتك اليوم حديثاً ترضي عني فيه و هو كذب أوشك الله أن يطلعك عليّ و اعترف بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم قائلا :
و الله يا نبي الله ما كنت يوماً قط أيسر ولا أخف حاذاً حالاً مني يوم تخلفت عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
أما هذا فقد صدقكم الحديث فقم حتي يقضي الله فيك.
فقام بعض الناس علي إثره يؤنبونه و علم أن اثنين من الصحابة قالا مقالته و هما هلال بن أمية و مرارة بن ربيعة و كانا قد شهدا غزوة بدر و أردف يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمقاطعة الثلاثة اجتماعياً و نهي عن كلامهم أو التعامل معهم أو مخالتطهم فكان كعب يخرج إلي السوق فلا يكلمه أحد و تنكر له الناس بل و تنكرت له الأرض و الحيطان حتي ما هي بالأرض التي يعرف ولا هي بالحيطان التي يعرف و كان يأتي المسجد فيسلم علي النبي صلى الله عليه وسلم و هو لا يدري هل حرك النبي صلى الله عليه وسلم شفتيه بالسلام أم لا و هو صلي الله عليه وسلم ينظر إليه بمؤخرة عينه فإذا نظر إليه أعرض عنه و أما صاحباه فقد استكانا فجعلا يبكيان الليل و النهار ولا يطلعان رؤوسهما و لما اشتد الحصار عليه من المجتمع حضر إليه رسول من ملك غسان النصراني يطلب إليه أن يلحق به ليواسه و يعوضه فما كان كعب إلا أن أسجر لتلك الرسالة التنور و أحرقها انتصاراً لله و رسوله ثم ضاق الخناق عليه إذ صدر أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أربعين ليلة بأن يعتزل زوجته هو و صاحباه
و يروي كعب أن البلاء لما طال عليه اقتحم علي أبي قتادة و هو ابن عمه بستانه فسلم عليه فلم يرد عليه فقال مغاضباً:
أُنشدك الله يا أبا قتادة ! أتعلم أني احب الله و رسوله ثلاثاً فقال قتادة : الله و رسوله أعلم
فبكي كعب بكاء مراً ثم اقتحم البستان خارجاً حتي إذا مضت خمسين ليلة و قد ضاقت عليه نفسه و ضاقت عليه الأرض بما رحبت و قد صلي الفجر علي ظهر بيته فسمع نداءً من ذروة سلع و هو جبل بالمدينة المنورة
ينادي بصوت جهوري أبشر يا كعب فخرّ ساجداً و أدرك أن الله تعالى قد جاء بالفرج ثم جاءه رجل يركض علي فرس يبشّره فكان الصوت أسرع من فرسه ثم أعطاه ثوبيه بشارة فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد و حوله المسلمون و كان يستنير كاستنارة القمر و كان صلي الله عليه وسلم إذا سُر استنار فقال : أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم مَر عليك منذ ولدتك أمك فقال : يا نبي الله ! أَمِن عند الله أم من عندك ؟
قال بل من عند الله ثم تلا قول الله تعالي :
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَار ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ﴿١١٧﴾ وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١١٨﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿١١٩﴾
التوبة ١١٧ : ١١٩
فهتف كعب و الله لا أحدث إلا صدقاً و من تمام توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقةً لله و رسوله
فأمره النبي أن يمسك بعض ماله فقال كعب فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدقته أنا و صاحباي أن لا نكون كذبناه فهلكنا كما هلكوا و إني لأرجو أن لا يكون ابتلي الله أحداً في الصدق مثل الذي ابتلاني و ما تعمدت لكذبة بعد و إني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
و هكذا كان جزاء الصدق و الطاعة التوبة و المغفرة وحسن الختام وجزيل العطاء و فراديس الجنان
و في ذلك يقول أحمد بن أبي الحواري دخلت علي أبي سليمان الدارني فوجدته يبكي
فقلت له و ما يبكيك يا سيدي فقال لي :
إن أهل المحبة إذا جنّهم الليل افترشوا أقدامهم فدموعهم تجري علي خدودهم بين راكع و ساجد فإذا أشرف المولي جل في علاه عليهم قال يا جبريل بعيني من تلذذ بكلامي و استراح إلي مناجاتي و إني لمطلع عليهم أسمع كلامهم و أري حنينهم و بكاءهم فنادهم يا جبريل و قل لهم ما هذا الجزع الذي أري بكم ؟ هل أخبركم مخبر أن حبيباً يعذب أحبابه بالنار ؟ أم هل يجمل بي أن أبيت قوماً و عند البيات آمرهم إلي النار ؟!
لا يليق هذا بعبد ذميم فكيف بالملك الكريم فبعزتي أقسمت لأجعلن هديتي إليهم أن أكشف لهم عن وجهي الكريم فأنظر إليهم و ينظرون إلىّ.
و عن أبي سليمان الدارني قال :
قرأت في بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالي :
بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي و كابد المكابدون في طلب مرضاتي فكيف بهم و قد صاروا في جواري و بُحبِحوا في رياض خلدي ، هنالك فليبشر المصغون بأعمالهم من نظر العجيب إلي الحبيب القريب ،
أترون أني أضيع لهم ما عملوا ؟!
فكيف و أنا أجود علي المولين و أقبل التوبة من الخاطئين و أنا بهم أرحم الراحمين؟!
(يراجع كتاب بحر الدموع للعلامة ابن الجوزي البغدادي ص١٤)
فيا أيها الغافل إلي كم تنام ؟
أما توقظ الليالي و الأيام ؟
أين سكان القصور و الخيام دار و الله عليهم كأس الحمام فالتقطهم الموت كما يلتقط الحب الحمام
ما لمخلوق فيها دوام طُويت الصحف و جفت الأقلام

فاللهم إنا نسألك رضاك والجنة و نعوذ بك من سخطك و النار و من خزي النار و من عذاب النار و من كل قول أو فعل يقربنا من النار و نسألك توبة تكفر بها ذنوبنا و تغسل بها حوباتنا و تكون زادنا و ركابنا إلي فراديس الجنان بصحبة النبي العدنان صلي الله عليه و سلم
و نسألك الحسني و زيادة و نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم يوم القيامة في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة و نسألك أن تُصلِّ علي النبي الرفيع و النور البديع و الحبيب الشفيع صلاة دائمة منتهي الآباد بلا انقطاع ولا نفاد
من بالصلاة عليه تحط الأوزار و تنال منازل الأبرار و يرحم الكبار و الصغار و تنال رحمة العزيز الغفار ، خير الخلق و أحلاها و أفضلهم منزلة و أعلاها و أحسنهم رتبة و أبهاها و علي آله الطيبين الطاهرين و علي أصحابه الغر الميامين و علي أزواجه أمهات المؤمنين
ما هبت النسائم و ما ناحت علي الأيك الحمائم
ما طلعت شمش النهار و ما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجي حادٍ و حنت بالفلا وجناء

المستشار : عادل رفاعي 🌹♥️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *