Share Button

 

قال الله تعالي
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) الرعد ٢٨”.
وقال تعالي
(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) الفجر ٢٧ : ٣٠ “.
والطمأنينة هي سكون القلب إلي الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ومنه الأثر المعروف، الصدق طمأنينة والكذب ريبة
( أخرجه الترمذي حديث “٢٥١٨” )
وهو ما يعني ان الصدق يطمئن إليه قلب السامع ويجد عنده سكونا إليه والكذب يوجب اضطراباً وارتيابا ومنه قوله صلي الله عليه وسلم ” البر ما اطمأن إليه القلب”
(أخرجه أحمد في المسند “٤/١٩٤” )
أي سكن إليه وزال اضطرابه وقلقه
ومن نافلة القول ان في ذكر الله هَهنا قولان
أحدهما ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوي ذكر الله
ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه
فمنهم من قال هذا في الحلف واليمين، إذا حلف المؤمن علي شيء، سكنت قلوب المؤمنين واطمأنت، ومنهم من قال بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه، يسكن إليه قلبه ويطمئن.
والقول الثاني أن ذكر الله هَهنا القرآن وهو ذكره الذي أنزله علي رسوله صلى الله عليه وسلم وبه طمأنينة قلوب المؤمنين، ذلك بأن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين ولا سبيل إلي حصول ذلك إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه واضطرابه وقلقه من شكه، والقرآن هو المحصل لليقين، الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به
وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى:
( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) الزخرف ٣٦”.
والصحيح أن ذكره الذي أنزله علي رسوله وهو كتابه من أعرض عنه قيض له شيطانا يضله ويصده عن السبيل وهو يحسب أنه علي هدي، وكذلك القولان أيضا في قوله تعالي:
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي) طه ١٢٤
والصحيح أن ذكره الذي أنزله علي رسوله _ وهو كتابه _ ولهذا يقول المعرض عنه ( ربِ لمَ حشرتني أعمي وقد كنت بصيرا) طه ١٢٥”.
وأما تأويل من تأول علي الحلف، فبعيد فإن ذكر الله بالحلف يجري علي لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلي الصادق ولو لم يحلف ولا تطمئن إلي من يرتابون فيه ولو حلف.
وجعل الله سبحانه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة فطوبي لهم وحسن مآب.
وفي قوله تعالي :
(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك) دليل دامغ علي أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة فهناك ترجع إليه وتدخل في عباده وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف
“اللهم هب لي نفساً مطمئنة إليك”
وما أن قابلت صديقي الأزهري النابه حتي بادرته بالسؤال عن الطمأنينة ؟
فرد : أنه سكون يقويه أمن صحيح وبينها وبين السكينة فرقان
أحدهما
١- أن السكينة صولة تورث خمود الهيبة أحياناً، بيد أن الطمأنينة سكون أمن في إستراحة أنس والثاني أن السكينة تكون نعتا وتكون حينا بعد حين، لكن الطمأنينة لا تفارق صاحبها.
فالطمأنينة موجب السكينة وأثر من آثارها وكأنها نهاية السكينة وأن الذي يظهر في الفرق بينهما أمران سوي ما ذُكر
أحدهما أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له السكينة بمنزلة من واجهه عدوٌ يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روعه، والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله وأمن فيه وتقوي بصاحبه وعدته.
و أردف أن للقلب ثلاثة أحوال
١- الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه
٢- زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه
٣- ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه وكل منها يستلزم الآخر ويقارنه، فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها وكذلك بالعكس،
لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوي من استلزام السكينة للطمأنينة
والثاني أن الطمأنينة أعم، فإنها تكون في العلم والخبر به واليقين والظفر بالمعلومة ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن الكريم لما حصل لها الإيمان به ومعرفته والهداية به في ظُلم الآراء والمذاهب واكتفت به منه وحكّمته عليها وعزلتها وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله، فبه خاصمت وإليه حاكمت وبه صالت وبه دفعت الشبهة
وأما السكينة فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه وزوال قلقه واضطرابه كما يحصل عند مقابلة العدو وصولته.
فلما سألته وما درجاتها ؟ قال هي علي ثلاث درجات
١- طمأنينة القلب بذكر الله وهي طمأنينة الخائف إلي الرجاء والضجر إلي الحكم والمبتلي إلي المثوبة
٢- طمأنينة الروح في القصد إلي الكشف وفي الشوق إلي العدة وفي التفرقة إلي الجمع.
٣- طمأنينة شهود الحضرة إلي اللطف وطمأنينة الجمع إلي البقاء وطمأنينة البقاء إلي نور الأزل
وأضاف أن الواصل إلي شهود الحضرة مطمئن إلي لطف الله تعالي وحضرة الجمع يريدون بها الشهود الذاتي فإن الشهود لديهم مراتب بحسب تعلقه.
فلما سألته عن تلك المراتب؟
قال:
شهود الأفعال أول مراتب الشهود ثم فوقه شهود الأسماء والصفات ثم فوقه شهود الذات الجامعة إلي الأسماء والفعال والصفات والتجلي عند القوم بحسب هذه الشهود الثلاثة
فأصحاب تجلي الأفعال مشهدهم توحيد الربوبية وأصحاب تجلي الأسماء والصفات مشهدهم توحيد الألوهية وأما أصحاب تجلي الذات فيغنيه به عنهم وقد يعرض لبعضهم بحسب قوة الوارد وضعف المحل، عجز عن القيام والحركة وأكمل من هؤلاء من يصحبه ذلك في حال حركاته ونوافله فلا يعطل ذرة من أوراده والله سبحانه وتعالى قد فاوت بين قوي القلوب أشد من تفاوت قوي الأبدان، وفي كل شيء له أية، وصاحب هذا المقام آية من آيات الله لأولي الألباب والبصائر، والمقصود أنه لولا طمأنينته إلي لطف الله
لمحقه شهود الحضرة وأفناه جملة فقد خر موسي صعقا، لما تجلي ربه للجبل وتدكدك الجبل وساخ في الأرض من تجليه سبحانه، واياك وترهات القوم وخيالاتهم وان سموك محجوبا وقل اللهم زدني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلا الخيالات والترهات والشطحات ، فكليم الرحمن وحده مع هذا لم تتجل الذات له وأراه ربه تعالي أنه لا يثبت لتجلي ذاته لما أشهده من حال الجبل، وخر الكليم صعقا مغشياً عليه لما رأي ما رأي من حال الجبل عندما تجلي ربه له، ولم يكن تجليا مطلقا
وقال عبدالله بن سلام وكعب الاحبار
ما تجلي من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط، حتي صار دكاً.
وقال السُدّي: ما تجلي إلا قدر الخنصر
(يراجع كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجزء الثاني ص ٢٠٦ : ٢١٢)

فلما سألته الدعاء قال:
اللهم اربط علي قلوبنا ونفوسنا واملأها طمأنينة وغبطة وبشارة بدخول الجنة وهب لنا نفساً مطمئنة إليك طمأنينة الخائف إلي الرجاء والضجر إلي الحكم والمبتلي إلي المثوبة والمطمئن إلي لطفك طمأنينة لا تتغير ولا تتبدل تتألف بها القلوب وتلتئم بها الأمم والشعوب ويرتفع بها التقاطع والتخالف ويعم بها التواصل والتجانس وألحقنا بحبيبنا وقرة أعيننا وشفيعنا وصل عليه وعلي آله الطيبين الطاهرين وعلي زوجاته أمهات المؤمنين وعلي أصحابه الغر الميامين ما هبت النسائم وما ناحت علي الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن الليالي أو بدا السحر
ما صحب الدجي حادٍ وحنت بالفلا وجناء

المستشار: عادل رفاعي 🌹❤️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *